الخميس، 25 أكتوبر 2007

كيف يمكن إصلاح العلاقات الألمانية مع بكين وموسكو؟

صحيفة العرب أون لاين
سمير عواد
هناك فرق واسع فى نهج السياسة الخارجية بين المستشار الاشتراكى السابق غيرهارد شرودر والمستشارة الحالية زعيمة الحزب المسيحى الديمقراطى أنجيلا ميركل. فحين كان الأول يفضل إقامة علاقة وطيدة مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين وعدم التردد فى وصف بوتين بالديمقراطى حتى بعد الانتخابات المفبركة التى جرت حينها فى الشيشان. وحينما عاد فى عام 2004 من زيارة إلى الصين حيث تم الاتفاق على مضاعفة حجم التجارة بين ألمانيا والصين حتى عام 2010 إلى مئة مليار يورو، بذل جهدا كى يقوم الاتحاد الأوروبى برفع حظر بيع السلاح إلى الصين. فإن أنجيلا ميركل تعمدت العمل بسياسة متشددة مع موسكو وبكين، وتستغل ورقة حقوق الإنسان ضمن نهجها المتشدد مع هذين البلدين. لكن هذا لا يعجب الكثير فى ألمانيا خاصة رجال الاقتصاد.
زارت ميركل موسكو بعد وقت قصير على استلامها منصبها فى نهاية عام 2005 واجتمعت مع بوتين. وفى مقر السفارة الألمانية اجتمعت مع منتقديه حيث شجعتهم على المساهمة فى إعادة الحياة إلى روسيا. وبعد أربعة أسابيع على زيارتها إلى بكين قامت فى نهاية سبتمبر الماضى باستقبال الدالاى لاما الذى تعتبره بكين زعيم المتمردين فى إقليم التيبت.
يجرى فى برلين الآن مراجعة النتائج السياسية للنهج الجديد للسياسة الخارجية الألمانية. فقد وصل الرئيس بوتين متأخرا بساعتين إلى مدينة فيزبادن للاجتماع مع ميركل. وفى المؤتمر الصحفى المشترك كان واضحا وجود اختلافات بالرأى حول كثير من القضايا بينها النزاع مع إيران.
تعرب الصين فى كل مناسبة عن غضبها لأن ميركل استقبلت الدالاى لاما وألغى الصينيون لقاءات مقررة مع مسؤولين ألمان كبار بينها اللقاء التقليدى على الفطور بين وزيرى الخارجية فى نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال غيرنوت إيرلر وزير الدولة للشؤون الخارجية الذى ينتمى إلى الحزب الاشتراكى الديمقراطي: يستغل الصينيون كل فرصة لإفهامنا أنهم غاضبون. ويقول دبلوماسيون ألمان أن الصينيين سوف يستمرون فى التعبير عن غضبهم على الأقل حتى موعد الانتخابات العامة فى ألمانيا عام 2009.
وقد أدى الشقاق مع القوتين الكبيرتين فى الشرق الأدنى إلى خلاف وسط الائتلاف الحاكم فى ألمانيا الذى يتكون من الاتحاد المسيحى والحزب الاشتراكى الديمقراطي. على طرف يقف مقر المستشارية مقابل وزارة الخارجية وصلب الخلاف طريقة التعامل الأفضل مع روسيا والصين وكما ترى ميركل يكون أفضل لو يجرى الحديث بحدة مع الدول الاستبدادية. ميركل وشتاينماير يعتبران روسيا والصين شريكان فى الحوار لحل مشكلات دولية. إذ لا يمكن وضع حل لإقليم كوسوفو أو النزاع النووى مع إيران بدون القوتين حيث كل منهما تحوز على حق النقض"فيتو" فى مجلس الأمن الدولي. كما تعرف برلين أن الصين القوة الوحيدة فى العالم التى تستطيع التأثير على الأنظمة المستبدة فى كوريا الشمالية وبورما والسودان. كما أن روسيا أكبر مزود للطاقة لألمانيا ونتيجة التبادل التجارى مع روسيا يؤمن ذلك وظائف عمل كثيرة للألمان.
لكن ماذا سيحصل بعد كل ما جرى؟ وزير الخارجية شتاينماير يدعو إلى إعفاء الصين وروسيا من الانتقادات بينما ميركل تؤيد الحديث مع القوتين الكبيرتين لغة واضحة. ولا تجد ميركل أن الحديث بوضوح يؤثر سلبا على العلاقات لكن شتاينماير لا يتصور أن هذا الأسلوب يجدى نفعا. وتستغل ميركل كل فرصة لتؤكد استمرارية السياسة الخارجية الألمانية. لكن المتابعين للعلاقات الألمانية الروسية يرون أن ميركل تتصرف بنقد تجاه بوتين خلافا لشرودر الذى وصفه بالديمقراطي. يعتقد البعض أن ميركل لا تريد تغيير السياسة الخارجية الألمانية وإنما ترغب فى تحقيق النقاط حين تدعو لحقوق الإنسان. ففى الانتخابات القادمة حين تدافع عن منصبها قد يكون خصمها وزير الخارجية الحالى شتاينماير الذى يجرى التمهيد لصعوده فى الحزب الاشتراكي.
وكانت ميركل قد صرحت عند مجيئها الى السلطة أنها سوف تعير أهمية لسائر دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق وليس روسيا فقط. وكانت هذه إيماءة واضحة بأن برلين لن تعامل موسكو معاملة خاصة بعد نهاية عهد شرودر. وقد قامت ميركل عن قصد بالتراجع عن السياسة التى اتبعها شرودر تجاه الصين وروسيا وفى المستقبل سوف تقوم برلين كما تقول مراجع حكومية بتسليم الحكومات الاستبدادية أسماء ضحايا النظام والتوسط لهم ومتابعة مصائرهم وهذا سوف يؤدى إلى توترات سياسية.
لكن السؤال هل يخدم المصالح الألمانية؟ إن ما تعتبره ميركل خطوة سليمة يراه البعض خطرا خاصة رجال الأعمال الذين يخشون خسارة صفقات كبيرة. فقد صرح يورجين هامبريشت رئيس مجلس إدارة شركة BASF للمنتجات الكيماوية أن استقبال ميركل للدالاى لاما كان خطوة غير موفقة وأضاف أنه ليس من العدل أن نتعامل مع الصينيين بهذه الطريقة. وقال نائبه إيجرت فوشيراو منتقدا سياستها تجاه روسيا: نحن الألمان فتحنا باب التعاون وغيرنا دخلوه. أما البروفيسور إيبرهارد ساند شنايدر مدير مركز الأبحاث فى الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية فإنه يحمل ميركل مسؤولية توتر علاقات ألمانيا مع الصين وروسيا.
ويشكو الاقتصاد الألمانى على وجه الخصوص من سوء معاملة روسيا ويرى كثير من رجال الأعمال أنه نتيجة عدم الاهتمام بالشريك الروسى تفوز شركات أوروبية بعقود كبيرة. حينما أشاد كلاوس مانغولد رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية مع الشرق بحجم الاستثمارات الألمانية فى روسيا البالغ سبعة مليارات يورو التفت بوتين إلى ميركل وقال لها انه ليس بوسعها الشعور بالفخر تجاه هذا الحجم لأن شركة أوروبية واحدة تستطيع تحقيقه فى عام واحد. وكان بوتين يقصد شركة الطاقة الإيطالية Enel . وآخرون يستفيدون أيضا. فى أكتوبر العام الماضى اقترح بوتين على ميركل حين زار دريزدن أن تقوم ألمانيا ببناء مستودع للغاز لكنها رفضت لأنه كان أهم بالنسبة إليها التضامن مع موقف أوروبا فى النزاع مع روسيا حول الطاقة وأرادت تجنب الدخول فى اتفاق منفرد مع بوتين كما كان يفعل شرودر. فى النهاية حصلت النمسا على المشروع. وراء الكواليس يشجع شرودر وزير الخارجية شتاينماير على عدم انتقاد بوتين كما يحبذ شتاينماير تنفيذ المشروع الذى اقترحه شرودر وبوتين فى الجمع بين التقنية الألمانية وثروة الطاقة الهائلة الروسية. ويتعين على شتاينماير العناية بسياسة الطاقة والتعاون مع روسيا لأن ألمانيا سوف تعتمد على الطاقة الروسية فى القرون القادمة. فى نفس الوقت يجرى البحث عن مصدرين للطاقة فى شمال إفريقيا ووسط آسيا وفى الخليج.
نسبة 82 بالمئة من الألمان يؤيدون قرار ميركل استقبالها الزعيم التيبيتى فى المستشارية. لكن وراء أبواب موصدة فى برلين يجرى مناقشة التوتر مع بكين وموسكو. ويحمل دبلوماسى عالى المستوى المستشارة ميركل المسؤولية إذا خسرت ألمانيا الشريك الروسي. من بين القلائل فى صفها:غونتر نوك مفوض الحكومة الألمانية لحقوق الإنسان بوزارة الخارجية الألمانية. إذ أنه ينحدر مثلها من ألمانيا الشرقية السابقة وينتمى إلى حزبها كما يؤيد تقاربها من الرئيس الأمريكي. وهذا ليس غريبا فقبل مدة وجيزة تساءل نوك عما إذا يجرى خرق حقوق الإنسان فى غوانتانامو!

ليست هناك تعليقات: