الأحد، 12 أغسطس 2007

المدينة الصينيّة الحديثة: نظام السوق بجرعات تدريجيّة

صحيفة المستقبل اللبنانية
فادي طفيلي
في عمق الخارطة العملاقة لجمهوريّة الصين الشعبيّة، وتحديداً في جنوب غرب البلاد، تقع مدينة تشونغ كينغ، أو "شيكاغو الصين"، على ما يذهب متابعو تطوّرات ذلك البلد التمدينيّة في وصفهم.
ففي قلب الجمهوريّة التي ما زالت تبقي صفة "الشعبيّة" كواحدة من التذكارات الشكليّة العديدة لتراث الشيوعيّة الماويّة، وعلى بقعة أرض من تلال تحاذي مجرى أحد الأنهر الكبيرة (نهر يانغزي)، تقوم تشونغ كينغ الضاجّة بالطموحات والمكلّلة بكتل الضباب وبانبعاثات المصانع، لتباشر تجربة بكين وشانغهاي وتيانجين في التمدين وفي تأليف مشهد المعاصرة والازدهار. فإلى مراكز التسوّق الكبرى وخطوط القطارات السريعة، تقوم ناطحات السحاب التي تشبه إحداها مبنى "كرايزلر" الشهير في شيكاغو، كما ويجري العمل حثيثاً على بناء دار ضخمة للأوبرا بتكلفة 200 مليون دولار (بحسب مجلّة "الإيكونومست" 26/7/2007).
والمقارنة مع شيكاغو وباقي المدن الأميركيّة الكبرى باتت عادة تسهّل على مراقبي تجربة المدن الصينيّة المعاصرة فهم ما يحصل فيها، وذلك بناء على تجارب مدينيّة سابقة. فشيكاغو، كما يكتب جايمس كاينجي "كانت مدخلاً للقادمين من المناطق الشاسعة البعيدة، المتأخّرة في التطوّر، إلى غربها. فقد مثّلت تلك المدينة النقطة التي التقت فيها شبكات الطرق وخطوط القطار والممرات المائيّة. كما مثّلت مركزاً لممارسة الأعمال وتحقيق الطموح غير المبالي بأخطار المجاذفة". وها هي تشونغ كينغ تشهد تجارب مماثلة.
من "تاريخ المدينة" إلى تاريخ "المجتمعات المتمدّنة"، كما يرصد الأميركي صموئيل بي هايس تحوّلات التعامل مع المادة التأريخيّة المتّصلة بتجارب المدن (في أحد كتب سلسلة "قضايا جوهريّة في التاريخ الأميركي")، تحيا تشونغ كينغ المظاهر الرئيسيّة للتحوّلات المذكورة. فهي تجري إعادة تأسيس تمدينيّة لتاريخها، فتدخل في مقاربات نموّها المضطرد والسريع شبكة من مفاهيم معاصرة تجمع اقتصاد السوق بمساعي التنويع الوظيفي والترابط، وهي بأسرها مفاهيم ظلّت بمنأى عن التجربة الصينيّة لغاية تسعينات القرن المنصرم. وإذ تطبّق تلك المفاهيم اليوم على المدينة الصينيّة، هكذا بشكل شامل وبإيقاع سريع، فإن تشونغ كينغ تبدو كشيكاغو في أواخر القرن التاسع عشر، وكأنّها قامت من الصفر.
بحسب التوصيف الصيني الذي ما زال في بعض مصطلحاته يستحضر تصنيفات سابقة، فإن تشونغ كينغ هي "منطقة" ( أو"ناحية")، وهي"مدينة" في الوقت عينه. نطاقها البلدي يغطّي مساحة توازي مساحة اسكتلنده. الكتل السكانيّة، التي يطمح مفهوم جعلها مدينة حديثة مترابطة إلى إدخالها في نسيجها التمديني (تمدينهم)، تنتشر في آلاف القرى والبلدات الموزّعة حول مجرى نهر يانغزي ( الذي يرادف بحيرة ميشيغان بالنسبة لشيكاغو). وقد ظلّت الكتل السكانيّة تلك، في بيئاتها الزراعيّة، تمثّل الفناء الخلفي "للدار الشيوعية" الثنائية التخطيط، على مدى العقود السابقة للتسعينات.
من بداية التسعينات، حيث بدأت نهضة الصين الحديثة، وحتّى اليوم، فإن المعطيات الرسمية تشير (بحسب الإيكونومست) إلى أن 45 في المئة من سكان تشونغ كينغ باتوا من سكان القطاعات المدينيّة (نصف هؤلاء يعيشون في منطقة ستكون عمّا قريب أشبه بمانهاتن النيويوركيّة). ويكمن التحدّي الراهن أمام مسؤولي المدينة المذكورة ومخططيها، في نشر التمدين والتحديث بكافة أرجاء مساحتها البلدية (في ناحيتها)، حيث من المفترض بحسب هؤلاء، كما أشار تقرير الإيكونومست، أن يشمل التمدين 70 في المئة من تلك المساحة مع حلول عام 2020. أي أن يمضي التمدين إلى ما هو أبعد من كتلة المدينة الحديثة، فيكرّس إذّاك التاريخ المديني لتشونغ كينغ، هذا الأخير الذي سيحلّ محلّ التاريخ المفكّك والثنائي للريف وللكتلة الجاثمة لحاضرة السلطة.
إحصاءات وتقديرات كتلك التي توردها المجلّة البريطانيّة في تقاريرها الدوريّة حول تطوّرات المدن الصينيّة، تثير بلا شكّ لعاب المستثمرين. فأعداد السكان في مجمل المنطقة التابعة رسمياً لتشونغ كينغ تزيد على الثلاثين مليون نسمة، وهؤلاء يشملهم مشروع التمدين المتكامل المعد للمدينة والذي يطمح المسؤولون إلى إنجازه مع حلول العقد الثاني للألفيّة الثانية. أعداد كبيرة من الفلاحين والمشتغلين في الزراعة سوف يتوجّهون للسكن في مناطق أكثر تمديناً وسوف ينتقلون للعمل باقتصاد السوق وبمهن المدن والبيئات الاقتصاديّة والإنتاجيّة المحدّثة. "السوق هو الذي سوف يقرّر"، يقول كيووي تشووانيي (الإيكونومست) الخبير في شؤون العمل والأرياف والمدن والذي يعمل لصالح الحكومة المركزيّة في بكين. وكلام تشووانيي ذاك لا يستبطن على الإطلاق طعنة نجلاء بالماويّة الشيوعيّة.
هوانغ كي فان، رئيس بلدية تشونغ كينغ من جهته، يتّخذ المدينة الأميركيّة الكبرى مقياساً لتطوّرات مدينته الناهضة. فهو، في تقرير الإيكونومست، يستحضر، إلى نموذج شيكاغو ممدّنة الأطراف النائية، مدينة ديترويت عاصمة صناعة السيارات في الولايات المتّحدة. "تشونغ كينغ"، يقول، "هي من حيث الضخامة رابع أو ثالث مركز تصنيع سيارات في الصين، بإنتاج من المتوقّع بلوغه هذا العام مليون سيارة، وذلك بارتفاع مقداره 25 في المئة عن العام 2006".
في السياق الصينيّ العام، سياق الدولة العظمى التي تقترب من عرش "الاقتصاد الأكبر" في العالم، تساهم الإدارة الصينيّة في نشر ثقافة وطريقة عيش جديدتين تسعى من خلالهما إلى إحداث تغيير اجتماعي شامل. إنها ثقافة المدن الكبرى وأنماط عيشها، ومعها يدخل التخطيط المديني في صلب التجربة التاريخيّة كعامل محوري وجوهري.
باستلهام تجربة مدينة شيكاغو في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر، وهي المدينة غير الساحليّة التي كانت مدن السواحل الأميركيّة قد سبقتها إلى الازدهار، سعت الحكومة الصينيّة المركزيّة منذ أواخر التسعينات إلى تقليص الهوّة ما بين الصين الساحليّة المزدهرة وبين الداخل الريفي. المختبر الأمثل لذلك كانت مدينة تشونغ كينغ.
الاستثمارات وأموالها مثّلت العامل الأبرز في تحوّلات المدينة الصينيّة الداخليّة، وقد حقّقت تلك الاستثمارات (نصفها من أموال الحكومة ونصفها الآخر من القطاع الخاص) بناء ثلاثة سدود كبرى في مجرى نهر يانغزي. السدود الثلاثة انتهت ببحيرة تجميع للمياه بمحاذاة تشونغ كينغ، وذلك على غرار بحيرة ميشيغان بمحاذاة شيكاغو.
مشاريع بناء السدود المذكورة في مجرى نهر يانغزي الذي يعبر أرياف تشونغ كينغ، تطلّبت نقل مئات الآلاف من السكان الريفيين وإسكانهم في نطاق النسيج المديني الحديث. وقد جاء الأمر في خضم المسعى الآيل إلى "إدخال 70 في المئة من سكان بلديّة تشونغ كينغ (وهذا يشمل ريفها) في نطاق الأقسام التي يشملها التخطيط المدني" (إيكونومست).
مع توجّه مئات الآلاف من سكان المناطق الريفيّة للانخراط في حياة المدن الجديدة، فإن أعداداً كبيرة من هؤلاء يواجهون مخاطر البطالة والانكشاف الفردي والسكن في ظروف لا يعتادون عليها. وإزاء عدم اكتمال أنظمة الحماية الاجتماعيّة الحديثة التي تسعى الحكومة الصينيّة إلى اعتمادها ضمن صيغها المصممة لمواكبة تجاربها الراهنة والمستقبليّة، يفضّل معظم القادمين من الأرياف والمناطق الزراعيّة إلى المدن الاحتفاظ بصفتهم كـ "مزارعين" فيحتفظون بذلك بامتيازات الشيوعيّة التي تسمح لهم باستثمار مساحة محدودة من الأرض لزراعتها، وهذا بحسبهم مكسب ملموس، وليس "مجرّداً" كوعود الرعاية الاجتماعيّة غير المضمونة. فهم بذلك ما زالوا سكان مدن مؤقّتين يقومون باختبار حياة المدينة واحتمالاتها.
في مقابل ذلك الحذر تجاه التمدين، تجاه حياة المدن وقطاعات الوظائف الإداريّة والماليّة والخدماتيّة والصناعيّة (إلخ) الذي يظهره الصينيون في مدن تتّسع أريافها كمثل تشونغ كينغ، أقرت الحكومة الصينيّة في شهر حزيران المنصرم خططاً إصلاحيّة أعدّتها لبلديات المدن الكبرى بغية الإسراع في التمدين وفي إدخال الشرائح السكانيّة الجديدة في الحياة المتسارعة للنمو الاقتصادي الحديث. الخطط تلك تتضمّن تغييرات في إدارة الأراضي الزراعيّة في الأرياف وتحسينات في الضمان الاجتماعي ونظاماً يضبط تسجيل السكان ويوضح إن كانوا من سكان الأرياف أو المدن.
أما الجديد في التجربة الصينيّة الساعية إلى التحديث الاقتصادي والاجتماعي، فهو السماح للمزارعين في مقايضة قطعة الأرض المحدودة المساحة التي بحوزتهم بأسهم في شركة زراعيّة تقوم باستثمار إنتاج بلدتهم. كما ويمنح المزارعين (أو الفلاحين) حريّة بيع الأسهم التي يملكونها لمزارعين مثلهم، أو، وبعد موافقة نصف مالكي الأسهم في الشركة، إلى أشخاص آخرين.
الأمر، بحسب الخبراء، ما زال بعيداً عن حرّيّة ملكيّة الأراضي التي يراها كثيرون أمراً ملحّاً لتحقيق النقلة الكاملة من الريفيّة إلى التمدين. إذ ما زال حقّ استخدام الأرض بالنسبة للمزارعين محدداً بفترة زمنيّة مقدارها ثلاثين سنة. لكنّ القيّمون على إدارات المدن الصاعدة كمثل تشونغ كينغ لا يكفّون عن حماستهم للانخراط في نظام السوق، "الذي بمقدوره أن يقرّر من تلقاء ذاته" في مشهد الحداثة.

ليست هناك تعليقات: