صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
إريك بوزنر وكاس سانشاين
اعلنت الصين في الشهر الماضي انها سترفض أي محاولات دولية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة منها. وجاء الاعلان في اعقاب تقرير مفاده ان الصين أصبحت أكبر دولة في مجال انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري وتجاوزت بذلك أمريكا التي كانت تحتل المرتبة الأولى.
ولا يعد عناد الصين فريداً. فاستناداً إلى دعم قوي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، رفض الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش اتفاقية كيوتو على اساس أنها ستكلف أكثر من اللازم وستحقق أقل من اللازم. وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية تعلن حماسها لاتفاقية كيوتو إلا أن هناك احتمالات بأن لا تتقيد دول عدة وقعت عليها بشروطها بحلول عام 2012 حيث تنقضي الاتفاقية، وعلى الرغم من ان غالبية الدول الآن تعتبر التغير المناخي مشكلة خطيرة، إلا أنها لا تستطيع أن تتفق على كيفية مواجهته.
وكانت الأصابع تشير إلى الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأكثر تجاوزا فيما يتعلق بغازات الاحتباس الحراري، ولكن يتضح الآن ان غالبية الدول الكبرى في العالم كانت مدفوعة بمصالحها الذاتية. وكانت الولايات المتحدة ستضطر لتحمل الثلثين أو أكثر من تكلفة اتفاقية كيوتو، وربما فاق ما تتحمله الدول الأخرى مجتمعة. وطبقاً للتوقعات الحالية، فإن أكبر الخاسرين جراء ازدياد درجة حرارة الأرض، فيما يتعلق بالاقتصاد والصحة، هي أوروبا والدول النامية.
وتبدو الصين والولايات المتحدة أقل عرضة للخطر في حين ان روسيا ربما حققت مكاسب من زيادة الانتاجية الزراعية. وصادقت روسيا على اتفاقية كيوتو ولكنها فعلت ذلك فقط لأنها حصلت على حقوق اطلاق غازات دفيئة تساوي ثروة.
وتدخل الدول عادة في معاهدات لمساعدة نفسها وليس لمساعدة الآخرين. وفي عام 1987، سعت الولايات المتحدة جاهدة لإقرار بروتوكول مونتريال الذي قيد استخدام الكيماويات المستنفدة لطبقة الأوزون. ولم تفعل الولايات المتحدة ذلك انطلاقاً من نزعة ايثار لديها وانما لأن تحليلاً للتكاليف والمنافع أقنع الرئيس الراحل رونالد ريجان بأن الولايات المتحدة ستكسب أكثر بكثير مما ستخسره. ولم يشكل الخطر على الكيماويات المستنفدة للأوزون عبئاً على شركات الولايات المتحدة. وبالمقارنة، قاومت الدول النامية بقوة ذلك البروتوكول وطالبت وتلقت دفعات جانبية ضخمة من الدول الغنية.
ولا تعد هذه الدفعات الجانبية أمراً غير عادي. وعندما تحتاج مجموعة دول تعاون دولة أخرى في مجال ما من مجالات العلاقات الدولية ولا تحقق تلك الدولة مكاسب عبر الاتفاق المقترح، فإن دفعات ما أو اعفاءات يتم ترتيبها. وبما تبعثه الصين من كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري، تعتبر الدولة المسببة لأكبر مشكلة في ما يتعلق بالتغير المناخي. وسواء رضيت الدول الأخرى أم رفضت فإن الطريقة الوحيدة أمامها لتضمن التعاون الصيني هي من خلال حافز خاص مثل الدفعات النقدية أو حقوق انبعاثات اضافية.
ويجيء هنا السؤال الأكثر صعوبة: هل ينبغي الدفع للولايات المتحدة أيضاً لكي تشارك؟ لا أحد في الواقع يقترح نهجاً كهذا والأمر محير. وعندما دافعت الولايات المتحدة عن الكويت خلال حرب الخليج الأولى، قدمت دول أخرى مساهمات مالية كبيرة من التكلفة. فما هو الاختلاف في حالة التغير المناخي؟
هناك اجابتان محتملتان: الأولى هي ان الولايات المتحدة غنية في حين ان غالبية الدول المهددة بخطر الاحتباس الحراري هي دول فقيرة. ويبدو ان الفكرة هي انه يتعين على الدول الغنية تحمل تكلفة غير متكافئة من الاجراءات الوقائية التي تفيد الجميع. وهي فكرة مغرية. ولكن إذا كان الهدف الحقيقي هو مساعدة الدول الفقيرة فإن النهج الأفضل هو ان تزيد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة معونات التنمية التي تقدمها، وإذا كان المطلوب هو اعادة التوزيع، فيبدو غريباً ان تتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من تكلفة اتفاقية خاصة بالتغير المناخي.
والاجابة الثانية هي ان الولايات المتحدة مسؤولة على نحو غير متكافئ عن حجم انبعاثات غازات الدفيئة في الجو. وأنتجت الولايات المتحدة حوالي 30 في المائة من الحجم الحالي (مقارنة ب 8 في المائة لروسيا والصين و6 في المائة لبريطانيا). وربما كان على الولايات المتحدة التزام خاص بتقليل حجم المشكلة.
وتشبه هذه المقولة الادعاءات في شأن تعويضات عن المظالم التاريخية وتعاني من نقاط الضعف ذاتها. فالدول ليست أفراداً وانما هي مجموعات أفراد. وغالبية الأشخاص المسؤولين عن الحجم الحالي لغازات الاحتباس الحراري ميتون. وإذا كان العالم يريد ان يلقي المسؤولية على جميع الدول الصناعية، ولا سيما الولايات المتحدة، بسبب زيادتها درجة حرارة المناخ، فإن نظرية العدالة التصحيحية تشير إلى انها يجب أن تعوض المزايا التي حققتها هذه الدول أيضاً بما في ذلك الانتشار التكنولوجي الذي عزز رفاهية الناس في كل أنحاء العالم.
وقد أدى النقاش حول التغير المناخي أخيراً إلى فهم مفاده ان العالم عموماً سيستفيد من اتفاقية تحكم في الانبعاثات. والمرحلة الثانية هي الاعتراف بأن كوكباً أكثر حرارة يمثل مشاكل أكثر لبعض الدول، وان ضوابط الانبعاثات ستكلف بعض الدول أكثر من دول أخرى، ولا توجد دولة تنفق الكثير مقابل القليل.
وحان الوقت لكي يتخذ العالم خطوات ليدفع للصين مقابل مشاركتها في الاتفاقية. ومن غير المرجح ان تتلقى الولايات المتحدة الأكثر غنى دفعة كهذه أو ان تطالب بها. وعلى الرغم من ذلك، نخشى انه في حال لم يقنع العالم الولايات المتحدة بأنها ستكسب أكثر مما ستخسر من اتفاق خاص بالتغير المناخي، فإن إبرام اتفاقية فعالة سيكون مستحيلاً.
إريك بوزنر وكاس سانشاين
اعلنت الصين في الشهر الماضي انها سترفض أي محاولات دولية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة منها. وجاء الاعلان في اعقاب تقرير مفاده ان الصين أصبحت أكبر دولة في مجال انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري وتجاوزت بذلك أمريكا التي كانت تحتل المرتبة الأولى.
ولا يعد عناد الصين فريداً. فاستناداً إلى دعم قوي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، رفض الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش اتفاقية كيوتو على اساس أنها ستكلف أكثر من اللازم وستحقق أقل من اللازم. وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية تعلن حماسها لاتفاقية كيوتو إلا أن هناك احتمالات بأن لا تتقيد دول عدة وقعت عليها بشروطها بحلول عام 2012 حيث تنقضي الاتفاقية، وعلى الرغم من ان غالبية الدول الآن تعتبر التغير المناخي مشكلة خطيرة، إلا أنها لا تستطيع أن تتفق على كيفية مواجهته.
وكانت الأصابع تشير إلى الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأكثر تجاوزا فيما يتعلق بغازات الاحتباس الحراري، ولكن يتضح الآن ان غالبية الدول الكبرى في العالم كانت مدفوعة بمصالحها الذاتية. وكانت الولايات المتحدة ستضطر لتحمل الثلثين أو أكثر من تكلفة اتفاقية كيوتو، وربما فاق ما تتحمله الدول الأخرى مجتمعة. وطبقاً للتوقعات الحالية، فإن أكبر الخاسرين جراء ازدياد درجة حرارة الأرض، فيما يتعلق بالاقتصاد والصحة، هي أوروبا والدول النامية.
وتبدو الصين والولايات المتحدة أقل عرضة للخطر في حين ان روسيا ربما حققت مكاسب من زيادة الانتاجية الزراعية. وصادقت روسيا على اتفاقية كيوتو ولكنها فعلت ذلك فقط لأنها حصلت على حقوق اطلاق غازات دفيئة تساوي ثروة.
وتدخل الدول عادة في معاهدات لمساعدة نفسها وليس لمساعدة الآخرين. وفي عام 1987، سعت الولايات المتحدة جاهدة لإقرار بروتوكول مونتريال الذي قيد استخدام الكيماويات المستنفدة لطبقة الأوزون. ولم تفعل الولايات المتحدة ذلك انطلاقاً من نزعة ايثار لديها وانما لأن تحليلاً للتكاليف والمنافع أقنع الرئيس الراحل رونالد ريجان بأن الولايات المتحدة ستكسب أكثر بكثير مما ستخسره. ولم يشكل الخطر على الكيماويات المستنفدة للأوزون عبئاً على شركات الولايات المتحدة. وبالمقارنة، قاومت الدول النامية بقوة ذلك البروتوكول وطالبت وتلقت دفعات جانبية ضخمة من الدول الغنية.
ولا تعد هذه الدفعات الجانبية أمراً غير عادي. وعندما تحتاج مجموعة دول تعاون دولة أخرى في مجال ما من مجالات العلاقات الدولية ولا تحقق تلك الدولة مكاسب عبر الاتفاق المقترح، فإن دفعات ما أو اعفاءات يتم ترتيبها. وبما تبعثه الصين من كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري، تعتبر الدولة المسببة لأكبر مشكلة في ما يتعلق بالتغير المناخي. وسواء رضيت الدول الأخرى أم رفضت فإن الطريقة الوحيدة أمامها لتضمن التعاون الصيني هي من خلال حافز خاص مثل الدفعات النقدية أو حقوق انبعاثات اضافية.
ويجيء هنا السؤال الأكثر صعوبة: هل ينبغي الدفع للولايات المتحدة أيضاً لكي تشارك؟ لا أحد في الواقع يقترح نهجاً كهذا والأمر محير. وعندما دافعت الولايات المتحدة عن الكويت خلال حرب الخليج الأولى، قدمت دول أخرى مساهمات مالية كبيرة من التكلفة. فما هو الاختلاف في حالة التغير المناخي؟
هناك اجابتان محتملتان: الأولى هي ان الولايات المتحدة غنية في حين ان غالبية الدول المهددة بخطر الاحتباس الحراري هي دول فقيرة. ويبدو ان الفكرة هي انه يتعين على الدول الغنية تحمل تكلفة غير متكافئة من الاجراءات الوقائية التي تفيد الجميع. وهي فكرة مغرية. ولكن إذا كان الهدف الحقيقي هو مساعدة الدول الفقيرة فإن النهج الأفضل هو ان تزيد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة معونات التنمية التي تقدمها، وإذا كان المطلوب هو اعادة التوزيع، فيبدو غريباً ان تتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من تكلفة اتفاقية خاصة بالتغير المناخي.
والاجابة الثانية هي ان الولايات المتحدة مسؤولة على نحو غير متكافئ عن حجم انبعاثات غازات الدفيئة في الجو. وأنتجت الولايات المتحدة حوالي 30 في المائة من الحجم الحالي (مقارنة ب 8 في المائة لروسيا والصين و6 في المائة لبريطانيا). وربما كان على الولايات المتحدة التزام خاص بتقليل حجم المشكلة.
وتشبه هذه المقولة الادعاءات في شأن تعويضات عن المظالم التاريخية وتعاني من نقاط الضعف ذاتها. فالدول ليست أفراداً وانما هي مجموعات أفراد. وغالبية الأشخاص المسؤولين عن الحجم الحالي لغازات الاحتباس الحراري ميتون. وإذا كان العالم يريد ان يلقي المسؤولية على جميع الدول الصناعية، ولا سيما الولايات المتحدة، بسبب زيادتها درجة حرارة المناخ، فإن نظرية العدالة التصحيحية تشير إلى انها يجب أن تعوض المزايا التي حققتها هذه الدول أيضاً بما في ذلك الانتشار التكنولوجي الذي عزز رفاهية الناس في كل أنحاء العالم.
وقد أدى النقاش حول التغير المناخي أخيراً إلى فهم مفاده ان العالم عموماً سيستفيد من اتفاقية تحكم في الانبعاثات. والمرحلة الثانية هي الاعتراف بأن كوكباً أكثر حرارة يمثل مشاكل أكثر لبعض الدول، وان ضوابط الانبعاثات ستكلف بعض الدول أكثر من دول أخرى، ولا توجد دولة تنفق الكثير مقابل القليل.
وحان الوقت لكي يتخذ العالم خطوات ليدفع للصين مقابل مشاركتها في الاتفاقية. ومن غير المرجح ان تتلقى الولايات المتحدة الأكثر غنى دفعة كهذه أو ان تطالب بها. وعلى الرغم من ذلك، نخشى انه في حال لم يقنع العالم الولايات المتحدة بأنها ستكسب أكثر مما ستخسر من اتفاق خاص بالتغير المناخي، فإن إبرام اتفاقية فعالة سيكون مستحيلاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق