الاثنين، 8 أكتوبر 2007

الإسلام في بلاد التنين.. مسجد هوايشينغ في مدينة قوانغشو

صحيفة الوقت البحرينية
عندما كانت التبادلات الاقتصادية والثقافية بين الصين وبلاد العرب في أوج ازدهارها في عهد أسرة تانغ (618-907)، توارد عدد كبير من التجار العرب إلى مدينة قوانغتشو (إحدى المدن الساحلية في الصين وأبرز موانئها) مرورا بالخليج العربي وخليج البنغال ومضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي وكان من ضمنهم جماعة استوطنوا هذه المدينة فبنوا فيها مساجد لأداء الصلاة ومعالجة شؤونهم المتعلقة بالدين والعبادات.
ويعتقد أن مسجد هوايشينغ - المسمى أيضا ''مسجد قوانغتا'' (أي المنارة) لفخامة منارته - هو من المساجد التي تم بناؤها على أيدي الجاليات العربية الإسلامية آنذاك. ولكن الرواية التي سبق ذكرها في صدر الكتاب تقول إنه شيد على يد الصحابي الجليل سعد ابن أبي وقاص الذي جاء إلى الصين لنشر الإسلام بأمر من النبي. إن هذه الكتابات العربية سليمة ومتماسكة لغويا. فمن المحتمل أن تكون من كتابات أحد المسلمين العرب الذين استوطنوا مدينة قوانغتشو في وقت مبكر. ولكن ليس هناك سبيل إلى معرفة الزمن الذي نقشت فيه هذه الكتابات غير المؤرخة. ومع ذلك فإن كلمات ''ثم جدده المتأخرون مرة بعد مرة'' الواردة في الكتابات توحي إلينا بأنها كتبت بعد زمن طويل من بناء المسجد. أما الصحابي سعد بن أبي وقاص الوارد في الرواية، فبالإضافة إلى ورود ذكره في الكتابات العربية المنقوشة ما يزال ضريحه قائما على مقربة من جسر ليوهوا في ضواحي قوانغتشو. وجرت العادة على تسميته ''ضريح الحكيم المرحوم'' تعظيما لشأن صاحبه.
إن ''تاريخ تينغ'' الذي ألفه يوه كه هو أول كتاب صيني ذكر فيه مسجد هوايشنغ. وقد بدأ المؤلف يدون ذكرياته في العاشرة من عمره (أي في 1192) قائلا ''في المسجد منارة، ارتفاعها عشرات الأمتار. وكل ما نقش عليها كتابات غربية'' دون أن يشير إلى تاريخ بنائه. وبعد 14 عاماً من ذلك (أي في 1206) تم للشاعر فانغ شين رو تأليف ديوان شعر بعنوان ''مئة أنشودة لبحر الصين الجنوبي'' وبين دفتيه قصيدة بعنوان ''تمجيد المنارة الأجنبية'' قاصداً المسجد ذاته. هناك فريق من المؤرخين رأوا أن المكان الذي كان ذلك المسلم الصيني يؤم فيه المصلين بتعيين من الإمبراطور الصيني هو سلف مسجد هوايشنغ على الأرجح، وان كانت المنارة غير مذكورة في كتاب ''رحلة سليمان'' الذي تم تأليفه في القرن التاسع. وهؤلاء المؤرخون لا يعتبرونها دليلا يؤكد وجود المسجد أو عدم وجوده، ذلك أنها لا تؤثر في كيان المسجد أبدا سواء أكانت موجودة أم غير موجودة. اذ يمكن اعتبار المسجد قائما بمجرد قيام مبناه الرئيس (قاعة الصلاة. أما المنارة) وهي مبنى جانبي للمسجد، فيجوز بناؤها خلال بناء قاعة الصلاة، ويجوز بناؤها بعد ذلك بفترة من الزمن. وفيما يختص بتسمية المسجد يشير كتاب ''فصول تانغ الستة'' إلى أنه ''بني على يد الجنرال هواي شنغ، فأطلق عليه اسمه''، بينما تفيدنا المنقوشات على ''نصب تجديد بناس المسجد'' أنه ''سمي بذلك (أي هوايشنغ وهي تحمل معنى الحنين إلى النبي) تعبيرا عن الحنين إلى النبي عليه الصلاة والسلام''. وتعد المقولة الثانية مما يتفق عليه المؤرخون عموما. ذلك أن المسلمين العرب الذين استوطنوا مدينة قوانغتشو في فجر الإسلام إما أن يكونوا قد نشأوا في عهد ليس بعيدا عن عهد النبي (ص)، وإما أن يكونوا قد سبق لهم أن اهتدوا إلى الإسلام على يده مباشرة. فبعد أن هاجروا إلى الصين، لم يستطيعوا كبح جماح حنينهم إلى النبي (ص). وقد دمر المسجد في 1343 في عهد تشنتشنغ لأسرة يوان، وغدت مبانيه أنقاضا. فليس هناك سبيل إلى معرفة ملامحه الأصلية. أما قاعة الصلاة المعاد بناؤها في ,1350 فقد تلاشت هي الأخرى في الثلاثينات من القرن الماضي. تتجلى قيمة مسجد هوايشونغ في عراقة تاريخه وضخامة بنائه المتميز بأسلوب العمارة العربي: منارة أسطوانية الشكل، ترتفع 36 مترا عن الأرض.. وتبدو كأنها شعلة تناطح السحاب، لأنها تتكون من جزءين، الجزء الأعلى يمثل فتيل الشعلة، ونظيره الأسفل يمثل بدنها. أما جدرانها المبنية من الطوب فتتكون من طبقتي داخلية وخارجية، حشر بينهما التراب لتقوية الجدران. وفي جوف المنارة سلمان لولبيان، لا يتشابك أحدهما مع الآخر، وكل منهما 154 درجة. وهناك نافذة صغيرة على جدران المنارة بعد كل عدة درجات محددة، تصلح لتسرب الضوء إلى الداخل. ولو صعدت إلى قمة المنارة، للفت نظرك معالم مدينة قوانتشو كلها. وتختلف المنارة عن الباغودات الشائعة في الصين اختلافا تاما من حيث شكلها وتركيبها على حد سواء. فيمكن القول بأنها منارة مبنية على الطراز الإسلامية البحت.

ليست هناك تعليقات: