الأحد، 12 أغسطس 2007

لكننا ما نزال دولة نامية، يقول الديبلوماسي الصيني

صحيفة المستقبل اللبنانية
بكين ـ حسن داوود
لم يبق شيء كثير من الصورة القديمة التي كانت للصين. في بكين، كما في سائر المدن الكبيرة والصغيرة، لم يعد أحدٌ يرتدي الزي التقليدي. ولم تعد بكين تتميز بقوافل الدراجات التي كانت تملأ طرقاتها. الآن، بات باستطاعة الكثيرين شراء سيارات، كما أن القطار النفقي يؤمن وصول الموظف أو العامل إلى مكان عمله في وقت تحتاج الدراجة إلى أضعافه، وهذا في مدينة تقترب مساحتها من مساحة لبنان جميعه. اما المشهد العمراني الخاص بالمدينة، فينبغي الذهاب، بما يشبه القيام بجولة سياحية، إلى مشاهدة بعض معالمه الباقية.
في أمكنة أخرى طغى عليها العمران الحديث وضعوا عند المداخل أقواساً صينية لتكون مثل بوابات يزينها السقف الصيني الملتوي، الذاهب منحنياً عند نهاياته إلى الأعلى. كل ما تبقى أبنية حديثة، من تلك التي باتت سمة المدن جميعها، في العالم كله. بل إن بكين، ومعها ثلاث مدن قمنا بزيارتها، ورشة قائمة ترتفع في أنحائها الرافعات الشاهقة العلو، او تنتشر فيها تلك الأغطية الخضراء التي تحجب البناء الجاري تحتها. ودائماً هناك الأبنية التي أزيلت لتقام في مكانها أبنية أخرى، شاهقة الارتفاع ايضاً، وإن كان بعضها لا يحمل ترف هذا النوع من الأبنية وتميز مواصفاته.
ومن مشاهد الصين الجديدة ايضاً ان نرى شاباً، هناك عند بوابة سور الصين العظيم، يرتدي قميصاً كتب عليه، بالانكليزية "أنا أريد ان أعيش كما يحلو لي". ومنها ايضاً مشهد الفتيات والفتيان بشعور منكوشة بما يبدو غريباً لشعر الصينيين الأملس، وسراويل الجينز، وأناقة الشكل الذي أقيمت له صالونات تجميل كثيرة، ومولات من طبقات عدة تجري الحياة فيها، تجولاً وبيعاً وشراء، كما في أي مدينة أوروبية.
من بين ما بقي تلك الكتابة الجميلة الرسم والمستحيلة على القراءة لمن هم من غير أهلها، هذه لم تغلبها بعد موجة التحديث على الرغم من اننا شاهدنا محلات للألبسة تسمى بعضها بأسماء فرنسية على الخصوص. لكن الصينية طاغية على نحو يكاد يكون كاملاً. وهم يبدون دائمي الاحتفال بها حيث، في كافة المؤسسات الكبرى، يروح يتساءل الزائر ان كان هذا اللوح الرخامي، المحفورة عليه تلك الحروف، قد أقيم للزينة وللفخامة ام لتسمية المكان والتعريف به. وفي المولات هناك أجنحة تباع فيها رسومات لذلك الخط، وعند الطرقات التي تتلي انتهاء المدن، حيث تكثر المحلات الفقيرة على الجانبين، تظهر اللافتات اكبر واعرض من المحلات نفسها، مزركشة كثيرة بالألوان، وضخمة الخطوط إلى حد أن العابر بالحافلة يستطيع أن يشاهدها تامة غير مشوشة، من مسافة مئتي متر.
ومن بين ما بقي أيضاً تلك اللغة التي لا ندري ان كانت في أصل الثقافة الصينية أم ان الثورة جاءت بها. من تعابير تلك اللغة، مثلاً: "بنك الاشعاع الأبدي" او "مؤسسة الشمس الساطعة" في أحيان تكون هذه اللغة ظاهرة حتى من دون انشائها، كأن تقرأ مثلاً أمام مبنى هو ايضاً من عماليق الأبنية: "بريد الصين"، أو "بنك الصين". كلمة الصين في حد ذاتها باتت، وربما أكثر من أي وقت مضى، تضيف المهابة إلى الضخامة، وهذا ما تظل توحي به محطة الـ "سي. ان.إن" المختصة بآسيا حيث، في الاعلان عن برامجها الصينية، تنزل الموسيقى المصاحبة للاعلان مثل نيزك عملاق يرتطم بالأرض.
وهناك ايضاً، بين ما بقي، ادخال كلمات الترحيب وخطبه إلى كل احتفال ومناسبة، حتى لو كانت تناول العشاء او مغادرة الحافلة، في نهاية السهرة حاملة ركابها إلى الفندق. ومن ذلك ايضاً الاحتفال بالانجاز ودعوة الزائرين إلى الاحتفال به. في مدينة كارماني الواقعة بغرب الصين، للمشاهدة في ما يشبه أن يكون حقلاً خالياً من الزرع، وذلك في ظهيرة تعدت الحرارة فيها درجة الأربعين مئوية، على أن ينقل الوفد بعد ساعة من ذلك إلى ارض كانت قاحلة قبل أن تخصب وتزرع.
قال المسؤول الحالي عن ادارة المشروع ان مسافة هذه الارض، طولاً، تبلغ مئة كيلومتر، وهذا ما جعلني، على الفور، أجري حساباتي المتعلقة بلبنان: انها نصف لبنان، قلت عن ذلك الذي سماه الرجل "مشروعاً".
وقد فكر اعضاء الوفد ان مضيفيهم اختاروا هذه المدينة خصوصاً بسبب ما تحقق فيها من انجاز لم يقتصر على صناعة الأنابيب وعلى زراعة أرض قاحلة، بل لكون المدينة نفسها قد قامت بما يشبه الانجاز الكامل. "لم يكن من شيء هنا قبل خمسين عاماً، لا بشر ولا أبنية ولا طرقات. لذلك ربما تكون كارماني مدينة نموذجية في بعض الحساب، دالة على تحقق شعارالبناء والاعمار. ثم انها نموذجية لجهة ترتيبها العمراني وشوارعها العريضة واحتوائها على كافة المرافق المدنية. في أحد الأبنية التي دُعينا إلى زياراتها كانت نساء في أعمار ما بعد الشباب يتمرّنّ على ما يمكن اعتباره مزيجاً من رقصة وتمرين رياضي. كنّ نحو ثلاثين امرأة يحملن اعلاماً، هي ايضاً، مزركشة ملونة.
وفي كلمات الترحيب جميعها، وهي كثيرة، كان المتكلم يذكر، بما يرفع الحدث إلى مناسبة استثنائية، ان الوفد الذي أمامه يمثل 49 دولة. ذلك يقع ايضاً في باب حب الضخامة الذي من قبيله تكرار الكلام عن ان الصين أكبر بلدان العالم وأن فيها قوميات يبلغ عددها 54 قومية وان هناك، في ما خص الإعداد التعليمي لدارسي الاعلام 1944 معهداً ...الخ، وان المبنى الجديد للتلفزيون الصيني، الذي سينتهي العمل به بعد سنتين، هو أضخم بناء اعلامي في العالم... الخ
وفي الزيارات التي قام بها الوفد لمؤسسات الاعلام، الاذاعية والتلفزيونية كان الكلام التعريفي بهذه المؤسسات، بل وفي الكلام الذي يتلو الأسئلة، مليئاً بالارقام "لدينا 8000 موظف في تلفزيون الصين الذي أعيد تأسيسه سنة 1978 والذي يضم 13 قناة وهناك 94 برنامجاً تلفزيونياً في عدد ساعات بث يصل إلى (...) ثم ان الشعب الصيني يستفيد من البث الاذاعي والتلفزيوني بنسبة 95.04 بالمئة...".
وكذا كان الحال في تلفزيون اقليم زينغ زيانغ واذاعته. "لدينا 47 جنسية هنا"، قال المسؤولون، بل كرروا القول، وان دور الاعلام "اقامة الصلة بين الدولة والناس، وايضاً المحافظة على السلم الاجتماعي"، وقد جال الوفد في اقسام الترجمة الكثيرة العدد كثرة الجنسيات في الاقليم. هذا وقد كان الداعي إلى الزيارة واثقاً من وفرة اللغات وترجمتها حيث قال للوفد، المتشكل من 49 دولة كما اسلفنا "سيجد كل شخص منكم من يكلمه بلغته".
في القسم العربي استقبلتنا "فائزة" "اسمك فائزة" سألناها، فأجابت انها اتخذت لنفسها هذا الاسم، محتذية بذلك حذو الكثير من الصينيات اللواتي، اذ يعرفن الرائر بأسمائهن، تذكر كل منهن اسمين اثنين، احدهما صيني والآخر انكليزي.
"يو كان كول مي جاين"، قالت وان شين، هكذا مثلما قالت جانغ لي انها فائزة وان مساعدتها، وهي صينية ايضاَ أكملت تعلم العربية في مصر، اتخذت لنفسها إسم سميرة. هنا أيضاً، في القسم العربي، يجري الكلام حول الأرقام من مثل سنة تأسيس القسم وعدد الموظفين الذين فيه كما عدد الرسائل التي يتلقاها من المستمعين، هذه التي جرى ضمّها إلى الرسائل التي وردت إلى أقسام الإذاعة الأخرى ووضعت جميعها في كرة زجاجية شفافة في حجم يزيد عن حجم غرفة، لتمثّل الكرة الأرضية.
ولا يتعدى الكلام التعريف الأولي ولا يتطرق إلى أي شيء إشكالي. أحد المدعوين الثمانية والثمانين (وهم مجموع أعضاء الوفد)، سأل، مثلاً، إن كان التلفزيون والراديو يتنافسان على كسب الإعلانات. "لا منافسة بل تكامل"، قال المجيب المؤثر لوفاق على الخلاف.
كان ينبغي إيثار التوافق إذن في النقاشات بين المدعوين والداعين، أقصد التوافق على المسائل المتّفق عليها. في الجلسة الأولى من البرنامج الذي استمر أسبوعين كاملين بدا أن ما اعتبره الإعلامي الصيني نجاحاً وتمكّناً، بما يختص بعمل الرقابة، وقع في آذان سامعيه موقعاً مختلفاً. كلمة "رقابة" وحدها، ومن دون أي أوصاف تلحق بها، كانت كافية لإثارة تساؤلاتهم التي ظلت خفيضة النبرة على أي حال. "العالم الثالث" الذي أتوا من بلدانه، أو "العالم النامي" بحسب التسمية الصينية، قد تغيّر عما كانه منذ عقدين أو ثلاثة، حين كان بعض نخبه يؤثر العقيدة على الديموقراطية، أو كان يجمعهما معاً ظاناً أن جمعهما من الممكنات. كلما كانت الأسئلة تصل إلى الكلام على الرقابة، أو ما شابهها من موضوعات تتصل بملكية الدولة لأجهزة الإعلام، كان يبدو النقاش كأنه خرج من المجاملات وإضاعة الوقت. "لماذا لا تمتلك الصين محطة مثل الـ"سي.أن.أن" أو الـ(B.B.C) أو "أورونيوز"، سأل أحدهم المسؤولة في التلفزيون. "السي.أن.أن" قوية وطاغية لأن وراءها بلداً مثل الولايات المتحدة"، أجابت، وحين أردف آخر معلقاً أن دولة مثل قطر أنشأت قناة "الجزيرة"، أجابت المسؤولة: "أهذا ما تريده من الإعلام، أهذا هو نوع الإعلام الذي نطمح إليه؟".
لكنها، إذ تتابعت الأسئلة، قالت إن أهم ما ينبغي المحافظة عليه هو الاستقرار الاجتماعي. "كل هذا التقدم الذي حققته الصين في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة كان بفضل الاستقرار (..) نحن بلد كبير وكبير جداً، تخيّل ماذا يمكن أن يتأتى من عملية شغب أو احتجاج قد تحدث هنا أو هناك". ذلك بدا مفحماً، لكنه غير مقنع بما له علاقة بالنقاش الدائر. أقصد أنه، على الرغم من أنه حظي بتصفيق الحاضرين، إلا أنه بدا هروباً من الموضوع، وقد طوى تعليقات كان يمكن أن تُقال للمسؤولة من نوع: إنك قلت منذ قليل أن مبنى التلفزيون الجديد سيكون الأضخم في العالم، وإن مساحته ستكون 540 ألف متر مربع، ومع هذا تتحدثين عن أن قوة الإعلام الأميركي تأتي من قوة بلاده.
وكان أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الصينية قد ذكر في ندوة أقامها للضيوف إن السلام الخارجي مهم للصين إذ هو يعزز سلامها الداخلي. وفي معرض تأكيده ذلك السعي إلى السلام قال ان عديد الجيش الصيني لا يتعدى المليونين وهو عديد قليل في قياس الخبراء الذين يقدرون، نسبة إلى عدد السكان، ان الصين ينبغي الا يقل جيشها عن الستة ملايين.
وقد كان المسؤول هذا مسالم النبرة خفيض الصوت، بما يلائم كلام المسالمين بحسبه، حتى في رده على سؤال يتعلق بما اسماه السائل الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين عبر التشكيك الاخير بسلامة المنتجات الصينية، قال المسؤول: "الولايات المتحدة هذه البلاد الجميلة، ثم تابع مبقيا كلامه عند النبرة نفسها. "هذا ديبلوماسي نموذجي"، قال احد المدعوين لمن حوله من زملائه ليضيف "انه يتكلم عن السي، ان. ان. كما لو انها دولة عظمى".
"نحن دولة من العالم النامي"، قال الديبلوماسي حاطا من عزيمة ضيوفه الذين تعلقت اكثر مداخلاتهم بالسؤال حول استنكاف الصين عن موازنة اميركا في العالم ووقوفها قطبا مواجها لها. لكنه، من ناحية اخري، اعاد إلى اذهانهم صورا شاهدوها اثناء تجوالهم في شوارع بكين، وفيما بعد في المدن الثلاث التي قاموا بزيارتها. كانت مشاهد كثيرة تذكر بما يعرفونه عن بلدانهم "النامية". ثم ان هذه النهضة السريعة، هذه القفزة التي تغير العمران واشكال الحياة، هكذا في سرعات قياسية، هذه القفزة، او هذه القفزات، ليست من طباع مدن العالم الاول"، أين نحن من الولايات المتحدة"، كادت تقول المسؤولة في التلفزيون التي كما قالت، تعلمت اللغة الانكليزية في احدى المحطات الاذاعية، باذلة في ذلك السبيل قدراً من المثابرة والعناد جعلها، في تلك الندوة، طليقة اللسان بها، كلاما ونبرة ومخارج حروف.
وقد احتوى البرنامج الذي اعد للمدعوين ندوات اختصت باستضافة الصين للألعاب الأولمبية المقبلة "والتي ستبدأ في الثامن من آب 2008"، بل وكاد القائل يذكر الساعة. لم يدع الضيوف المشاركون إلى زيارة اي من الأمكنة التي يجري تجهيزها، بدأب واهتمام هائلين لا بد، لاستضافة الوفود الرياضية والادارية والاعلامية المرافقة لها، لكن، على الدوام، ظلت هذه المناسبة المقبلة حاضرة حتي في اثناء زيارة الوفد إلى سور الصين. هناك، عند احدى القمم التي يتسلقها السور، وضعت تلك اليافطة العريضة لتمكن مشاهدتها من مسافة كيلومترات "عالم واحد حلم واحد"، تقول اليافطة، بالانكليزية، لزائري الصين وللصينيين ايضاً الذين زحموا الشوارع المؤدية إلى السور وغصت بهم طرقاتها. "هؤلاء وحدهم مليونان"، قال احد المدعوين واصفا توافد المجموعات القادمة من بكين وجوارها في يوم العطلة الاسبوعية ذاك.
تبدو الصين، ازاء استقبالها الدورة الأولمبية المقبلة، كأنها تستعد لمناسبة مهولة. شركات الصين الكبرى، الرسمية وغير الرسمية، وكذلك الشركات غير الصينية التي منها شركة اريكسون على سبيل المثال، اعلنت في لافتات ولوحات عريضة عن مساهمتها، او عن مشاركتها في ذلك الحدث. "بنك الصين" مثلا اضاف إلى اسمه جملة "المصرف المعتمد" بما خص الدورة الاولمبية. وكذا فعل بريد الصين، ومطار بكين، والتلفزيون الصيني C.C.T.V الذي عدّد مسؤولون فيه استعداداتهم لاستقبال الحدث. قال أحد هؤلاء المسؤولين إن يوم 8 آب الجاري هو يوم احتفالي سيخصصه التلفزيون لبث برامج تتعلق بالدورة، وذلك احتفالاً بالمناسبة قبل سنة من حصولها، خلاف، أو بعكس، ما تجري الاحتفالات عادة. ثم أن هناك ساعة رقمية عُلّقت في مكان من بكين تشير، بالعدّ التنازلي، يوماً إثر يوم، إلى عدد الأيام التي تفصلنا عن المناسبة. وهناك في "سوق الحرير" المول الضخم، كما في سائر المولات، بدأت بالظهور حقائب وقبعات وقمصان وأشياء أخرى طبعت عليها الحلقات المتشابكة الخمس، رمز الألعاب الأولمبية.
حتى إن محطة تلفزيون زينغ يانغ، ذات الأقنية الكثيرة التي تبث برامج لعشرات القوميات، تستعجل إنهاء مبناها الجديد ليكون مقرها في أثناء إجراء الألعاب. ورغم ذلك كله، وغيره كثير، ما زلنا في ما قبل احتدام المناسبة وشدّتها.
تريد الصين أن تثبت أشياء كثيرة في المناسبة التي سيؤمها صحافيون من العالم بأعداد ربما تفوق أعداد اللاعبين والإداريين من مرافقيهم. لذلك لن يقتصر الاستعداد على إنشاء الملاعب وتجهيز الفنادق بل ينبغي له أن يشمل بكين نفسها، تلك التي ستكون تحت نظر العالم كله، النظر المتفحص الناقد.. وهذا أيضاً من سمات العالم النامي حيث، في مدى العالم الذي أكمل نموّه لن تكون أي مناسبة امتحاناً تختبر فيه قدرة العواصم على إنجازها.

ليست هناك تعليقات: