الأربعاء، 29 أغسطس 2007

الحرب على النفط وضحاياها في مناجم الفحم

صحيفة الاقتصادية السعودية
د. أنس بن فيصل الحجي ـ أكاديمي وخبير في شؤون النفط
وجدت صعوبة بالغة في كتابة هذا المقال. فكلما فكرت كيف تحولت مئات مناجم الفحم إلى مقابر جماعية، وكيف مات شبان في عمر الورد ببطء شديد وهم يتنفسون ما تبقى من ذرات الأكسجين في الأعماق السحيقة، سرت القشعريرة في جسمي وتوقفت عن الكتابة. أكره المناجم، ليس لأنها قاتمة ورطبة ومخيفة، بل لأنني أيضاً مصاب بمرض "الخوف من الأماكن الضيقة"، لذلك أشعر بالألم كلما سمعت عن انهيار منجم في مكان ما، وانحباس عمال في مكان ما... حتى الموت. مهما تكن أعراق وأديان مَن قتلوا في مناجم الفحم، فإن ما حصل لهم هو مأساة إنسانية تجعلنا نتعاطف معهم ومع عائلاتهم.
نتج عن الانهيار الضخم الذي وقع في منجم في ولاية يوتا الأمريكية إغلاق المنجم إلى الأبد بعد أن ابتلع ستة رجال لم تتمكن فرق الإنقاذ حتى من انتشال جثثهم. الشعب الأمريكي تابع هذه المأساة الإنسانية على مدار الساعة حتى جاءت الأخبار على أسوأ هيئة لها: انهيار فوهة المنجم فوق مجموعة من رجال الإنقاذ ومقتل ثلاثة منهم، ثم قرار أصحاب المنجم إغلاقه وتحويله إلى ضريح.
المأساة الكبرى في الصين حيث تبتلع المناجم آلاف الأشخاص سنوياً. البيانات المنشورة عن عدد القتلى في المناجم مذهلة، علما بأنها تشمل فقط ما اعترفت به الحكومة الصينية حيث يعتقد الخبراء أن أرقام الحكومة أقل بكثير من الحقيقة. تشير البيانات إلى أن عدد القتلى في مناجم الفحم الصينية يراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف شخص سنوياً، عدد أكبر من القتلى الأمريكيين في الحرب الأمريكية في العراق. وتعترف الحكومة الصينية بأن عدد مَن قتل في المناجم منذ تسلم الشيوعيين الحكم في عام 1949 تجاوز ربع مليون شخص... ربع مليون شخص ضحايا مناجم الفحم في بلد واحد...! في بداية الأسبوع الماضي اختفى أكثر من 180 عاملا في أحد مناجم الفحم في مدينة زينتي الواقعة في منتصف المسافة بين شنغهاي وبكين عندما ارتفع منسوب المياه قرب أحد المناجم وأغرق المنجم الواقع على عمق 900 متر من سطح الأرض. بعد ذلك بأيام، يوم السبت الماضي تحديداً، قتل سبعة عمال منجم للفحم في إقليم منغوليا في الصين إثر انفجار الغاز داخل المنجم. مآسي مناجم الفحم لا تقتصر على الولايات المتحدة والصين فقط، بل تمتد إلى دول أخرى مثل روسيا، أوكرانيا، الهند، وأستراليا.
سعر النفط
إن عدد القتلى الهائل كل سنة يثير سؤالاً مهماً يتعلق بسعر النفط. فهل تكلفة استخراج الفحم، البديل الأساس للنفط، هي تكلفة استخراج الفحم فقط، أم أنها تتضمن الخسائر البشرية؟ بعبارة أخرى، هل يجب ارتفاع أسعار النفط إذا تم التحول من الفحم إلى النفط لأن النفط يمنع هذه الكوارث من الحدوث؟ إنه من المنطقي مثلاً أن تدفع الصين سعراً أعلى للنفط لأنه يمنع مقتل آلاف العمال الصينيين سنوياً. المشكلة هنا أنه من الصعب جداً تحديد كمية الزيادة، ولكن النظرية الاقتصادية تؤكد أحقية النفط في الحصول على زيادة في سعره في هذه الحالة.
فشل الدول النفطية
على الرغم من أن ما يحصل في مناجم الفحم هو كارثة إنسانية، إلا أن الدول النفطية فشلت فشلاً ذريعاً في استغلال هذه الأحداث لإبراز دور النفط كمصدر للطاقة لا يتطلب استخراجه موت آلاف العمال كل سنة، خاصة في ضوء العداء المستفحل ضد النفط في السنوات الأخيرة. فأعداء النفط يحاربون سكان الدول النفطية عن طريق استبدال النفط بمصدر آخر للطاقة، والذي يعني حرباً شعواء على مصدر رزق هؤلاء السكان، وبالتالي منعهم من الحصول على لقمة العيش. الحقيقة إن الحرب على النفط، ولكن ضحاياها عمال مناجم الفحم.
الفحم أقوى بديل مباشر للنفط حيث حل محله في كثير من الأحيان في توليد الكهرباء، رغم أن كل الخبراء أجمعوا على أن الفحم أكثر تلويثاً للبيئة من النفط بعدة مرات. ويكفي أن نذكر هنا أن المدن الأوروبية والأمريكية لم يكن لها أن ترى الشمس لولا النفط. فقبل اكتشاف النفط غطت السحابات السوداء الناتجة عن استخراج الفحم وحرقه سماء المدن الأوروبية والأمريكية لدرجة أن جيلاً كاملاً في مدينة توليدو في ولاية أوهايو الأمريكية لم ير الشمس، ولدرجة أن أغلب الناس ماتوا قبل بلوغ سن الأربعين. أما في عصر النفط..بعد أن رأى الأمريكيون الشمس.. ارتفع متوسط حياة الفرد الأمريكي إلى ما فوق السبعين. طبعاً لم يكن النفط هو السبب الوحيد، ولكنه كان سبباً أساسياً فيها. المأساة أن كثيراً من الدول، بما في ذلك الصين والهند، يحاول زيادة إنتاج الفحم بشكل كبير للتخفيف من اعتماده على النفط. أما الولايات المتحدة فإنها تحاول زيادة إنتاج الفحم بطريقة ما يسمى "الفحم النظيف" والتي تخفف من آثاره البيئية. الحقيقة أن الحرب على النفط، ولكن ما كان لها أن تبدأ لولا "نعمة" النفط التي مكنّت الأمريكيين من أن يعيشوا في رفاه لم تشهده البشرية من قبل.
خلاصة القول، استمرار أسعار النفط المرتفعة شيء منطقي إذا كانت التكلفة المالية والبشرية للبدائل عالية. لقد أسهم النفط في رفاهية الدول الغربية خلال الـ 100 سنة الماضية، فكان عقابه أن شنوا عليه حرباً شعواء، لكن أخوه الفحم انتقم له، فكانت ضحايا الحرب على النفط في مناجم الفحم. لذلك فإنه كلما اشتدت الحرب على النفط، زاد عدد الضحايا في مناجم الفحم.

ليست هناك تعليقات: