صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
ريتشارد مالجريجور ـ محلل اقتصادي
تحكي خرافة مالية في كتاب صيني جديد نال مرتبة الأكثر مبيعاً وعنوانه “حروب العملات”، قصة سطو على منزل “مهاتير محمد” المسمى على رئيس الوزراء الماليزي السابق الذي اشتكى بمرارة خلال الأزمة الآسيوية في العام 1997 من تلاعب أشخاص مثل جورج سوروس بأسواق المال.
ويستدعي “مهاتير” رجل شرطة يدعى جرينسبان بعد حادث السطو ولكنه يتعرض للتقريع لتركه الباب الأمامي مفتوحاً، ويرد مهاتير متذمراً: “لماذا لم يسرق اللصوص من الصين والهند؟” ويخبره جرينسبان “بأن اسوار الصين والهند أعلى من ان يتمكن سوروس من تسلقها”، وهي ملاحظة يسمعها الممول خلسة ويهزأ قائلاً بأن مثل هذه المشكلة يمكن حلها بحفر قليل من الفتحات في السور.
ويتلفت جرينسبان حوله بمكر ويلقي قناع رجل الشرطة ويعترف بأنهم ارسلوا (هانك) بولسون لحفر فتحات عدة في الصين في نهاية العام 2006. ويرسل سوروس برسائل نصية لأصدقائه عند سماعه ذلك ويطلب منهم ان يسرعوا الى الصين اذ “إن الناس هناك أغبياء ولكن لديهم أموالاً طائلة”.
هذه قصة سخيفة في كتاب يزخر بالمؤامرات الخيالية عن تلاعب بأسواق المال العالمية من قبل الممولين الغربيين، ولكن شعبية الكتاب في الصين (يقول الناشر ان هناك 600 ألف نسخة حقيقية ومقرصنة قيد التوزيع حالياً) تثير الدهشة عند التفكير في واحدة من أكثر المشاكل المحيرة في صنع السياسة الاقتصادية الصينية والعالمية.
والمشكلة هي: لماذا تستمر بكين في رفض السماح برفع قيمة عملتها بسرعة؟ ومنذ فصل الارتباط بالدولار الأمريكي في منتصف العام 2005، ارتفعت قيمة الرينمنبي بنسبة تقل عن 10 في المائة مقابل الدولار الأمريكي وهي زيادة سلحفائية قياساً بضعف العملة الأمريكية خلال فترة العامين الماضيين.
وخلال الفترة ذاتها، انخفضت قيمة الرينمنبي مقابل اليورو.
وليس جديداً أن الولايات المتحدة وأوروبا تشهدان عجزاً تجارياً متضخماً مع الصين وانهما ليستا سعيدتين بهذه الحال. ووبخ صندوق النقد الدولي الصين لتحديدها سعر الدولار وطالبها بتنفيذ قرار العام 2005 بالتركيز على سعر صرف فعال يقاس مقابل سلة عملات.
ولكن سرد جانب الصين من القصة ليس سهلاً، فالشعار الصيني القائل منذ العام 2005 ان الصين ملتزمة بالتحرك الى الأمام نحو سعر صرف أكثر مرونة مع مرور الوقت ليس مقنعاً تماماً كتفسير.
وفي المقابل ومع وتيرة التنمية الصينية المتسارعة، يمكن وصف صنع السياسة التي تدعمها بأنها كانت متدرجة. وباستثناء بعض الصدمات التي شهدتها الصين مثال الاصلاح الزراعي في ثمانينات القرن العشرين والانضمام لمنظمة التجارة العالمية اخيراً فإن السياسات الجديدة يتم اختبارها قبل تنفيذها بشكل كامل. وفي القطاع المالي يعد هذا اجراء حكيماً الى حد ما. وكانت المشاكل في البنوك الحكومية الصينية متفاقمة الى حد يصعب معه رؤية الكيفية التي كان يمكن من خلالها تحرير السوق بشكل اسرع.
أما العملة فهي أداة مختلفة فخلال فترة ما يزيد على العامين منذ فك ارتباط الرينمنبي بالدولار الأمريكي لم ير المصدرون الصينيون مبيعاتهم تتصاعد فقط بل ان غالبيتهم زادت أو حافظت على هوامش بفضل تنافسيتهم والتكلفة المتدنية لرأس المال في الصين.
وبالنسبة للمؤسسات المالية وهي عامل آخر يثير التساؤلات أيضاً فقط ادارت الانتقال الى نظام عملة مختلفة دون أي مشاكل واضحة، وربما يتضح انها قابلة للتكيف واذكى مما يتوقع قادتها.
وهناك ايضاً الزراعة وهي القطاع الذي كانت الحكومة تعاني من القلق من ان يغرق في الواردات عند الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، وارتفعت واردات فول الصويا ولكن ذلك يعزى للتقييدات المفروضة جراء تناقص الأراضي الصالحة للزراعة وشح المياه. ومن جهة ثانية ارتفع انتاج الخضروات والفواكه وصادراتها بشكل سريع.
اذاً ما الذي يمكن الخوف منه؟ صحيح أن عواقب إبقاء قيمة العمل متدنية وخيمة. ومع التزام البنك المركزي الصيني بشراء كل الدولارات الواردة تقريباً، تتكدس ثمار نمو الصين الاستثنائي وعمل سكانها الشاق في احتياطيات عملات اجنبية ستتراجع قيمتها لا محالة. وحتى اذا لم تكن إعادة التقييم ستحل الخلل في الميزان التجاري فستستمر العملة في ان تكون محفزاً على الصادرات وكابحاً امام اعادة موازنة الاقتصاد بتعزيز الاستهلاك المحلي. وعلاوة على ضعف القيادة السياسية العليا، فإن سبب جبن سعر الصرف قد يكمن في تخاريف قصة “حروب العملات” والشك المستمر في الأجانب الذي يطالبون الصين بأن تتغير. وبالنسبة للشؤون المالية، يرى صانعو السياسة الصينيون نموذجين إقليميين “للانفتاح” تحت ضغط اجنبي، هما اعادة تقييم الين الياباني في منتصف ثمانينات القرن الماضي وحسابات رأس المال المفتوح في جنوب شرق آسيا وبالنسبة للصينيين فإن لكلتا السياستين عواقب كارثية وهم مصممون على تجنبها. ولا يوجد في الصين حس تغيير في الأفق بالنسبة للعملة. وسيؤخر مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المقرر عقده الشهر المقبل واداء الحكومة الجديدة القسم في مارس/آذار المقبل أي نقاش ذي معنى حتى منتصف عام 2008. وبوجود فائض حساب جار هائل وتحديات عديدة بشأن البيئة والطاقة، يقال في كثير من الأحيان ان تنمية الصين الاقتصادية لا يمكن ان تستمر بطريقتها الحالية، ولكن المؤشرات تقول انها ستستمر.
ريتشارد مالجريجور ـ محلل اقتصادي
تحكي خرافة مالية في كتاب صيني جديد نال مرتبة الأكثر مبيعاً وعنوانه “حروب العملات”، قصة سطو على منزل “مهاتير محمد” المسمى على رئيس الوزراء الماليزي السابق الذي اشتكى بمرارة خلال الأزمة الآسيوية في العام 1997 من تلاعب أشخاص مثل جورج سوروس بأسواق المال.
ويستدعي “مهاتير” رجل شرطة يدعى جرينسبان بعد حادث السطو ولكنه يتعرض للتقريع لتركه الباب الأمامي مفتوحاً، ويرد مهاتير متذمراً: “لماذا لم يسرق اللصوص من الصين والهند؟” ويخبره جرينسبان “بأن اسوار الصين والهند أعلى من ان يتمكن سوروس من تسلقها”، وهي ملاحظة يسمعها الممول خلسة ويهزأ قائلاً بأن مثل هذه المشكلة يمكن حلها بحفر قليل من الفتحات في السور.
ويتلفت جرينسبان حوله بمكر ويلقي قناع رجل الشرطة ويعترف بأنهم ارسلوا (هانك) بولسون لحفر فتحات عدة في الصين في نهاية العام 2006. ويرسل سوروس برسائل نصية لأصدقائه عند سماعه ذلك ويطلب منهم ان يسرعوا الى الصين اذ “إن الناس هناك أغبياء ولكن لديهم أموالاً طائلة”.
هذه قصة سخيفة في كتاب يزخر بالمؤامرات الخيالية عن تلاعب بأسواق المال العالمية من قبل الممولين الغربيين، ولكن شعبية الكتاب في الصين (يقول الناشر ان هناك 600 ألف نسخة حقيقية ومقرصنة قيد التوزيع حالياً) تثير الدهشة عند التفكير في واحدة من أكثر المشاكل المحيرة في صنع السياسة الاقتصادية الصينية والعالمية.
والمشكلة هي: لماذا تستمر بكين في رفض السماح برفع قيمة عملتها بسرعة؟ ومنذ فصل الارتباط بالدولار الأمريكي في منتصف العام 2005، ارتفعت قيمة الرينمنبي بنسبة تقل عن 10 في المائة مقابل الدولار الأمريكي وهي زيادة سلحفائية قياساً بضعف العملة الأمريكية خلال فترة العامين الماضيين.
وخلال الفترة ذاتها، انخفضت قيمة الرينمنبي مقابل اليورو.
وليس جديداً أن الولايات المتحدة وأوروبا تشهدان عجزاً تجارياً متضخماً مع الصين وانهما ليستا سعيدتين بهذه الحال. ووبخ صندوق النقد الدولي الصين لتحديدها سعر الدولار وطالبها بتنفيذ قرار العام 2005 بالتركيز على سعر صرف فعال يقاس مقابل سلة عملات.
ولكن سرد جانب الصين من القصة ليس سهلاً، فالشعار الصيني القائل منذ العام 2005 ان الصين ملتزمة بالتحرك الى الأمام نحو سعر صرف أكثر مرونة مع مرور الوقت ليس مقنعاً تماماً كتفسير.
وفي المقابل ومع وتيرة التنمية الصينية المتسارعة، يمكن وصف صنع السياسة التي تدعمها بأنها كانت متدرجة. وباستثناء بعض الصدمات التي شهدتها الصين مثال الاصلاح الزراعي في ثمانينات القرن العشرين والانضمام لمنظمة التجارة العالمية اخيراً فإن السياسات الجديدة يتم اختبارها قبل تنفيذها بشكل كامل. وفي القطاع المالي يعد هذا اجراء حكيماً الى حد ما. وكانت المشاكل في البنوك الحكومية الصينية متفاقمة الى حد يصعب معه رؤية الكيفية التي كان يمكن من خلالها تحرير السوق بشكل اسرع.
أما العملة فهي أداة مختلفة فخلال فترة ما يزيد على العامين منذ فك ارتباط الرينمنبي بالدولار الأمريكي لم ير المصدرون الصينيون مبيعاتهم تتصاعد فقط بل ان غالبيتهم زادت أو حافظت على هوامش بفضل تنافسيتهم والتكلفة المتدنية لرأس المال في الصين.
وبالنسبة للمؤسسات المالية وهي عامل آخر يثير التساؤلات أيضاً فقط ادارت الانتقال الى نظام عملة مختلفة دون أي مشاكل واضحة، وربما يتضح انها قابلة للتكيف واذكى مما يتوقع قادتها.
وهناك ايضاً الزراعة وهي القطاع الذي كانت الحكومة تعاني من القلق من ان يغرق في الواردات عند الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، وارتفعت واردات فول الصويا ولكن ذلك يعزى للتقييدات المفروضة جراء تناقص الأراضي الصالحة للزراعة وشح المياه. ومن جهة ثانية ارتفع انتاج الخضروات والفواكه وصادراتها بشكل سريع.
اذاً ما الذي يمكن الخوف منه؟ صحيح أن عواقب إبقاء قيمة العمل متدنية وخيمة. ومع التزام البنك المركزي الصيني بشراء كل الدولارات الواردة تقريباً، تتكدس ثمار نمو الصين الاستثنائي وعمل سكانها الشاق في احتياطيات عملات اجنبية ستتراجع قيمتها لا محالة. وحتى اذا لم تكن إعادة التقييم ستحل الخلل في الميزان التجاري فستستمر العملة في ان تكون محفزاً على الصادرات وكابحاً امام اعادة موازنة الاقتصاد بتعزيز الاستهلاك المحلي. وعلاوة على ضعف القيادة السياسية العليا، فإن سبب جبن سعر الصرف قد يكمن في تخاريف قصة “حروب العملات” والشك المستمر في الأجانب الذي يطالبون الصين بأن تتغير. وبالنسبة للشؤون المالية، يرى صانعو السياسة الصينيون نموذجين إقليميين “للانفتاح” تحت ضغط اجنبي، هما اعادة تقييم الين الياباني في منتصف ثمانينات القرن الماضي وحسابات رأس المال المفتوح في جنوب شرق آسيا وبالنسبة للصينيين فإن لكلتا السياستين عواقب كارثية وهم مصممون على تجنبها. ولا يوجد في الصين حس تغيير في الأفق بالنسبة للعملة. وسيؤخر مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المقرر عقده الشهر المقبل واداء الحكومة الجديدة القسم في مارس/آذار المقبل أي نقاش ذي معنى حتى منتصف عام 2008. وبوجود فائض حساب جار هائل وتحديات عديدة بشأن البيئة والطاقة، يقال في كثير من الأحيان ان تنمية الصين الاقتصادية لا يمكن ان تستمر بطريقتها الحالية، ولكن المؤشرات تقول انها ستستمر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق