السبت، 11 أغسطس 2007

لمكافحة الفساد.. اطلبوا الخبرة ولو من الصين

موقع إسلام أون لاين
حازم يونس
متى نفتح ملف الفساد؟
لا تزال نظراته المكسورة الحزينة تتراءى أمام عيني.. بينما يقف والده خلف القضبان الحديدية بدار القضاء العالي لاتهامه بقضية رشوة.. تساءلت وقتها: "هل تساوي كنوز الدنيا هذه النظرة التي يراها هذا الأب في عين نجله؟.. وماذا لو عاد الزمن للوراء؟.. هل تكون هذه النظرة حائلا بين الأب وهذه الجريمة؟".
كانت إجابتي "نعم".. وتخيلت وقتها أن الرسالة ينبغي أن تكون وصلت لمحترفي الفساد من خلال هذه النظرات، ولكن للأسف خاب ظني، وتكرر نفس المشهد مع قضايا أخرى.
سألت وقتها صديقًا يعمل في مجال الطب النفسي حول أسباب ذلك، فقال لي: "مشكلتنا أننا لا نفكر في عواقب أفعالنا؛ لأننا لم نتعود على ذلك، في البيت والمدرسة".
وأضاف: "ما المانع أن يفتح مدرس المدرسة نقاشًا مفتوحًا مع التلاميذ حول أحد قضايا الفساد المنشورة بالصحف، ويسألهم عن رأيهم في الأسباب التي أدت لوقوعها، ليعرف نظرة الأطفال لمثل هؤلاء المفسدين".
واعتبر صديقي أن ذلك سيكون بمثابة حاجز نفسي يمنع هؤلاء الأطفال من الوقوع في شرك الفساد مستقبلا، حتى لا يتحولوا لمادة للمناقشة.
فعلتها الصين
أخذت كلام صديقي وفكرت فيه، ولكني وصلت إلى نتيجة مؤداها أن ذلك لا يمكن أن يحدث لسبب بسيط هو عدم توافر نية مكافحة الفساد عند المسئولين العرب.. وتوالت السنين لتؤكد ذلك، والدليل زيادة حجم الفساد في الدول العربية ليصل وفق تقرير للبنك الدولي عام 2006 إلى 300 مليار دولار، وهو مبلغ يساوي الناتج القومي لمعظم البلدان العربية مجتمعة، ويمثل ثلث حجم الفساد المسجل في جميع دول العالم قاطبة.
ويبدو أن الصين كانت تسمع كلام صديقي الذي قاله منذ ثلاث سنوات، فقد طيرت وكالات الأنباء في 6 أغسطس 2007 خبرًا عن إقرارها مادة اسمها "التعليم الأمين" ضمن المناهج التعليمية لطلبه المدارس بكل المراحل التعليمية.
وبين الخبر أن الكتب الدراسية الخاصة بهذه المادة ستختلف من مرحلة لأخرى، حيث ستركز في المرحلتين الابتدائية والإعدادية على التحدث عن الجانب الإيجابي بعرض معايير الشخصية النزيهة والوطنية، بينما ستركز كتب طلاب الثانوي على المخالفين لهذه المعايير من خلال عرض نماذج عملية مثل قضية نائب البرلمان "شينج كيجي" الذي أعدم في عام 2000 لتلقيه رشوة.
خطة شاملة
إلى هنا انتهى الخبر، ولكن ما لم يذكره وعرفته بعد بحث على شبكة الإنترنت عن خلفياته أن
الصين أقرت منذ عام 2004 خطة شاملة تهدف لمكافحة الفساد، وأثمرت عن عقاب نحو 70 ألف مسئول، منهم نحو 18 ألف تمت محاكمتهم في الأشهر الثمانية الأولى لعام 2006، وهم مسئولون ينتمون لقطاعات مختلفة، من الحكم المحلي إلى القضاء والجيش والنيابة.
لم أتوقف كثيرا أمام هذا العدد برغم ضخامته، فهو إذا قورن بعدد سكان الصين لا يساوي شيئا، ولكن الذي توقفت أمامه طويلا هو لماذا لم تأخذ الدول العربية مثل هذه الخطوات الجادة، برغم أن معدلات الفساد بالعالم العربي أصبحت من الضخامة بحيث تساوي الناتج القومي لمعظم البلدان العربية مجتمعه، كما أشرت سالفا.
ابحث عن القدوة
الإجابات التي قفزت إلى ذهني كثيرة.. بعضها أرجع الأمر لسمات في الشخصية العربية التي تعودت على الرضا بالأمر الواقع.. وبعضها مال إلى ترجيح كفة عدم وجود نظام يسمح بعقاب المفسد.
سألت الخبير الاقتصادي د.أشرف دوابة صاحب العديد من الدراسات حول ظاهرة الفساد عن رأيه، فلم ينكر هذين السببين، ولكنه تساءل: "وما الذي أدي لهما؟".
واعتبر د. دوابة أن غياب القدوة تمثل السبب الرئيس للمشكلة، وبسببها ظهرت الأسباب الأخرى.
ولذلك فإن الفساد لن تتم مواجهته من وجهة نظرة إلا إذا تمت أولا محاسبة الكبير قبل الصغير، وبعد ذلك تأتي الوسائل الأخرى كالكتب المدرسية، وهذا ما فعلته الصين، فقد حاسبت الكبار أولا، ثم لجأت لخطوة تربية النشء الصغير من خلال المدرسة، وبدون ذلك فإن الأمر لن يعدو كونه "نظريات تفتقد التطبيق".
ويتفق د. عبد اللطيف اللبوني أستاذ الاقتصاد بجامعة أم درمان بالسودان مع الرأي السابق في أهمية وجود القدوة، ولكنه يرى أنها لن تتحقق إلا إذا تم تعديل التشريعات بحيث تسمح بمزيد من الشفافية والرقابة الشعبية التي يمثل وجودها حائط صد أمام الفساد والمفسدين.. أما تدريس مناهج لمكافحة الفساد بالمدارس فيرى اللبوني أن عالمنا العربي ليس بحاجة لها؛ لأن مناهج التربية الإسلامية تحقق نفس الهدف.
المواجهة أولا
وبرغم اختلاف دوابة واللبوني في أهمية وجود مناهج لمكافحة الفساد، فإن ما يعنيني أنهما اتفقا على جوهر الإجراءات الصينية، وهي البدء بالمواجهة، ثم يأتي دور المدرسة، سواء كان من خلال مناهج التربية الإسلامية أو مناهج مكافحة الفساد.
فهل نرى قريبًا محاولة عربية جادة لاستنساخ التجربة الصينية؟ نتمنى ذلك حتى لا يتكرر مشهد الابن يشاهد والده خلف القضبان بنظرة حزينة مكسورة.

ليست هناك تعليقات: