الاثنين، 8 أكتوبر 2007

العرب والصين.. الحربان العالميتان

صحيفة الدستور الأردنية
د. علي محافظة
غيرت ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية في روسيا وحركة الرابع من أيار الصينية سير التاريخ الصيني بصورة جذرية. ففي أعقاب حركة الرابع من أيار نجح عدد من المثقفين الصينيين في تكوين اتحادات للعمال في المدن الصناعية الكبرى مثل شنغهاي وشانغشنديان وهونان ، وإنشاء نواد ومدارس ليلية لهم. وأصدروا صحفاً في بكين وغيرها تشرح لهم مبادئ الماركسية بصورة مبسطة. وتألفت أول مجموعة ماركسية في شنغهاي في صيف 1920 ، وتلاها تكوين مجموعات مماثلة في بكين وهانكو وشانغشا وغوانشو وجنان. مثلما كوّن الطلبة الصينيون في باريس وطوكيو مجموعات ماركسية مماثلة. وفي تموز 1921 عقد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني في شنغهاي. فقد التقى ثلاثة عشر مندوباً يمثلون ما يربو على خمسين مجموعة شيوعية وكان من بينهم ماوتسي تونغ. قرر المؤتمر تأسيس الحزب الشيوعي الصيني على مثال الحزب الشيوعي الروسي. إذ أقر دستور الحزب وانتخب لجنته التنفيذية ، بحضور مراقبين إثنين من الشيوعية الدولية (الكومنترن). ركز الحزب نشاطه على العمال ، وأنشأ الأمانة العامة لاتحاد عمال الصين ، وقاد الاضرابات المتوالية في سنتي 1922 و 1923 ، تسانده رابطة الشباب الاشتراكي. ودعا بيان الحزب في مؤتمره الثاني في تموز 1922 إلى إقامة جبهة ديمقراطية متحدة تتولى القضاء على القادة العسكريين في الولايات وإشاعة السلم الداخلي في البلاد ، والإطاحة بالإمبريالية الدولية ، وتحقيق الاستقلال التام للأمة الصينية. وقد أخمدت السلطات الرسمية الاضرابات بالنار والحديد وقتلت المئات من العمال.
وكانت الولايات المتحدة واليابان أكثر الدول الأجنبية إفادة من أوضاع الصين الصعبة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وصدر ميثاق الدول التسع في واشنطن في شباط 1922 الذي وقعته الولايات المتحدة وبلجيكا وبريطانيا والصين وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والبرتغال. لقد أقر الميثاق احترام هذه الدول لسيادة الصين في الظاهر ، وفتح الباب لسلب خيراتها في الواقع. وألغى الميثاق حقوق الاحتكار لهذه الدول التي كانت قائمة قبل 1922 ، ولكنه أقر سياسة الباب المفتوح التي كانت تنادي بها الولايات المتحدة. بعد موت يوان شيكاي ، رئيس جمهورية الصين ، سنة 1920 اندلعت حرب أهلية في البلاد غذتها الدول الثماني ، وتعرض الفلاحون للجوع والاضطهاد والسخرة ، فشكلوا تنظيمات خاصة بهم للدفاع عن أنفسهم ، كان من أهمها "رابطة الفلاحين العامة". كان حزب الكيومنتانغ قد تشكل سنة 1912 برئاسة صن يات صن كوريث للرابطة الثورية الصينية. وفي المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الصيني الذي عقد في غوانشوا في حزيران 1923 تقرر تشكيل جبهة ثورية متحدة تضم حزب الكيومنتانغ والحزب الشيوعي ورابطة الشباب الاشتراكي. وبذلك تضم من طبقات المجتمع : العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية. وانتخب ماوتسي تونغ في هذا المؤتمر عضواً في اللجنة المركزية للحزب ومديراً لدائرة التنظيم فيه. استعاد حزب الكيومنتانغ قوته ونشاطه ، وعقد مؤتمره الوطني الأول في غوانشوا في كانون الثاني 1924 الذي قرر فيه التحالف مع الاتحاد السوفياتي ، والتعاون مع الشيوعيين وتقديم العون للعمال والفلاحين. نجحت الجبهة الثورية المتحدة في إنشاء مدرسة للتدريب العسكري وبناء جيش ثوري. وتولى الشيوعيون التثقيف السياسي في أكاديمية وامبوا العسكرية قرب غوانشو.
في آذار 1925 مات صن يات صن ، زعيم الجبهة الثورية المتحدة. في بكين. واندلعت الاضرابات العمالية في المدن الصناعية مما دفع الجبهة إلى تأليف حكومة وطنية في غوانشو في 1 ـ 7 ـ 1925. وتشكل الجيش الوطني الثوري في السنة نفسها. حرر الجيش ولاية غواندونغ ، وأصبحت تحت سلطة الحكومة الثورية الوطنية في ربيع 1926. وأصبح ماوتسي تونغ مسؤولاً عن معهد غوانشو للحركة الفلاحية.
شعر بعض القياديين في حزب الكيومنتانغ من اليمينيين أن الشيوعيين خطر يهدد مستقبلهم فانفصلوا عن الجبهة الثورية المتحدة وشكلوا تنظيماً مناهضاً للجبهة. وفي آذار 1926 أوضح ماوتسي تونغ الدور الثوري للطبقة العاملة في مقالة "تحليل الطبقات في المجتمع الصيني". وحذر من البرجوازية الوطنية التي قد تنقلب على الجبهة. وفي أواخر آذار 1926 أمر تشيانغ كاي شيك باعتقال جميع أعضاء الحزب الشيوعي في أكاديمية وامبوا العسكرية في الفيلق الأول التابع للجيش الثوري الوطني ، واستولى على القيادة العليا لهذا الجيش. تمرد فيلق الحملة الشمالية بقيادة الشيوعي يي تنغ على القيادة العليا وتوغل في ولايتي هونان وهوبي. ثم استولى على ولاية فوجيان وزيجيانغ خلال سنة 1926. وتمكن فيلق آخر يدعمه الشيوعيون من احتلال ولاية شانشي. ورفع الشيوعيون في هذه الحرب شعار "كل السلطة لروابط الفلاحين". وساند الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين الحزب الشيوعي الصيني. وأكد ماوتسي تونغ أهمية الفلاحين في الثورة الصينية. احتدم القتال بين الكيومنتانغ والشيوعيين في مختلف أنحاء الصين في سنتي 1926 و 1927 ودارت حرب أهلية طاحنة بين الفريقين. وعقد الحزب الشيوعي مؤتمره الخامس في 27 ـ 4 ـ 1927 في مدينة ووهان ، وأعاد انتخاب شين دوشيو سكرتيراً عاماً للحزب ، على الرغم من الأخطاء التي ارتكبها منذ بداية تحالف الحزب مع الكيومنتانغ. ومني الشيوعيون بهزيمة في هذه الحرب بسبب الدعم القوي الذي حظي به تشيانغ كاي شيك من الولايات المتحدة وبريطانيا. واستمرت الحرب الأهلية حتى حزيران 1937 فأتت على زهرة الشباب الصيني من الطرفين. وكان الحزب الشيوعي قد أنشأ "جيش الشعب" من ثلاثين ألف مقاتل في 1 ـ 8 ـ 1927 بقيادة كل من شوته وماوتسي تونغ ، وأطلق عليه آنذاك اسم الجيش الأحمر.
عقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره القومي السادس في تموز 1928 في موسكو ، وكان قد بلغ عدد أعضائه أربعين ألف عضو ونيف. وركز الحزب على كسب الجماهير وتقوية الجيش الأحمر الذي بلغ (13) فيلقاً سنة 1930.
في 18 ـ 9 ـ 1931 ، انتهزت اليابان الحرب الأهلية في الصين وشنت هجوماً على شمال شرقي الصين ، فاحتلت مليوني كيلو متر مربع من الأرض الصينية يقطنها ثلاثون مليون نسمة ، في مدى ثلاثة أشهر. رفع الشيوعيون شعار المقاومة الوطنية ضد المحتلين اليابانيين ، بينما وقف الكيومنتانغ موقفاً متخاذلاً من المحتلين. وكذلك فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، بينما أدان الاتحاد السوفياتي الاحتلال الياباني. أعلن الحزب الشيوعي الصيني في 17 ـ 1 ـ 1933 استعداده للتعاون مع جميع القوات الراغبة في مقاومة الاحتلال الياباني. لم يستجب تشيانغ كاي شيك لهذه الدعوة ، واستمر في قتال الجيش الأحمر. غير أن الجيش الأحمر بدأ في 16 ـ 10 ـ 1934 "المسيرة الطويلة" انطلاقاً من قاعدته في جيانغشي في الجنوب. وفي كانون الثاني 1935 انتخب الحزب الشيوعي قيادة ثلاثية من ماوتسي تونغ وشو إن لاي ووانغ جياشيانغ لقيادة الجيش الأحمر في مسيرته الطويلة نحو الشمال. وأصدر الحزب نداء إلى الشعب الصيني للانضمام إلى المقاومة الوطنية. وتألفت القوات المسلحة المقاومة لليابانيين فبلغت في سنة 1936 أحد عشر فيلقاً وفرقة واحدة.
وفي 12 ـ 12 ـ 1936 رفضت قوات جيش الكيومنتانغ الشمالية الشرقية أوامر تشيانغ كاي شيك بتطويق القوات الشيوعية ، واعتقلته في شيان وطلبت منه ايقاف الحرب الأهلية والتعاون مع الشيوعيين في مقاومة اليابان ، كشرط لإطلاق سراحه. استجاب تشيانغ كاي شيك لشرط معتقليه. وقاد شو إن لاي وفداً للتفاوض معه على الوحدة الوطنية. وبذلك انتهت الحرب الأهلية التي دامت عشر سنوات ونيف. وبدأت المقاومة الوطنية للاحتلال الياباني التي استمرت حتى استسلام اليابان في آب 1945. وفي 24 ـ 4 ـ 1945عقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره القومي السابع في يانان ، بعد أن بلغ عدد أعضائه (000,012,1) عضو. وانتخب ماوتسي تونغ رئيساً للجنة التنفيذية للحزب. ومع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية والدعم الأمريكي لشيانغ كاي شيك بدأت حرب أهلية جديدة في الصين في صراع على السلطة بين الحزب الشيوعي وحزب الكيومنتانغ.

ليست هناك تعليقات: