صحيفة المستقبل اللبنانية
حسن داوود
من يشاهد الجناح المخصص لبيع الساعات في أي من مولات الصين الضخمة، التي يُباع فيها كل شيء، يمكنه أن يتخيل الغيظ الذي قد يصيب باتيك فيليب، او أصحاب لونجين او أوميغا، بل وخصوصاً اصحاب بوشرون. ذاك أن ما يجري هنا، في المول الصيني، مضاد كلياً لصورة هذه الساعات عن نفسها، مثلما تتبدى في الاعلانات المطبوعة والتلفزيونية. فبمقابل الندرة، وهي احدى الصفات التي توسم بها هذه الساعات، نحن هنا بازاء الكثرة التي تملأ رفوف وخزائن اربعين كشكاً متصلاً. وبقابل العراقة المفاوضة بين البائع والزبون، تلك التي كلما طالت حطّت من معنى العراقة وابتذلته. أما الدقة فباتت من أسهل الأمور ما دام الساعات اليابانية، قبل ثلاثة عقود على الأقل، قد بدأت بجعل الدقة رخيصة الثمن.
بل يستطيع زائر ذلك الجناح ان يتخيل رجال العراقة أولئك واقفين مثل جوقة صغيرة ينظرون بأم عيونهم إلى انكشاف خديعتهم. أول مظاهر ذلك الانكشاف ان ما ثمنه أربعة آلاف دولار قد يصل ثمن شبيهه هنا، بعد المفاوضة، إلى أربع دولارات. ثم ستضاف إلى ذلك الإهانة اذ يرى رجال الجوقة هؤلاء كيف أن سائحاً قادماً من احد بلداننا يشتري اربعاً من هذه، وثلاثا من هذه، وثلاثا أخرى من تلك ويجعها كلها معاً في كيس صغير واحد.
وسيشعر زائر الصين ان الاهانة هي واحدة من المقاصد المدركة لابتذال تلك العراقة، والا لماذا ما زالت دولة الصين غاضة النظر عن تلك الصناعة، على رغم وعودها المتكررة للولايات المتحدة ولسواها بأنها ستوقفها. خذوه بالآلاف، وبمئات الآلاف وبالملايين ومئات الملايين، تكاد تقول الدولة لمواطنيها، أولئك الذين كان يُدهشهم كل ما يصل من بلدان الغرب. بذلك تكون الصين قد تفادت ما كان يجري في روسيا من حالات إغماء بين مواطنيها كلما وقع نظرهم على قداحة رونسون أو بنطلون جينز او حتى قلم بيك. كان هؤلاء الروس يصرون على مقارعة الأصالة بالأصالة قائلين إن تنازلاً واحداً يقدمونه، كأن يُبيحوا صناعة اللبان (العلكة) وبيعها، سيشكل سابقة تؤدي إلى الخضوع التدريجي لنمط الحياة الاستهلاكي. وقد رُوي آنذاك، في تلك السنوات، أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تيقنت من موقفها ذاك بعد أن قدمت تنازلاً واحداً يوم كلفت أحد اعضائها وضع تصميم لبنطلون جينز تبين بعد انزاله إلى محلات البيع ان الناس لم تكتف به بل تطلبت موديلات جديدة منه.
الصينيون عمدوا إلى ابتذال الأصالة الغربيّة والاستهلاك الغربي في وقت واحد معاً. هذا جزدان لانسيل، قالت البائعة رافعة اياه ومستعدة لأن تقبل خمسة دولارات بمقابله. واذ قررت الصين ان تذهب قدماً بتجريب خطتها، اتاحت لشركات البضاعة الأصلية ان تفتح متاجر لها في مناطق من بكين وفي مدن أخرى. لكن من سيعرف ان قلم مون بلان هذا حقيقي وأن الآخر مثيله هو مزيف. ثم كيف يمكن للرأسمالي الصاعد أن يتباهى بزينة ملأت الأسواق نسخها المقلدة؟
الصين لا تخشى التغريب وها هي تكافحه من طريق ابتذاله. وفي ما يتعدّى السلع المقلدة هناك ابتذال آخر يتمثل في الاستفادة من الاكتشاف العلمي لتسويقه في لعب للتسلية كتلك التي ادهشتنا بها البائعة الصينية عند مدخل "سوق الحرير". انظروا... انظروا، قالت فيما هي تترك الدولاب الصغير يدور معلقاً في الهواء ولا يستند إلى شيء على الأرض. او حين قال لنا البائع أن نشتري ذاك الكيس الذي ترتفع حرارة السائل الذي فيه فيصبح ساخناً حارقاً بمجرد ان نلمس شيئاً فيه. الصين أكبر من سوق استهلاكية: البيع أولاً، أو تحويل كل شيءإلى سلعة تباع. وفي سياق ذلك يبدو كما لو أن ما يجري صنعه لم يحتج إلى أكثر من عينين تشاهدان، او تراقبان ويدين تعملان، اما المخيلة فلا لزوم لها هنا لأن آخرين في بلدان أخرى، يتولون أمرها. في مولات الصين تستطيع أن تشتري أي شيء، أو، على الأرجح، شبيه أي شيء او نسخته المقلدة. آخرنسخة من تلفون نوكيا، آخر نسخة من كاميرا سوني ذات الاثني عشر ميغا بيكسل، الحاسوبات وسائر الالكترونيات المعقدة. "لكن لماذا يصرون على احتفاظ هذه الأشياء بأسمائها"، قال الصديق الأردني الذي حيرته الكاميرا التي اشتراها بمئة دولار بتخفيض يبلغ أكثر من ثمانين في المئة عن سعرها أصلية. "لماذا لا يسمونها أي شيء ما دام أحد لن يقاضيهم، قال فيما هو يحاول، من نافذة السيارة، ان يقارن الصور التي التقطها، بكاميرته تلك، بصور أخرى يتذكرها.
لا يحبون أن يقفزوا تلك القفزة التي تصير مصنوعاتهم بعدها من نتاج مخيلاتهم. هات أي شيء لنصنع لك مثله، يقولون، ليس مثله تماماً لكنه يوهم بأنه مثله.
الزائر اليمني الذي قدم للمشاركة في ورشة الإعلام قال إن الكاميرات والهواتف المحمولة والكومبيوترات (الصينية كلها) تعمل جيداً في بلده ولم يعد من منافس لبائعيها هناك. الزائر المصري قال إنه سيشتري ستة هواتف خلوية من نوع نوكيا لان أسعارها هناك تزيد على هنا بعشرة أضعاف. قال آخر إنه يريد ان يملأ حقيبته منها، لكن الأندونيسي قال له إنه، حين يصل إلى بلده، سيجد أن التلفونات سبقته اليه.
"أعطنا شيئاً لنصنع لك مثله"... انهم الآن في هذه المرحلة. ما كانوا يصنعونه سابقاً من أشياء صينية، مثل يدوياتهم الخاصة وألبستهم التقليدية التي ما عادوا يرتدونها، أهملوه وأبقوه في سعره القديم اياه. لقد باتوا يصنعون الأشياء ليبيعوها لا ليرتدوها. لم يكد يخرج ثوب هاري بوتر من الفبركة الأميركية حتى ظهر شبيهه في بكين. لم يكد يهل شهر رمضان حتى امتلأت مدن عربية بفوانيس صينية. وفيما يتعلق بالصين نفسها سبقت النسخ المقلدة، التي اعدت لدورة الألعاب الأولمبية المقبلة، النسخ الأصلية. "انها حُمّى، لقد باتوا يقلدون حتى عملتهم"، قال الشاب البريطاني فيما هو يلوّح بورقة المئة يوان المقلدة، مضيفاً بأنها، بقياس الحسابات الجارية هنا، ينبغي لها أن تساوي عشر يوانات تقريباً.
حسن داوود
من يشاهد الجناح المخصص لبيع الساعات في أي من مولات الصين الضخمة، التي يُباع فيها كل شيء، يمكنه أن يتخيل الغيظ الذي قد يصيب باتيك فيليب، او أصحاب لونجين او أوميغا، بل وخصوصاً اصحاب بوشرون. ذاك أن ما يجري هنا، في المول الصيني، مضاد كلياً لصورة هذه الساعات عن نفسها، مثلما تتبدى في الاعلانات المطبوعة والتلفزيونية. فبمقابل الندرة، وهي احدى الصفات التي توسم بها هذه الساعات، نحن هنا بازاء الكثرة التي تملأ رفوف وخزائن اربعين كشكاً متصلاً. وبقابل العراقة المفاوضة بين البائع والزبون، تلك التي كلما طالت حطّت من معنى العراقة وابتذلته. أما الدقة فباتت من أسهل الأمور ما دام الساعات اليابانية، قبل ثلاثة عقود على الأقل، قد بدأت بجعل الدقة رخيصة الثمن.
بل يستطيع زائر ذلك الجناح ان يتخيل رجال العراقة أولئك واقفين مثل جوقة صغيرة ينظرون بأم عيونهم إلى انكشاف خديعتهم. أول مظاهر ذلك الانكشاف ان ما ثمنه أربعة آلاف دولار قد يصل ثمن شبيهه هنا، بعد المفاوضة، إلى أربع دولارات. ثم ستضاف إلى ذلك الإهانة اذ يرى رجال الجوقة هؤلاء كيف أن سائحاً قادماً من احد بلداننا يشتري اربعاً من هذه، وثلاثا من هذه، وثلاثا أخرى من تلك ويجعها كلها معاً في كيس صغير واحد.
وسيشعر زائر الصين ان الاهانة هي واحدة من المقاصد المدركة لابتذال تلك العراقة، والا لماذا ما زالت دولة الصين غاضة النظر عن تلك الصناعة، على رغم وعودها المتكررة للولايات المتحدة ولسواها بأنها ستوقفها. خذوه بالآلاف، وبمئات الآلاف وبالملايين ومئات الملايين، تكاد تقول الدولة لمواطنيها، أولئك الذين كان يُدهشهم كل ما يصل من بلدان الغرب. بذلك تكون الصين قد تفادت ما كان يجري في روسيا من حالات إغماء بين مواطنيها كلما وقع نظرهم على قداحة رونسون أو بنطلون جينز او حتى قلم بيك. كان هؤلاء الروس يصرون على مقارعة الأصالة بالأصالة قائلين إن تنازلاً واحداً يقدمونه، كأن يُبيحوا صناعة اللبان (العلكة) وبيعها، سيشكل سابقة تؤدي إلى الخضوع التدريجي لنمط الحياة الاستهلاكي. وقد رُوي آنذاك، في تلك السنوات، أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تيقنت من موقفها ذاك بعد أن قدمت تنازلاً واحداً يوم كلفت أحد اعضائها وضع تصميم لبنطلون جينز تبين بعد انزاله إلى محلات البيع ان الناس لم تكتف به بل تطلبت موديلات جديدة منه.
الصينيون عمدوا إلى ابتذال الأصالة الغربيّة والاستهلاك الغربي في وقت واحد معاً. هذا جزدان لانسيل، قالت البائعة رافعة اياه ومستعدة لأن تقبل خمسة دولارات بمقابله. واذ قررت الصين ان تذهب قدماً بتجريب خطتها، اتاحت لشركات البضاعة الأصلية ان تفتح متاجر لها في مناطق من بكين وفي مدن أخرى. لكن من سيعرف ان قلم مون بلان هذا حقيقي وأن الآخر مثيله هو مزيف. ثم كيف يمكن للرأسمالي الصاعد أن يتباهى بزينة ملأت الأسواق نسخها المقلدة؟
الصين لا تخشى التغريب وها هي تكافحه من طريق ابتذاله. وفي ما يتعدّى السلع المقلدة هناك ابتذال آخر يتمثل في الاستفادة من الاكتشاف العلمي لتسويقه في لعب للتسلية كتلك التي ادهشتنا بها البائعة الصينية عند مدخل "سوق الحرير". انظروا... انظروا، قالت فيما هي تترك الدولاب الصغير يدور معلقاً في الهواء ولا يستند إلى شيء على الأرض. او حين قال لنا البائع أن نشتري ذاك الكيس الذي ترتفع حرارة السائل الذي فيه فيصبح ساخناً حارقاً بمجرد ان نلمس شيئاً فيه. الصين أكبر من سوق استهلاكية: البيع أولاً، أو تحويل كل شيءإلى سلعة تباع. وفي سياق ذلك يبدو كما لو أن ما يجري صنعه لم يحتج إلى أكثر من عينين تشاهدان، او تراقبان ويدين تعملان، اما المخيلة فلا لزوم لها هنا لأن آخرين في بلدان أخرى، يتولون أمرها. في مولات الصين تستطيع أن تشتري أي شيء، أو، على الأرجح، شبيه أي شيء او نسخته المقلدة. آخرنسخة من تلفون نوكيا، آخر نسخة من كاميرا سوني ذات الاثني عشر ميغا بيكسل، الحاسوبات وسائر الالكترونيات المعقدة. "لكن لماذا يصرون على احتفاظ هذه الأشياء بأسمائها"، قال الصديق الأردني الذي حيرته الكاميرا التي اشتراها بمئة دولار بتخفيض يبلغ أكثر من ثمانين في المئة عن سعرها أصلية. "لماذا لا يسمونها أي شيء ما دام أحد لن يقاضيهم، قال فيما هو يحاول، من نافذة السيارة، ان يقارن الصور التي التقطها، بكاميرته تلك، بصور أخرى يتذكرها.
لا يحبون أن يقفزوا تلك القفزة التي تصير مصنوعاتهم بعدها من نتاج مخيلاتهم. هات أي شيء لنصنع لك مثله، يقولون، ليس مثله تماماً لكنه يوهم بأنه مثله.
الزائر اليمني الذي قدم للمشاركة في ورشة الإعلام قال إن الكاميرات والهواتف المحمولة والكومبيوترات (الصينية كلها) تعمل جيداً في بلده ولم يعد من منافس لبائعيها هناك. الزائر المصري قال إنه سيشتري ستة هواتف خلوية من نوع نوكيا لان أسعارها هناك تزيد على هنا بعشرة أضعاف. قال آخر إنه يريد ان يملأ حقيبته منها، لكن الأندونيسي قال له إنه، حين يصل إلى بلده، سيجد أن التلفونات سبقته اليه.
"أعطنا شيئاً لنصنع لك مثله"... انهم الآن في هذه المرحلة. ما كانوا يصنعونه سابقاً من أشياء صينية، مثل يدوياتهم الخاصة وألبستهم التقليدية التي ما عادوا يرتدونها، أهملوه وأبقوه في سعره القديم اياه. لقد باتوا يصنعون الأشياء ليبيعوها لا ليرتدوها. لم يكد يخرج ثوب هاري بوتر من الفبركة الأميركية حتى ظهر شبيهه في بكين. لم يكد يهل شهر رمضان حتى امتلأت مدن عربية بفوانيس صينية. وفيما يتعلق بالصين نفسها سبقت النسخ المقلدة، التي اعدت لدورة الألعاب الأولمبية المقبلة، النسخ الأصلية. "انها حُمّى، لقد باتوا يقلدون حتى عملتهم"، قال الشاب البريطاني فيما هو يلوّح بورقة المئة يوان المقلدة، مضيفاً بأنها، بقياس الحسابات الجارية هنا، ينبغي لها أن تساوي عشر يوانات تقريباً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق