الأربعاء، 5 سبتمبر 2007

روسيا والصين نموذجان معاصران للدول المتحولة

صحيفة الخليج الإماراتية
عبدالعظيم محمود حنفي
ما نوع الرأسمالية الذي ينبغي اختياره؟
عندما تقوم الحكومات بتحديد افضل موقع لاقتصادها الوطني في النظام العالمي فائق السرعة تجد نفسها امام سلسلة من الاختيارت التي يمكن من خلالها الاعتماد عليها بشكل خاص في اختيار طرق اجتذاب الموارد الفنية، ورأس المال، والحصول على الاستثمارات اللازمة للتنمية. وكان صانعو السياسة في الاسواق المفتوحة إبان عقد التسعينات يقفون طويلا امام اختيار المؤسسات المملوكة للاجانب كقناة لجذب هذه الاستثمارات. فهل تلك السياسات مفيدة؟ ام هل كانت السياسات الاكثر ليبرالية في تايلاند وسنغافورة هي النموذج الافضل؟ وأمام هذا السؤال، تدخل الحكومات في سلسلة من الاختيارات التي لا يستطيع خبراء التنمية ان يساعدوا فيها الا بالنزر اليسير. لقد ثبت ان الاقتصادات الرأسمالية او بمعنى آخر اقتصادات السوق الحر تنجح في مختلف الاوضاع الوطنية رغم الاختلافات التاريخية في كل دولة واختلاف المؤسسات والقيم والاهداف.
ما هو نوع الرأسمالية الذي ينبغي اختياره؟ ان معظم دول العالم التي يزيد عددها على 200 دولة تقريبا توصف معظم انظمتها بأنها رأسمالية. وربما تصر دول كثيرة على إعطاء الرأسمالية صفة مميزة كأن تقول انها تطبق “رأسمالية ذات وجه انساني” مثلا. واذا امعنت النظر في عشرات من الدول سترى مدى التنوع في انظمتها الاقتصادية وستجد صعوبة في تعميم صفة واحدة تتصف بها جميع الدول. وقد تتساءل: ما الصفة المشتركة بين كل من هونج كونج وبولندا وايسلندا واستراليا التي تجعل المراقب يطلق صفة واحدة تنطبق عليها؟
ان كل ما يبدو مشتركا فيما بينها هو بعض المفهوم العلمي للملكية الخاصة مع بعض الاعتماد على الاسواق في حركة البضائع والخدمات ورأس المال في نطاق اقتصاد كل دولة منها. وليس بينها الا القليل من العوامل المشتركة المتعلقة بالتاريخ او القيم او المؤسسات او الطموحات. ولذلك توجد خطورة غير عادية على محاولة قياس اداء اقتصاد كل هذه الدول بمقياس مشترك، او في ان تستمد تختلف في الخبرات عنها لتطبيقها بصفة عامة على دول اخرى دروسا
ان مفهوم ودلالات “الرأسمالية” يتسم بالضيق. ويتضح ذلك من دراسة معنى كلمة رأسمالي بالنسبة لحجم القطاع العام في الدولة. على سبيل المثال، لا يمكن لأحد ان يجادل في حق الدنمارك والسويد في اطلاق صفة “رأسمالي” على اقتصاد كل منهما. ولكن القطاع العام هو المتصرف في اكثر من نصف اجمالي الناتج الوطني لكل منهما. كما يوجه القطاع العام في كل منهما شريحة كبيرة من نفقاته الى موارد متداولة بين فئات معينة من المواطنين.
ويفترض ان الرأسمالية تعني وجود احزاب سياسية متنافسة ولكن يمكن التساؤل عما اذا كان من حق اندونيسيا وزيمبابوي واوغندا وسنغافورة وهونج كونج )حتى 1997 على الاقل( ان تؤكد انها دول رأسمالية دون ان تتوافر فيها هذه الشروط السياسية. ويمكن اعتبار روسيا والصين الان نماذج معاصرة للدول المتحولة، ففي الحالتين ما تزال بعض المؤسسات المسيطرة قبل بداية الرأسمالية تحتفظ ببقائها حتى الآن وتكيف نفسها مع البيئة الجديدة. وما تزال بعض المؤسسات داخل الصين تحتفظ بكثير من استقلالها. وهذه الحقيقة توحى بامكانية التوصل الى حلول لبعض المشاكل مثل ضمان المنافسة داخل السوق الصينية. ولكنها في نفس الوقت تولد مشاكل امام سوق وطنية واحدة وتمثل عقبة امام الضمانات التي يطلبها اصحاب الممتلكات الخاصة. اما المراكز الصناعية الروسية الضاربة في القدم، والتي قد تعتمد عليها مدن باكملها في بعض الاحيان، فهي تسعى لتضمن لنفسها مكانة خاصة بمحاذة الهياكل الرأسمالية التي تبرز بطريقة تلقائية في الاقتصاد الروسي.
فالمانيا في القرن التاسع عشر على سبيل المثال كان القادة فيها يعانون من الاحساس العميق بأن دولتهم ظهرت متأخرة على الساحة الصناعية، وكانوا يصرون دائما على الوصول الى مستوى الدولتين اللتين تهددانها وهما فرنسا وروسيا. وفي تلك البيئة طور القادة الالمان مفهوم ان العمال واصحاب الاعمال “شركاء اجتماعيون” يشتركون في ما تدره مؤسساتهم من فوائد. وهكذا اصبح على العمال واصحاب الاعمال مسؤولية المشاركة مع موظفي الحكومة في السعي الحثيث لتحقيق زيادة سريعة في النمو الاقتصادي وكان من الضروري صياغة السياسات الاقتصادية الرئيسية للدولة المنظمات الوطنية العامة التي تعتبر بمثابة مظلة تمثل العمال والصناعة والحكومة. لكن دور الحكومة هو توفير مستوى مرتفع من التعليم العام، وبنية أساسية ممتازة، ومساعدة مباشرة في المشروعات المهمة التي يفوق حجمها القطاع الخاص بمفرده.
في حين كانت الثقافة الامريكية تميل بقوة نحو مقولة ان الشغل الشاغل للعمل هو العمل ذاته. وهكذا يمكن القول باطمئنان وفق الخبرات التاريخية المتعددة ان انفتاح الاسواق الوطنية امام التجارة والاستثمارات الدولية هو أهم وسيلة لتحقيق اهداف التنمية للدول النامية.

ليست هناك تعليقات: