الثلاثاء، 28 أغسطس 2007

أوراق صينية

صحيفة الخليج الإماراتية
خيري منصور
منذ فترة والكلام يدور حول التنين القادم وهو الاسم الحركي للصين، تلك الامبراطورية التي عاشت داخل سورها قروناً طويلة، ولم يكن لها، كما يقول مؤرخوها سياسة خارجية، لأن ما يقع خلف السور هو الآخرون.
امبراطورية الأسرار والعزلة التي راوحت بين الاختيار والإجبار، تزحف ببطء وتثاقل، لكنها تنذر من استثمروا غيابها زمناً طويلاً بقيامة آسيوية قد تقلب معادلات، وتغير منظومات دولية، وما شهدته الصين في هذه الآونة من تشكيك غربي بالتزامها العلمي بكل ما تصنع، يطرح عدة إشارات استفهام.
بدءاً من معاجين الأسنان التي تسببت في التسمم، وانتهاء بألعاب الأطفال التي تحول بعضها إلى أفخاخ تصطاد هؤلاء الأطفال وتلحق بهم أذى غير محسوب.
كم من الحقيقة وكم من الإعلام الموظف والمسيس وراء هذه الظاهرة المثيرة؟
هذا السؤال يطرحه المراهنون على صين قادمة، ويعولون على قيامتها الصناعية وبالتالي السياسية كي لا يبقى هذا الكوكب أحادي القطب بكل المعايير.
وعلينا بدءاً أن نعترف، ولأبدأ بنفسي، بأن العربي الذي يزور الصين يعيد النظر في كونه شرقياً.. لأن ثقافته ومرجعيات غذائه وأدبيات سلوكه كلها مستقاة من الحضارة الغربية.
ففي أحد فنادقها بالعاصمة بكين، التقيت عربياً لا تهمه الثقافة، لكنه اكتشف أهميتها وهو لا يدري، فقد أخبرني بأنه شعر بالأمان عندما رأى مطعماً أوروبياً، يستطيع أن يتحدث فيه بالإنجليزية مع العاملين. ومنذ ذلك الوقت وأنا أضع هذه الجملة المعترضة في الذاكرة داخل كل مقال أو كتاب أو تصريح يخص الصين.. فالسور لم يعد مثلما كان، وثمة صينيون بالآلاف يتناوبون على مقعد مقابل مطعم للهمبرجر في إحدى ساحات العاصمة بكين، مقابل آلاف السياح الغربيين الذين يلتقطون الصور على السور العظيم، والذي سمعوا أو قرأوا أنه المعلم الوحيد في هذا الكوكب الذي يمكن مشاهدته من القمر.
الصين لم تتحرر بعد من أسطورتها الخاصة، لكن العالم الصناعي الساعي إلى عولمة الدنيا بأسرها أضاف اسطورة أخرى إلى التنين، عندما صوره قوة هاجعة بانتظار الاندلاع من القمقم العملاق.
لقد سبق هذا التشكيك بالتزام الصين المناهج العلمية والشروط الصحية لصناعاتها المتعلقة بالتداول البشري، إفراط في التعويل على قدومها الانقلابي، ومن حق أي مراقب أن يضع عينات من الإفراط والتشكيك معاً تحت المجهر، فقد يكون الخافي من جبل الجليد أو من التنين أضعاف المرئي منه بالعين المجردة.
لقد تفاءل الصينيون خلال العام الماضي بعام الكلب وهو أحد الأبراج الصينية في التقاويم التي تراوح بين الزمان والاسطورة، فالكلب له صفات حميدة وأخرى سيئة، وعلى الصينيين أن يختاروا الصفات الحميدة، فلا يعضون أحداً، ولا يصدرون صوتاً، بل يجلسون في صمت بانتظار ما تجود به سماؤهم من مسرات.

ليست هناك تعليقات: