صحيفة الوطن البحرينية
علي حسين باكير
من المعروف أنّ دول الخليج العربية غالباً ما كانت ولا تزال تعتمد في سياساتها الدولية على حليف استراتيجي واحد وهو الولايات المتّحدة الأمريكية، لكنّ هذا الاعتماد وإن تمّ بناء على مصالح مشتركة بين الطرفين في البداية، إلا أنّه وفي الوقت نفسه حدّ من خيارات هذه الدول وبالتالي من سياساتها ونفوذها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وإن كانت دول الخليج العربية مضطرة أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي إلى أن تتجنب التعاون مع الأخير نظراً لعقيدته الماركسية المتعارضة مع فطرة أهل الخليج وعقيدتهم الإسلامية، فإنه ومع انهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد هذا الوضع موجودا.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ عالم (الأحادية القطبية) الذي نعيشه اليوم هو مرحلة انتقالية قصيرة المدى، وأنّ العلاقات الدولية قد ألفت العالم المتعدد الأقطاب، وجب على دول الخليج حينها أن تعيد النظر في سياسة الحليف الاستراتيجي الواحد خاصّة مع انحدار القوّة الأمريكية وفقدانها السياسات العادلة والمتوازنة وإهمالها لمصالح دول وشعوب المنطقة مع الانحياز الواضح والفاضح لإسرائيل والاعتماد على سياسة القوّة المطلقة.
من هذا المنطلق، توجد على الساحة العالمية العديد من القوى بعضها ناشئ (الصين وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) والآخر موجود ولكن يعمل على تحسين موقعه (فرنسا وألمانيا) ولجميعها مصالح مع دول الخليج العربية وإن بنسب متفاوتة، ومع هذا فإننا ندعو إلى توثيق وتقوية العلاقات الصينية - الخليجية القائمة وتحويلها إلى علاقات استراتيجية بناءة للطرفين اعتمادا على المحاور التالية:
أولاً: لماذا اخترنا الصين من بين جميع الدول الأخرى؟
1- إنّ الصين وعلى الرغم من أنّها إحدى أهم القوى الدولية الناشئة من الناحية الاستراتيجية إلا أنّها لا تزال تعد من دول العالم الثالث، وهي بناء على ذلك ليس لديها أي ماض استعماري يثير الحساسيات حول خلفية العلاقات معها أو أهدافها، كما أنّ الصين لا تزال رغم قوّتها تتعامل مع الدول الأخرى من باب الاحترام والتواضع، وليس من باب الإملاءات والغطرسة والضغوط.
2- إنّ الصين منفتحة في الجوانب الثقافية والتجارية، وتهتم بالآخر من هذه الناحية (ونستطيع أن نلمس ذلك مثلاً من خلال المواقع الإلكترونية الرسمية التي تعرض فيها صفحات وأقسام باللغة العربية وهو ما تتجاهله معظم إن لم نقل كل الدول التي لديها علاقات ومصالح استراتيجية أقوى من الصين مع دول العالم العربي)، وهذا الأمر يسهّل طرق التعامل والتعاون ويزيد الثقة بين الطرفين من باب الاحترام والتقدير المتبادل.
3- إنّ الصين تعتمد منذ فترة على ضرورة دعم قيام عالم متعدد الأقطاب، وهو الأمر الذي يتناسب مع توجهات معظم دول العالم ومن بينها الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي من أجل تحقيق مستوى أكبر من العدالة على الصعيدين الإقليمي والدولي ونسبة أكبر من الاستقرار.
4- القوّة الاقتصادية الصينية الهائلة والمتسارعة. فالاقتصاد الصيني يأتي في المرتبة الثانية عالمياً بحجم 124,7 تريليون دولار لعام 2004 إذا ما اعتمدنا على القوة الشرائية مقابل الناتج المحلي الإجمالي، أما إذا ما قيس بسعر الصرف فهو بحسب نشرة البنك الدولي لشهر ديسمبر 2005 يأتي في المرتبة السادسة عالميا بحجم 981,1 تريليون دولار لعام 2005 وهو في المرتبة الرابعة عالميا إذا ما تمت إضافة اقتصاد هونج كونغ إليه، كما أنّ الصين هي ثالث أكبر دولة تجارية في العالم.
5- إنّ العلاقات الاقتصادية الصينية - الخليجية تشهد تطوراً لافتاً ومتسارعاً خلال السنوات الأخيرة، وإنّه لا يجوز أنّ يكون المستوى السياسي أقل من المستوى الاقتصادي الذي تمّ تحقيقه حتى الآن بين الطرفين.
6- إنّ العلاقات غير الرسمية العربية - الصينية قديمة قدم طريق الحرير والخلافة الإسلامية، وهذه أرضية جيّدة للانطلاق بعلاقات رسمية جديدة خاصّة مع وجود أكثر من جالية إسلامية في الصين تتراوح تقديراتها بين 25 و250 مليون مسلم صيني (لا توجد إحصاءات دقيقة).
ثانياً: ماذا تستطيع دول الخليج أن تقدّم للصين؟ (مصالح الصين في دول الخليج)
الاقتصاد الصيني هو محور اهتمام جميع القوى العالمية بما فيها الولايات المتّحدة الأمريكية، ذلك أنّ هذا الاقتصاد ومنذ عام 1978 تقريبا وهو ينمو بمعدل 6-13 في المائة سنوياً. هذا النمو الكبير للاقتصاد الصيني يحتاج إلى استهلاك كميات كبيرة من المواد الأولية والسلع الاستراتيجية لكي يحافظ على وتيرته، كما أنّ الصين تحتاج إلى أسواق خارجية تقوم ببيع منتجاتها فيها واستثمار أموالها لتوسيع رقعة انتشارها المالي والاقتصادي من أجل استغلال نموذجي للطفرة التي تشهدها على الصعيد الاقتصادي لاسيما أنّها تأتي في المرتبة الثانية عالمياً في الاحتياطيات النقدية بمبلغ 400 مليار دولار بعد اليابان التي تأتي بالمرتبة الأولى.
ومن هذا المنطلق فإنّ دول الخليج العربية تستطيع أن توفّر عنصرين أساسيين في استراتيجية الصين الاقتصادية، ألا وهما النفط والأسواق التجارية.
1- النفط: تعتبر الصين ومنذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتّحدة، وتخطّت الصين في تلك الفترة اليابان، واحتلّت مركزها في ما يتعلّق باستهلاك النفط مع طلب كلي يساوي 5,6 مليون برميل يومياً. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ الطلب الصيني على النفط 2,14 مليون برميل يومياً بحلول عام 2025 مع استيرادها الصافي لحوالي 9,10 مليون برميل يومياً. وبازدياد الطلب العالمي على النفط وتقلّص المنتوج النفطي أو تدهوره، تستطيع دول الخليج التي تستحوذ بالإضافة إلى إيران والعراق على ما يقرب من 45 في المائة من احتياطي النفط المعروف منذ عام 1945 و59 في المائة منذ نهاية عام ,2003 خاصّة أنّها تمتلك المراتب الأولى والخامسة والسادسة (السعودية 20 في المائة، الإمارات فوق 8 في المائة بقليل، الكويت أقل من 8 في المائة بقليل) من الاحتياطي النفطي العالمي، والتي تتميز حقولها النفطية بطول متوسط عمرها البالغ 1,90 سنة متجاوزة المتوسط العمري العالمي للآبار البالغ 9,50 سنة، تستطيع هذه الدول أنّ تمدّ الصين بما تحتاجه من إمدادات نفطية ولفترات زمنية طويلة، أو أن تصبح الصين على الأقل المشتري النفطي الأول لدول مجلس التعاون الخليجي.
2- الأسواق التجارية: تعد دول الخليج العربية ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم وثامن أكبر سوق في العالم للمنتجات الصينية، وتاسع أكبر سوق تصدير للصين، وحقق تعاون الطرفين في مجال المقاولات والطاقة والاستثمار تقدماً إيجابياً، وهناك طلب كبير على الأزياء والمنسوجات والإلكترونيات ومنتجات الاتصالات الصينية في السوق الخليجية، كما أن الطلب كبير على البترول والغاز والمنتجات الكيماوية في السوق الصينية. ولكن على الرغم من ذلك، وبالنظر إلى القوة الاقتصادية وإجمالي حجم التجارة الخارجية للطرفين، تعتبر التبادلات التجارية بينهما قليلة حتى إن كان الميزان التجاري بين الصين ودول الخليج يبلغ 65 في المائة من إجمالي حجم التجارة بين الدول العربية والصين حالياً.
لذلك، فالمطلوب حالياً تدعيم اتفاقية السوق المشتركة الخليجية - الصينية بمشاريع اقتصادية وفتح الأسواق الخليجية والقطاعات الاقتصادية فيه للاستثمارات الصينية ومن ضمنها القطاع النفطي ومؤسسات المال والتجارة، ومواكبة الاقتصاد الصيني الذي من المتوقع أن يصل حجمه إلى حجم الاقتصاد الياباني بحلول عام ,2020 ثمّ يتخطى حجم اقتصاد الولايات المتّحدة بعد ذلك بسنوات قليلة، واستيعاب جزء مهم من فوائضه التجارية الهائلة في هذه السنوات، التي بلغت في العام 2005 وحده 100 مليار دولار.
ثالثاً: ماذا تستطيع الصين أنّ تقدّم لدول الخليج؟
1- باستطاعة الصين وهي عضو دائم في مجلس الأمن تقديم دعم سياسي ودولي غير محدود لدول الخليج وتالياً للدول العربية في المحافل الدولية، على أنّ ما يميز السياسة الصينية هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترامها الخصوصية التي تتمتع بها.
2- باستطاعة الصين تقديم دعم تكنولوجي وصناعي لا محدود للدول الخليجية التي تمتلك رؤوس أموال قادرة على تحويل اقتصادياتها عبرها إلى اقتصاديات صناعية شرط تجاوز بعض العوائق المتعلقة بالأمر.
3- تستطيع دول الخليج العربية الاعتماد على التسلح الصيني خاصّة في المسائل الحسّاسة والتكنولوجيا النووية لاسيما أنّ الصين تقدّم هذه الامتيازات من دون أي شروط أو قيود كبيرة وهو عكس ما تقوم به أمريكا تجاه هذه الدول.
4- تستطيع الصين وعبر أسواقها وقطاعاتها الاقتصادية أن تكون ملجأ ممتازا لرؤوس الأموال والاستثمارات الخليجية وخاصّة أثر الفوائض المالية المحقّقة نتيجة ارتفاع أسعار النفط التي بلغت وفق تقرير النفط الشهري لمركز الخليج للأبحاث عن ديسمبر 2005 وحده 20 مليار دولار، الأمر الذي سيؤمن أرباحاً كبيرة إذا ما تمّ استثمار هذه الفوائض في اقتصاد نامي ونشيط كاقتصاد الصين.
5- تستطيع الصين أيضاً وعبر بناء علاقات استراتيجية معها كسر التحالف الأحادي مع أمريكا والهيمنة المطلقة لأمريكا والمفروضة بالقوة في المنطقة، وتحقيق توازن سياسي وعسكري واقتصادي إزاء الانفراد الأمريكي بدول الخليج على كافة الصعد، ومن شأن هذه العلاقات أن توفّر لدول الخليج خيارات أكبر وسياسة رصينة وأكثر تحرراً من الضغوط.
6- تستطيع الصين تالياً تحقيق توازن في الصراع العربي - الإسرائيلي، بعد الدعم اللامحدود الأمريكي - الأوروبي لإسرائيل. ومن إيجابية التحالف الخليجي مع الصين، أنّ للصين علاقات طيبة وجيدة مع العديد من الدول العربية الأخرى مثل السودان، سوريا، مصر والجزائر، وبذلك فهذا النوع من التحالفات لا يتصادم مع سياسات الدول العربية المختلفة وهو على عكس ما كان قائماً إبان الحرب الباردة من انقسام الدول العربية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية.
7- تقديم الخبرة الإدارية والاقتصادية في تحقيق التنمية والتقليل من البطالة وإدارة الاستثمارات وجذبها، وتطوير النظام التعليمي العالي.
رابعاً: عوائق في وجه علاقات صينية - خليجية استراتيجية
1- عدم وجود سياسة خارجية موحدة ورؤية استراتيجية مؤسساتية لدى دول المجلس رغم العوامل المشتركة العديدة، وبالتالي اعتماد السياسة الخارجية على ردود الأفعال واقتصارها على قرارات شخصية في أغلب الأحيان مع اعتماد سياسة خارجية محافظة جدا وغير براغماتية.
2- قلّة عدد الباحثين والمهتمين بالشأن الصيني في هذه البلدان نسبة إلى عدد واهتمامات زملائهم في اختصاصات الولايات المتّحدة الأمريكية وأوروبا، وقلّة انتشار معاهد تعليم اللغات الصينية لدى العرب، والعربية لدى الصين على الرغم من تقدّم الصين قليلا على العرب في هذه الناحية.
3- ضعف التعاون الثقافي والإعلامي والذي لا يرقى بتاتاً إلى مستوى العلاقات والمصالح الاقتصادية بين الطرفين والعلاقات التاريخية القديمة.
4- الهيمنة الأمريكية المطلقة والأحادية على الخليج في كافة المجالات والتي تشكّل العائق الأول والأكبر في وجه علاقات استراتيجية صينية - خليجية.
5- تردد الصين في الوقت الحالي في إنشاء علاقات استراتيجية على شكل تحالفات نظراً لضعف الجانب السياسي لديها مقارنة بالجانب الاقتصادي وخوفاً من أن يحدث تحرّكها هذا ردّة فعل سلبية لدى الولايات المتّحدة فتدخل معها في دائرة صراع قبل أن تتهيأ لهذا الوضع.
وفي جميع الأحوال، تبقى العلاقات الصينية - الخليجية علاقات حسنة حالياً وتحتاج إلى دعم كبير، وكانت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، التي قام بها إلى الصين مؤشراً ممتازاً إلى توجه جديد لاسيما أنّها الزيارة الرسمية الأولى له خارجياً منذ توليه الحكم وهي الأولى أيضاً لملك سعودي إلى الصين منذ بدء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولا شكّ أنّ هذه الخطوة تصب في الإطار الذي نبغيه، بانتظار المزيد.
علي حسين باكير
من المعروف أنّ دول الخليج العربية غالباً ما كانت ولا تزال تعتمد في سياساتها الدولية على حليف استراتيجي واحد وهو الولايات المتّحدة الأمريكية، لكنّ هذا الاعتماد وإن تمّ بناء على مصالح مشتركة بين الطرفين في البداية، إلا أنّه وفي الوقت نفسه حدّ من خيارات هذه الدول وبالتالي من سياساتها ونفوذها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وإن كانت دول الخليج العربية مضطرة أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي إلى أن تتجنب التعاون مع الأخير نظراً لعقيدته الماركسية المتعارضة مع فطرة أهل الخليج وعقيدتهم الإسلامية، فإنه ومع انهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد هذا الوضع موجودا.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ عالم (الأحادية القطبية) الذي نعيشه اليوم هو مرحلة انتقالية قصيرة المدى، وأنّ العلاقات الدولية قد ألفت العالم المتعدد الأقطاب، وجب على دول الخليج حينها أن تعيد النظر في سياسة الحليف الاستراتيجي الواحد خاصّة مع انحدار القوّة الأمريكية وفقدانها السياسات العادلة والمتوازنة وإهمالها لمصالح دول وشعوب المنطقة مع الانحياز الواضح والفاضح لإسرائيل والاعتماد على سياسة القوّة المطلقة.
من هذا المنطلق، توجد على الساحة العالمية العديد من القوى بعضها ناشئ (الصين وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) والآخر موجود ولكن يعمل على تحسين موقعه (فرنسا وألمانيا) ولجميعها مصالح مع دول الخليج العربية وإن بنسب متفاوتة، ومع هذا فإننا ندعو إلى توثيق وتقوية العلاقات الصينية - الخليجية القائمة وتحويلها إلى علاقات استراتيجية بناءة للطرفين اعتمادا على المحاور التالية:
أولاً: لماذا اخترنا الصين من بين جميع الدول الأخرى؟
1- إنّ الصين وعلى الرغم من أنّها إحدى أهم القوى الدولية الناشئة من الناحية الاستراتيجية إلا أنّها لا تزال تعد من دول العالم الثالث، وهي بناء على ذلك ليس لديها أي ماض استعماري يثير الحساسيات حول خلفية العلاقات معها أو أهدافها، كما أنّ الصين لا تزال رغم قوّتها تتعامل مع الدول الأخرى من باب الاحترام والتواضع، وليس من باب الإملاءات والغطرسة والضغوط.
2- إنّ الصين منفتحة في الجوانب الثقافية والتجارية، وتهتم بالآخر من هذه الناحية (ونستطيع أن نلمس ذلك مثلاً من خلال المواقع الإلكترونية الرسمية التي تعرض فيها صفحات وأقسام باللغة العربية وهو ما تتجاهله معظم إن لم نقل كل الدول التي لديها علاقات ومصالح استراتيجية أقوى من الصين مع دول العالم العربي)، وهذا الأمر يسهّل طرق التعامل والتعاون ويزيد الثقة بين الطرفين من باب الاحترام والتقدير المتبادل.
3- إنّ الصين تعتمد منذ فترة على ضرورة دعم قيام عالم متعدد الأقطاب، وهو الأمر الذي يتناسب مع توجهات معظم دول العالم ومن بينها الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي من أجل تحقيق مستوى أكبر من العدالة على الصعيدين الإقليمي والدولي ونسبة أكبر من الاستقرار.
4- القوّة الاقتصادية الصينية الهائلة والمتسارعة. فالاقتصاد الصيني يأتي في المرتبة الثانية عالمياً بحجم 124,7 تريليون دولار لعام 2004 إذا ما اعتمدنا على القوة الشرائية مقابل الناتج المحلي الإجمالي، أما إذا ما قيس بسعر الصرف فهو بحسب نشرة البنك الدولي لشهر ديسمبر 2005 يأتي في المرتبة السادسة عالميا بحجم 981,1 تريليون دولار لعام 2005 وهو في المرتبة الرابعة عالميا إذا ما تمت إضافة اقتصاد هونج كونغ إليه، كما أنّ الصين هي ثالث أكبر دولة تجارية في العالم.
5- إنّ العلاقات الاقتصادية الصينية - الخليجية تشهد تطوراً لافتاً ومتسارعاً خلال السنوات الأخيرة، وإنّه لا يجوز أنّ يكون المستوى السياسي أقل من المستوى الاقتصادي الذي تمّ تحقيقه حتى الآن بين الطرفين.
6- إنّ العلاقات غير الرسمية العربية - الصينية قديمة قدم طريق الحرير والخلافة الإسلامية، وهذه أرضية جيّدة للانطلاق بعلاقات رسمية جديدة خاصّة مع وجود أكثر من جالية إسلامية في الصين تتراوح تقديراتها بين 25 و250 مليون مسلم صيني (لا توجد إحصاءات دقيقة).
ثانياً: ماذا تستطيع دول الخليج أن تقدّم للصين؟ (مصالح الصين في دول الخليج)
الاقتصاد الصيني هو محور اهتمام جميع القوى العالمية بما فيها الولايات المتّحدة الأمريكية، ذلك أنّ هذا الاقتصاد ومنذ عام 1978 تقريبا وهو ينمو بمعدل 6-13 في المائة سنوياً. هذا النمو الكبير للاقتصاد الصيني يحتاج إلى استهلاك كميات كبيرة من المواد الأولية والسلع الاستراتيجية لكي يحافظ على وتيرته، كما أنّ الصين تحتاج إلى أسواق خارجية تقوم ببيع منتجاتها فيها واستثمار أموالها لتوسيع رقعة انتشارها المالي والاقتصادي من أجل استغلال نموذجي للطفرة التي تشهدها على الصعيد الاقتصادي لاسيما أنّها تأتي في المرتبة الثانية عالمياً في الاحتياطيات النقدية بمبلغ 400 مليار دولار بعد اليابان التي تأتي بالمرتبة الأولى.
ومن هذا المنطلق فإنّ دول الخليج العربية تستطيع أن توفّر عنصرين أساسيين في استراتيجية الصين الاقتصادية، ألا وهما النفط والأسواق التجارية.
1- النفط: تعتبر الصين ومنذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتّحدة، وتخطّت الصين في تلك الفترة اليابان، واحتلّت مركزها في ما يتعلّق باستهلاك النفط مع طلب كلي يساوي 5,6 مليون برميل يومياً. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ الطلب الصيني على النفط 2,14 مليون برميل يومياً بحلول عام 2025 مع استيرادها الصافي لحوالي 9,10 مليون برميل يومياً. وبازدياد الطلب العالمي على النفط وتقلّص المنتوج النفطي أو تدهوره، تستطيع دول الخليج التي تستحوذ بالإضافة إلى إيران والعراق على ما يقرب من 45 في المائة من احتياطي النفط المعروف منذ عام 1945 و59 في المائة منذ نهاية عام ,2003 خاصّة أنّها تمتلك المراتب الأولى والخامسة والسادسة (السعودية 20 في المائة، الإمارات فوق 8 في المائة بقليل، الكويت أقل من 8 في المائة بقليل) من الاحتياطي النفطي العالمي، والتي تتميز حقولها النفطية بطول متوسط عمرها البالغ 1,90 سنة متجاوزة المتوسط العمري العالمي للآبار البالغ 9,50 سنة، تستطيع هذه الدول أنّ تمدّ الصين بما تحتاجه من إمدادات نفطية ولفترات زمنية طويلة، أو أن تصبح الصين على الأقل المشتري النفطي الأول لدول مجلس التعاون الخليجي.
2- الأسواق التجارية: تعد دول الخليج العربية ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم وثامن أكبر سوق في العالم للمنتجات الصينية، وتاسع أكبر سوق تصدير للصين، وحقق تعاون الطرفين في مجال المقاولات والطاقة والاستثمار تقدماً إيجابياً، وهناك طلب كبير على الأزياء والمنسوجات والإلكترونيات ومنتجات الاتصالات الصينية في السوق الخليجية، كما أن الطلب كبير على البترول والغاز والمنتجات الكيماوية في السوق الصينية. ولكن على الرغم من ذلك، وبالنظر إلى القوة الاقتصادية وإجمالي حجم التجارة الخارجية للطرفين، تعتبر التبادلات التجارية بينهما قليلة حتى إن كان الميزان التجاري بين الصين ودول الخليج يبلغ 65 في المائة من إجمالي حجم التجارة بين الدول العربية والصين حالياً.
لذلك، فالمطلوب حالياً تدعيم اتفاقية السوق المشتركة الخليجية - الصينية بمشاريع اقتصادية وفتح الأسواق الخليجية والقطاعات الاقتصادية فيه للاستثمارات الصينية ومن ضمنها القطاع النفطي ومؤسسات المال والتجارة، ومواكبة الاقتصاد الصيني الذي من المتوقع أن يصل حجمه إلى حجم الاقتصاد الياباني بحلول عام ,2020 ثمّ يتخطى حجم اقتصاد الولايات المتّحدة بعد ذلك بسنوات قليلة، واستيعاب جزء مهم من فوائضه التجارية الهائلة في هذه السنوات، التي بلغت في العام 2005 وحده 100 مليار دولار.
ثالثاً: ماذا تستطيع الصين أنّ تقدّم لدول الخليج؟
1- باستطاعة الصين وهي عضو دائم في مجلس الأمن تقديم دعم سياسي ودولي غير محدود لدول الخليج وتالياً للدول العربية في المحافل الدولية، على أنّ ما يميز السياسة الصينية هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترامها الخصوصية التي تتمتع بها.
2- باستطاعة الصين تقديم دعم تكنولوجي وصناعي لا محدود للدول الخليجية التي تمتلك رؤوس أموال قادرة على تحويل اقتصادياتها عبرها إلى اقتصاديات صناعية شرط تجاوز بعض العوائق المتعلقة بالأمر.
3- تستطيع دول الخليج العربية الاعتماد على التسلح الصيني خاصّة في المسائل الحسّاسة والتكنولوجيا النووية لاسيما أنّ الصين تقدّم هذه الامتيازات من دون أي شروط أو قيود كبيرة وهو عكس ما تقوم به أمريكا تجاه هذه الدول.
4- تستطيع الصين وعبر أسواقها وقطاعاتها الاقتصادية أن تكون ملجأ ممتازا لرؤوس الأموال والاستثمارات الخليجية وخاصّة أثر الفوائض المالية المحقّقة نتيجة ارتفاع أسعار النفط التي بلغت وفق تقرير النفط الشهري لمركز الخليج للأبحاث عن ديسمبر 2005 وحده 20 مليار دولار، الأمر الذي سيؤمن أرباحاً كبيرة إذا ما تمّ استثمار هذه الفوائض في اقتصاد نامي ونشيط كاقتصاد الصين.
5- تستطيع الصين أيضاً وعبر بناء علاقات استراتيجية معها كسر التحالف الأحادي مع أمريكا والهيمنة المطلقة لأمريكا والمفروضة بالقوة في المنطقة، وتحقيق توازن سياسي وعسكري واقتصادي إزاء الانفراد الأمريكي بدول الخليج على كافة الصعد، ومن شأن هذه العلاقات أن توفّر لدول الخليج خيارات أكبر وسياسة رصينة وأكثر تحرراً من الضغوط.
6- تستطيع الصين تالياً تحقيق توازن في الصراع العربي - الإسرائيلي، بعد الدعم اللامحدود الأمريكي - الأوروبي لإسرائيل. ومن إيجابية التحالف الخليجي مع الصين، أنّ للصين علاقات طيبة وجيدة مع العديد من الدول العربية الأخرى مثل السودان، سوريا، مصر والجزائر، وبذلك فهذا النوع من التحالفات لا يتصادم مع سياسات الدول العربية المختلفة وهو على عكس ما كان قائماً إبان الحرب الباردة من انقسام الدول العربية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية.
7- تقديم الخبرة الإدارية والاقتصادية في تحقيق التنمية والتقليل من البطالة وإدارة الاستثمارات وجذبها، وتطوير النظام التعليمي العالي.
رابعاً: عوائق في وجه علاقات صينية - خليجية استراتيجية
1- عدم وجود سياسة خارجية موحدة ورؤية استراتيجية مؤسساتية لدى دول المجلس رغم العوامل المشتركة العديدة، وبالتالي اعتماد السياسة الخارجية على ردود الأفعال واقتصارها على قرارات شخصية في أغلب الأحيان مع اعتماد سياسة خارجية محافظة جدا وغير براغماتية.
2- قلّة عدد الباحثين والمهتمين بالشأن الصيني في هذه البلدان نسبة إلى عدد واهتمامات زملائهم في اختصاصات الولايات المتّحدة الأمريكية وأوروبا، وقلّة انتشار معاهد تعليم اللغات الصينية لدى العرب، والعربية لدى الصين على الرغم من تقدّم الصين قليلا على العرب في هذه الناحية.
3- ضعف التعاون الثقافي والإعلامي والذي لا يرقى بتاتاً إلى مستوى العلاقات والمصالح الاقتصادية بين الطرفين والعلاقات التاريخية القديمة.
4- الهيمنة الأمريكية المطلقة والأحادية على الخليج في كافة المجالات والتي تشكّل العائق الأول والأكبر في وجه علاقات استراتيجية صينية - خليجية.
5- تردد الصين في الوقت الحالي في إنشاء علاقات استراتيجية على شكل تحالفات نظراً لضعف الجانب السياسي لديها مقارنة بالجانب الاقتصادي وخوفاً من أن يحدث تحرّكها هذا ردّة فعل سلبية لدى الولايات المتّحدة فتدخل معها في دائرة صراع قبل أن تتهيأ لهذا الوضع.
وفي جميع الأحوال، تبقى العلاقات الصينية - الخليجية علاقات حسنة حالياً وتحتاج إلى دعم كبير، وكانت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، التي قام بها إلى الصين مؤشراً ممتازاً إلى توجه جديد لاسيما أنّها الزيارة الرسمية الأولى له خارجياً منذ توليه الحكم وهي الأولى أيضاً لملك سعودي إلى الصين منذ بدء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولا شكّ أنّ هذه الخطوة تصب في الإطار الذي نبغيه، بانتظار المزيد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق