الثلاثاء، 18 سبتمبر 2007

تخضير الصين

صحيفة الجريدة الكويتية
كريستين لوه
رئيسة مركز التبادل المدني، وهو مركز بحثي متخصص في السياسات العامة، ويتخذ من هونغ كونغ مقراً له

من بين الأفكار الإبداعية التي تستكشفها السلطات في هونغ كونغ وغوانغدونغ الآن خطة أطلقت عليها «بي2 إي2». فمن أجل تشجيع الصناعات في المنطقة على الارتقاء بيئياً، أصبح بوسع الشركات الآن أن تحصل على قروض خاصة يتحمل بنك التنمية الآسيوي المجازفة المترتبة عليها، وهو البرنامج الذي ظهر إلى حيز الوجود بسبب الممارسات المصرفية السليمة التي تتبناها هونغ كونغ.
حتى الآن تتخذ الولايات المتحدة والصين موقفاً منعزلاً وغير ودي من الجهود العالمية الرامية إلى تأسيس إطار عمل بشأن تغيير المناخ للتعامل مع مرحلة ما بعد «بروتوكول كيوتو». وربما كان بوسع العالم منذ خمسين عاماً أن يمضي في تبني العلاجات اللازمة للتعامل مع مشكلة الانبعاثات الغازية التقليدية والمسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وأن يترك الولايات المتحدة والصين تغرقان في نفاياتهما. لكن العالم اليوم أصبح كل قسم منه يعتمد على الآخر إلى الحد الذي يجعل ما يحدث في مكان ما من العالم يؤثر في العالم أجمع.
على سبيل المثال، كان الزائرون والمقيمون ينظرون إلى هونغ كونغ باعتبارها مدينة جميلة واقعة على الساحل الجنوبي للصين. ولكن في غضون الأعوام الخمسة الماضية انتابت مواطنو هونغ كونغ نوبات من السعال وضيق التنفس، بسبب هواء المدينة الذي أصبح رديئاً على نحو متزايد. حتى أن أصحاب الشركات أصبحوا يشتكون من عدم قدرتهم على اجتذاب الخبرات والمواهب من الخارج.
مما لا شك فيه أن تقليص معدلات التلوث الناتج عن محطات توليد الطاقة، والأعداد المتزايدة من السيارات، وصناعة الشحن المزدهرة في هونغ كونغ أمر وارد وممكن، لكن نصيب الأسد في هذا الضباب الصناعي مثل التلوث المتزايد لمياه هونغ كونغ الساحلية يأتي كنتيجة مباشرة للتحول الصناعي السريع الذي تشهده دلتا نهر بيرل عبر الحدود في منطقة غوانغدونغ الصينية. إن الصين لا تصدر المزيد والمزيد من السلع فحسب، بل إنها تصدر أيضاً تدهورها البيئي.
ثمة حقيقة ثابتة لا سبيل إلى إنكارها، وتتلخص في أن مستقبل هونغ كونغ يرتبط ارتباطاً تاماً بمستقبل الصين. فهناك ما يقرب من 58 ألف مصنع في منطقة دلتا نهر بيرل على اتصال بهونغ كونغ، وتوظف هذه المصانع مجتمعة ما يزيد على العشرة ملايين عامل. ومنطقة غوانغدونغ وحدها مسؤولة عن نحو %30 من مجموع التجارة الخارجية الصينية، بينما تشكل هونغ كونغ المركز المالي الدولي للصين.
يعجز المسؤولون في كل من هونغ كونغ وغوانغدونغ عن التعامل مع المشاكل البيئية في المنطقتين، والحقيقة أن خطط التنمية في الصين ربما تكون الآن قد اتخذت اتجاهاً معاكساً، فما زال كبار الساسة في غوانغدونغ يفضلون شكلاً من أشكال التنمية يعتمد على السرعة والجودة، بينما يتجاهل سلامة البيئة في الإجمال. كما تركز الخطط الاقتصادية الأساسية في هونغ كونغ على التعجيل في بناء مشاريع البنية الأساسية الضخمة التي لم يتم اختبار الآثار البيئية المترتبة عليها على النحو الوافي. ولن يكون من السهل بالنسبة إلى الزعامات على أي من جانبي الحدود أن يعكسوا هذه التوجهات، لكن الفرصة ما زالت قائمة في أن يتولى الناس والشركات تغيير هذا الواقع.
كانت أصوات الشكوى المتعالية على نحو مستمر بشأن تدهور جودة الهواء في هونغ كونغ وغوانغدونغ سبباً في دفع المسؤولين هناك إلى الشروع في تطبيق برنامج مشترك تعمل بمقتضاه الآن سلسلة من محطات المراقبة على توفير البيانات الخاصة بمعدلات انبعاث الغازات. وفي هونغ كونغ يتم نشر البيانات الخاصة بها على نحو منتظم، أما في غوانغدونغ فلم تنشر البيانات علناً إلا في عام 2006. وهناك تدور في بعض الأحاديث الآن عن مراقبة نوعية المياه. وهذه الخطوات من جانب الصين تستحق الثناء نظراً الى سجلها الفقير في ما يتصل بالشفافية.
الحقيقة أن هذه الشبكة المشتركة لمراقبة الهواء تشكل الأساس الذي تستطيع المنطقة استناداً إليه أن تعمل على إنشاء برنامج إقليمي متطور لإدارة عمليات مراقبة الهواء. اضافة الى ذلك، تستطيع السلطات على جانبي الحدود أن تعمل على منع إنشاء أي محطات طاقة جديدة تعمل بحرق الفحم، وأن تلزم المشاريع الجديدة بالاعتماد بصورة أكبر على الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة.
يكمن التحدي الأول في مواجهة السلطات في تنظيم توليد واستخدام الطاقة بصورة مختلفة تمام الاختلاف. فقد تعود الناس على الدفع في مقابل الطاقة الكهربية التي يستخدمونها بالفعل، ولكن لرفع كفاءة استخدام الطاقة فلابد من مكافأة المرافق في نظير ما تساعد المستهلكين على توفيره من الطاقة. أو بعبارة أخرى، لابد من تقديم الحوافز إلى مرافق الطاقة لحملها على مساعدة المستهلكين في استخدام مقادير أقل من الطاقة.
إن هذه الفكرة قابلة للتنفيذ. وكان أموري لوفينز من معهد روكي ماونتن قد اقترح ما أطلق عليه «نيغاوات»، أو الطاقة التي لا تستخدم أبداً. ولا يتطلب الأمر سوى توفير الحوافز المالية الكافية لحث شركات المرافق على إنتاج مقادير أقل من الطاقة، وتظل في الوقت نفسه أكثر توليداً للأرباح، وحض المستهلكين على تخفيض استهلاكهم وفي الوقت ذاته اكتساب المدخرات من دون التضحية بالراحة. ومن الممكن تحقيق هذه الغاية من خلال إعادة تجهيز المنازل السكنية بمصابيح إضاءة عالية الكفاءة، وإدخال المزيد من التحسينات التكنولوجية عليها، ومن خلال إعادة تجهيز المحطات الصناعية بالمعدات التكنولوجية القادرة على توفير الطاقة.
من بين الأفكار الإبداعية التي تستكشفها السلطات في هونغ كونغ وغوانغدونغ الآن خطة أطلقت عليها «بي2 إي2». فمن أجل تشجيع الصناعات في المنطقة على الارتقاء بيئياً، أصبح بوسع الشركات الآن أن تحصل على قروض خاصة يتحمل بنك التنمية الآسيوي المجازفة المترتبة عليها، وهو البرنامج الذي ظهر إلى حيز الوجود بسبب الممارسات المصرفية السليمة التي تتبناها هونغ كونغ.
ومن بين المبادرات الأخرى التي تستحق الاهتمام، ذلك المشروع الاستكشافي الذي أطلقته بورصة هونغ كونغ للأوراق المالية، والذي يسعى إلى إنشاء برنامج للمضاربة في نواتج الانبعاثات الغازية، والتي ستتضمن على الأرجح الملوثات التقليدية علاوة على الكربون. ومن المقرر أن تتولى البورصة دراسة المشروع في هذا الصيف، بحيث تبدأ المضاربة في أوائل عام 2008.
إذا لم تتقوض هذه الإصلاحات نتيجة للجهود الرامية إلى الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة مهما كانت التكاليف، فإن المنطقة لن تتمكن من تنظيف نفسها ومواصلة الازدهار فحسب، بل إنها ستصبح قادرة أيضاً على تقديم مثال يحتذى في مناطق الصين كافة. والحقيقة أنه لا شيء أكثر أهمية من تحقيق هذه الغاية، في بلد مثل الصين الذي يضم، طبقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 16 إلى 20 من أضخم مدن العالم من حيث الكثافة السكانية.
مما لا شك فيه أن زعماء هونغ كونغ لا يريدون لمدينتهم أن تنتمي إلى هذه القائمة المشينة. وإذا ما تمكنوا من إنقاذ مدينتهم فربما يتمكنون بهذا من الاضطلاع بدور مفيد في إنقاذ الصين بالكامل.

ليست هناك تعليقات: