الخميس، 16 أغسطس 2007

الماركات الإيطالية تستخدم صينيين لتصنيع منتجاتها

صحيفة الوقت البحرينية
بلدة براتو، الواقعة في ضواحي فلورنسا، ليست شبيهة بالبلدات الأخرى في هذه المنطقة من إيطاليا. طبعا، لديها السور الضروري من القرون الوسطى، وبضع كنائس على الطراز الباروكي وشوارع جذابة مرصوفة بالحصى. لكن بدلا من رائحة الثوم المقلي، تفوح في الأجواء رائحة المعجنات الصينية المقلية. كما أن المصابيح الورقية الحمراء منتشرة في المقاهي بقدر شراشف الطاولات ذات النقوش المربعة بالأبيض والأحمر، وعدد الأشخاص الذين يتحدثون الصينية يفوق عدد الذين يتحدثون الإيطالية.
قلب قطاع صناعة الثياب
في الواقع، هذا المجتمع التوسكاني الذي يضم نحو 200000 منزل تعيش فيه ثاني أكبر جالية صينية في أوروبا بعد باريس. كما أنه في قلب قطاع صناعة الثياب في إيطاليا، حيث توسم كل المنتجات بعبارة ‘’صنع في إيطاليا’’، التي توحي للكثيرين بأنها صنعت على أيدي حرفيين إيطاليين منكبين فوق مناضدهم يخيطون آخر الدرزات على زوج من الأحذية الجلدية أو الحقائب المترفة. لدى غوتشي وبرادا مصانع هنا وتضم براتو حتى متحف النسيج الرسمي الإيطالي، الذي يستعرض تاريخ صناعة الملابس المترفة في البلد.
لكن صورة العامل الإيطالي الماهر المنكب على عمله بشغف تتلاشى بسرعة. في أواخر تسعينات القرن الماضي، بدأت الكثير من دور الأزياء بتصنيع منتجاتها في الصين وبنغلادش، حيث اليد العاملة رخيصة والإنتاج أسرع. وأقفل الكثير من مصانع الثياب التي يملكها إيطاليون لعجزها عن التنافس. فسارع بعض رجال الأعمال الصينيين الأثرياء إلى شرائها مستقدمين عمالهم. اليوم، باتت المنطقة تعج بالعمال الصينيين، ومعظمهم من غير الشرعيين، وهو ما يتيح لدور الأزياء الراقية التي ترفض إنتاج سلعها في الخارج أن توظف صينيين في الداخل، أي في توسكانا، لكن بأجور صينية. وتقدر التعاونية المعنية بتنمية البلدان الناشئة أن الكثيرين منهم يعملون لقاء 2 يورو في الساعة، ويمكنهم العيش في إيطاليا فقط من خلال التعامل مع المؤسسات الموجودة في الحي الصيني في براتو.
الحرفيون المهاجرون
لطالما لعب الحرفيون المهاجرون دورا أساسيا في قطاع الأزياء الإيطالي، لكنهم عملوا في الخفاء مدة طويلة. اليوم، يلعب العمال المهاجرون دورا أكثر علنية في صناعة الملابس المترفة. فمن بين مصانع النسيج البالغ عددها 4275 في براتو، يملك الصينيون 2500 مصنع، وهم يميلون إلى استخدام عمال صينيين فقط. ومعظم دور الأزياء الإيطالية الكبيرة ــ بما فيها برادا، وفيرساتشي وجورجيو أرماني ــ تعتمد بشدة على مصانع يملكها صينيون في براتو.
في الحقيقة، قد يكون استخدام عمال صينيين في إيطاليا حلا لمعضلة صعبة بالنسبة إلى دور الأزياء المترفة: كيفية الحد من الكلفة والحفاظ على حقها في وضع شارة ‘’صنع في إيطاليا’’ على منتجاتها. في دراسة شملت شركات النسيج الإيطالية، تبين لميكيلا بيليتشيلي، أستاذة الاقتصاد في جامعة بافيا، أن دور الأزياء المترفة مثل غوتشي وأرماني تظن أن الاعتماد على مصادر خارجية لتصنيع منتجاتها يضع سمعتها على المحك، حتى لو عنى ذلك أرباحا أقل. وبدلا من الاعتماد على مصادر إنتاج خارجية، قررت برادا السنة الماضية بيع الكثير من أصولها، بما فيها ماركتا جيل ساندر وهيلموت لانغ. واضطرت دور أزياء مترفة أخرى إلى أن تحذو حذوها، لاعتقادها أن ‘’المستهلكين، ولاسيما الآسيويين، لن يشتروا [الملابس] ما لم تكن مصنوعة في إيطاليا’’، كما تقول بيليتشيلي.
مصادر إنتاج خارجية
الأمر المؤكد هو أن 31 بالمئة من كبرى دور الأزياء الإيطالية تعترف بأنها استعانت بمصادر إنتاج خارجية في وقت ما 7 بالمئة فقط لم تقم بذلك، بحسب دراسة بيليتشيلي. لكن معظمها تخشى فقدان السيطرة على منتجاتها وزوال المهارات العمالية الضرورية في إيطاليا. وتقول: ‘’إذا كانت الاستعانة بمصادر خارجية هي الطريقة الوحيدة، فإن الشركة سوف تفقد الكفاءة التقنية وقدرتها الإبداعية في النهاية’’. الكثير من كبار المصممين يعتقدون أن شارة ‘’صنع في إيطاليا’’ التي تذكّر بالتاريخ الطويل للحرفية الماهرة، تبرر الأسعار المرتفعة، حتى لو كانت السلع من إنتاج أجانب. لكن بيليتشيلي تتساءل ‘’إذا كانت الملابس تحاك في مصانع متدنية الكلفة في الخارج، فكيف سيكون رد فعل المستهلكين؟’’.
لن تكون سيئة بالضرورة، كما تبين لـ’’بيـــنيـــتون’’. مــع أن الشـــركة تنـــتــج 80 بالمئة من ملابسها خارج إيطاليا، فإن أرباحها تستمر في النمو، وقد شهدت ازديادا بنسبة 12 بالمئة تقريبا في صافي دخل الربع الأول من العام 2006 مقارنة بالعام .2007 قد تكون الملابس منتجة في الصين أو تركيا، لكن لم يكتب عليها سوى ‘’من صنع بينيتون’’.
بعض الإنتاج لن ينتقل أبدا إلى أيد أجنبية، لاسيما السلع الرفيعة المستوى التي تصنع بأعداد قليلة. هناك مؤيدون نافذون للمساعي الهادفة إلى إبقاء مصانع الثياب في إيطاليا، على رأسهم باولو زينيا، وريث ماركة إرمينيغيلدو زينيا ورئيس اتحاد شركات الأقمشة والأزياء. لقد أصبح بطلا في أوساط محبي السلع الإيطالية المترفة لتوبيخه الشركات التي تصنع منتجاتها في الخارج أو تنشئ مصانع استغلالية في الداخل. يقول ‘’طيلة قرون، تناقلت الشركات الإيطالية طرق عملها من الأب إلى الابن، مقدمة منتجا فريدا من نوعه. وإذا لم نتخذ خطوات حازمة، فقد نخسر كل ذلك’’. بهذه الوتيرة، حتى الذين يقاومون إغراءات ما تسميه بيليتشيلي بالمشغل العالمي الجديد سيضطرون إلى إضافة عبارة ‘’من قبل الصينيين’’ بعد ‘’صنع في إيطاليا’’.

ليست هناك تعليقات: