الأربعاء، 8 أغسطس 2007

يجب أن نحسب التكلفة الحقيقية للصين الرخيصة

المستهلكون الذين لا حول لهم ولا قوة في الصين ينبغي أن يكونوا شاكرين للحيوانات الأليفة المدللة في الغرب
صحيفة الاقتصادية السعودية
ريتشارد ماكجريجور
حين حاول زميل سابق أن يوضح الجدال حول الواردات الصينية الرخيصة، وضع نفسه خارج أحد محال وول مارت في شيكاغو، وسأل المتسوقين إن كان يجدر بهم توجيه الشكر إلى العمال الصينيين الذين يتلقون أجوراً قليلة على ما يرسلونه إليهم من صادرات رخيصة. وكان رد فعل معظم المتسوقين هو إلقاء نظرات تدل على الحيرة وعدم الفهم أو أنهم ابتعدوا بسرعة، كما يروي جيمس كينج في كتابه الحديث حول الأثر العالمي للصين.
كان ذلك قبل عامين. وفي أعقاب الفضائح العديدة التي لطخت سمعة الصادرات الصينية من الأغذية والأدوية خلال الأشهر الماضية، فإن عملاً من هذا القبيل يمكن الآن أن يستثير العداء المباشر بدلاً من عدم الاكتراث الممزوج بالحرج. فقد ضمنت الفضائح أن البضائع الصينية الآن لها صورة لا تمحى تظهر فيها على أنها ليست فقط رخيصة، وإنما تهدد الحياة كذلك.
الموجة الحالية من الغضب العارم انطلقت هذا العام حين أدى طعام حيوانات وضعت عليه بصورة متعمدة بيانات كاذبة حول المواد المضافة، إلى تسميم آلاف القطط والكلاب في الولايات المتحدة.
والحقيقة التي تقول إن الملصقات الكاذبة التي توضع على الأطعمة والخمور والمواد الصيدلانية كان من شأنها وبصورة اعتيادية إصابة أعداد كبيرة من الصينيين بالأمراض وربما أدت إلى وفاة بعضهم، هذه الحقيقة تم تجاهلها إلى حد كبير.
وفي هذا المقام فإن المستهلكين الذين لا حول لهم ولا قوة في الصين ينبغي أن يكونوا شاكرين للحيوانات الأليفة المدللة في الغرب. فلولا الغضب العارم الذي اجتاح أصحاب هذه الحيوانات لما تصرفت السلطات الصينية بهذه السرعة ووعدت بفرض أنظمة شديدة على الصناعات.
إن تشديد الأنظمة بحد ذاته يمكن أن يكون له هو أيضاً بعض الآثار الشاذة. فبصورة عامة كان الغرب يحيي نمو النزعة الاستثمارية والمشاريع في الصين. لكن الأنظمة، حين ترفع من معايير الصناعة ومن عوائق الدخول، فإنه يغلب عليها في البداية أن تقلل المنافسة من خلال الضغط على الشركات الصغيرة وتدفعها إلى الخروج من السوق، مع العلم أن هذه الشركات الصغيرة في الصين مرادف للقطاع الخاص. وسيكون المستفيد من ذلك ربما الشركات الكبرى التابعة للدولة، التي ستساعد علاقاتها الوثيقة مع الحزب الشيوعي الحاكم على قولبة أية أنظمة لتناسب مصالحها الخاصة.
وأعظم الآثار وأكثرها مدعاة للترحيب بالنسبة لفضائح الغذاء والدواء يمكن أن يكون إحداث هزة في الانقطاع المعرفي الذي أصيب به الجدال حول النتائج المترتبة على الغرب بفعل الفورة الاقتصادية في الصين.
إن المنافع الهائلة التي حصل عليها المستهلكون الغربيون كان يقابلها العويل من أن البضائع الصينية الرخيصة تدمر الوظائف المحلية على نحو تستفيد منه الصين بصورة لا لبس فيها.
هذه الثنائية الفجة في التفكير يفوتها جوهر الموضوع: أن منافع النمو كانت موزعة على نحو غير متساو وغالباً على نحو يتسم بالظلم. وهذه نقطة جهدت السلطات الصينية للإقرار بها خلال السنوات الأخيرة، وإن كانت السياسات المتبعة للتعامل مع هذا الموضوع غير ناجعة.
فالصينيون العاديون، خصوصاً سكان المدن، أفضل بكثير مما كانوا عليه قبل إصلاحات السوق قبل نحو 30 عاماً. لكن حصة الواحد منهم من الدخل القومي انخفضت بالنسبة نفسها. ووجد بحث من إصدار صندوق النقد الدولي أن الهبوط في حصة الأجور من الدخل القومي منذ منتصف الثمانينات كان واضحاً تماماً، حيث هبط من 67 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 56 في المائة الآن. ووجد البنك الدولي أن الهبوط أكثر حتى من ذلك، أي بمقدار 9 في المائة، في حصة الأجور اعتباراً من عام 1998.
ويركز القادة الصينيون علناً على أهمية خلق الوظائف، لكن الحوافز الاقتصادية تواصل تفضيل الصناعات ذات الاستخدام المكثف لرأس المال، وليس قطاع الخدمات الذي يولد الوظائف. والأرباح الهائلة التي حققتها هذه الصناعات في السنوات الأخيرة تدفقت إلى الجهات الاستثمارية التابعة للدولة وإلى المسؤولين، وليس إلى القوة العاملة. وكانت الجهات الأخرى الفائزة هي الشركات الدولية متعددة الجنسيات، التي غالباً ما تدخل الصين من خلال المشاريع المشتركة المحلية، والتي تستخدم الصين قاعدة تصديرية.
وظلت تكاليف اليد العاملة تتصاعد في الصين منذ سنوات لكنها تبقى متدنية نظراً للتصاعد المقابل في الإنتاجية، ونظراً لعدم قدرة العاملين على تنظيم أنفسهم للفوز بتحسينات كبيرة في ظروفهم.
لكن "السِعْر الصيني" الذي يبعث الرعب في النفوس كان دائماً يدور حول أشياء أكبر بكثير من مجرد العمالة الرخيصة. فهذه الظاهرة كانت تقوم على التهاون في فرض القوانين البيئية أو التجاوز عنها، وعلى التمويل الرخيص والحوافز المتعددة التي تقدمها المناطق التي تتنازع للحصول على الاستثمار.
وبالنسبة للشركات التي تصنع بضائع ذات قيمة مضافة متدنية، فإن التمويل الرخيص والحوافز الاستثمارية تتفكك الآن على يد حكومة مركزية تريد من الشركات التركيز على تطوير صناعات أصيلة نابعة من الصين.
إن فرض القوانين البيئية وإنشاء نظام تنظيمي أصيل يبدو أنهمها سيكونان مهمتين شاقتين للغاية. فالحكم الذاتي المحلي، ورغبة كل مدينة وبلدة في الصين التمتع بثمار النمو الاقتصادي يجعلان من التنظيم الفعال أمراً يشبه المستحيل على المدى القريب.
والمعلقون على حق في المجادلة بأن التلوث الصيني أصبح الآن بالفعل مشكلة عالمية. لكن إذا كان التلوث الصيني هو الثمن الواجب دفعه لتظل مستودعات وول مارت مليئة بالبضائع الرخيصة ويظل المستهلكون الأمريكيون سعداء، فلعل من المناسب أن يتم اقتسام التكاليف. وفي البداية فإن بعض الغازات المسببة للاحتباس الحراري من الصين يمكن أن تحتسب في دفتر البلدان التي يشتري مستهلكوها البضائع الصينية.
وهذه فكرة يمكن أن تذهل، بل وحتى تغضب، المتسوقين في إلينوي، لكن يمكن أن تكون تذكرة صحية بالمصدر الحقيقي للأسعار المتدنية التي يستمتعون بها. وعلى نحو أو آخر فإن تكاليف الصين على العالم في سبيلها إلى الارتفاع.

ليست هناك تعليقات: