صحيفة الوقت البحرانية
محمد نعمان جلال
لقد عقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره السابع عشر في 18- 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2007م، وهو المؤتمر الذي يعقد كل خمس سنوات ويضع السياسة العامة للدولة ويحدد توجهاتها وينتخب قيادات الدولة للسنوات الخمس القادمة.
ولقد أصبح اجتماع هذا المؤتمر منتظماً منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح العام ,1978 وأصبحت قراراته هي التي تعبر عن التوجهات الخاصة بكل مرحلة من مراحل تطور النظام الصيني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وإيديولوجيا.
وافتتح الرئيس الصيني سياسياً ''خو جنتاو'' المؤتمر ببيان عرض فيه خططه للمستقبل وقدم تقييماً لعملية الإصلاح والانجازات والأخطاء في الفترة السابقة وطالب بوجه خاص بمقاومة الفساد وتعزيز الإصلاح.
وبعيداً عن تفاصيل مداولات المؤتمر فإنه يمكننا القول أن أبرز النتائج التي تمخض عنها المؤتمر، تتمثل في الآتي:
الأولى: الدعوة لتوسيع نطاق الديمقراطية الاشتراكية دون أن يعني هذا الأخذ بديمقراطية غربية وهذا على غرار الشعار (الاشتراكية بخصائص صينية) فهذا يمثل توليفة خاصة بين الفكر الديمقراطي الغربي وبين الفكر الصيني التقليدي والفكر والممارسة الشيوعية.
الثانية: قرر مؤتمر الحزب التركيز على التطور العلمي والتكنولوجي وأدخل ذلك في دستور الحزب لكي تكون هذه الإضافة هي التراث الباقي للرئيس خو جنتاو، وعلى غرار تراث الرئيس جيانج تزمين في إدخال القوى الوطنية الرأسمالية والزعيم دنج سياو بنج في إدخال الانفتاح والإصلاح وغيره من السياسات الجديدة.
الثالثة: انتخاب القيادات الجديدة للمكتب السياسي واللجنة الدائمة له وللجنة المركزية للحزب وهي المؤسسات الرئيسة التي تضطلع بمهام الحزب في فترة ما بين دورات الانعقاد الخماسية.
الرابعة: إعادة انتخاب قيادات الدولة بمعنى الحكومة والوزراء وأجهزة الدولة المختلفة. ولنا أن نتساءل عن دلالات نتائج وقرارات المؤتمر السابع عشر للحزب، والتي يمكن أن نذكر أن أهمها ما يلي:
الدلالة الأولى: هي استقرار النظام السياسي الصيني نتيجة مجموعة من العوامل في مقدمتها التقدم الاقتصادي المذهل في السنوات السابقة، وكذلك نتيجة القبضة السياسية والأمنية الحازمة للدولة التي لا تسمح بالعبث بمقدرات الدولة وأمنها أو حدوث أية انشقاقات قومية أو إقليمية أو نحو ذلك.
الدلالة الثانية: إن الرئيس الصيني خو جنتاو قد أصبح متمكناً في موقعه وفي قيادته بعد أن تمرس كنائب للرئيس ثم كرئيس لمدة 5 سنوات. ولذلك أجرى التغييرات القيادية بما يعزز مكانته بتصعيد عدد من معاونيه واستبعاد معارضيه ومنهم من كان له دور واضح وذو ثقل إبان حكمة سلفه الرئيس جيانج زي مين.
الدلالة الثالثة: إن نظام الحزب الصيني القائم على تربية وبناء الكوادر أثبت نجاحاً إذ أمكن للحزب أن يقدم سلسلة من قيادات الأجيال وهو بعد الآن قيادات الجيل الخامس في الصين المعاصرة ومن ثم فإن الحزب يسعى لتجنب ذلك المأزق الذي واجهه الحزب الشيوعي السوفيتي عندما حدث ترهل في القيادات وجمودها فكرياً وثقافياً ومذهبياً وأيضاً صحياً. فقد حرص الحزب على استبعاد كل من تجاوز سن السبعين عاماً ثم هبط بالحد الأقصى إلى 65 عاماً في هذه الدورة، وهذا يعنى أن قيادات الحزب والدولة أصبحت تتجدد ليتيح بذلك الفرصة أمام الشباب ويفتح طريق الأمل. ويمكن إدراك هذه الحقيقة ودلالاتها من مقارنة قيادات الحزب الآن وقياداته وقيادات الدولة في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
الدلالة الرابعة: إن الصين نجحت في عملية الفصل بين دور القيادات العسكرية والقيادات السياسية، حقاً إن الرئيس الصيني يرأس المجموعتين، ولكن من ناحية أخرى أصبح العسكريون متفرغين لمهامهم العسكرية ولا يتدخلون في السياسة إلا في حدود مهامهم واختصاصاتهم، وأصبحت القيادة السياسية، للحزب هي صاحبة القرار النهائي وهذا التقليد يضاهي ما يحدث في الدول الديمقراطية، ومن ثم فإن الصين كدولة لا تنتمي من هذه الزاوية لمجموعة الدول النامية التي يتطلع العسكريون للانقلاب على السلطة السياسية. أو حتى يفرضون مواقفهم من وراء ستار ويتركون الواجهة للمؤسسات المدنية. إن ما يحدث في الصين يماثل ما هو حادث في الهند أو في الدول الغربية من حيث الانضباط العسكري. وهذا ما يحقق استقرار النظام السياسي ومؤسساته كما أنه يضمن تحقق الأمن الوطني من قبل المحترفين والمتخصصين فيه مما يرفع من كفاءتهم ويزيد من تركيزهم على مهامهم.
الدلالة الخامسة: إن الصين لم تقع في الممارسة الخاطئة لبعض الدول النامية للالتجاء إلى أساتذة الجامعات وتعيينهم وزراء وهم الذين مهمتهم تربية الأجيال وتقديم الفكر وتطوير البحث العلمي وليس ممارسة شؤون الحكم وإدارة الدولة وقد ثبت من عملية الخلط هذه إخفاق أصحاب الفكر النظري عند الممارسة العملية، كما ثبت إخفاق أصحاب القوة العسكرية عند ممارستهم السياسة فلكل مجاله. ولكن الصين من ناحية أخرى أصبحت تستبعد بصفة سريعة من الإدارة السياسية الشخصيات المدنية الفاسدة أو الانتهازية أو العاجزة عن الإنجاز وهذا أيضاً يمثل درساً للدول النامية يمكنها الاستفادة منه.
الدلالة السادسة: هي إيمان الصين بمبدأ التغير في السياسات وفي القيادات، هذا التغير هو سر تقدم المجتمعات الغربية، وهو سر تقدم دول النمور الآسيوية، وفي مقدمتها الصين، وهذا بدوره يمثل عبرة للدول النامية، فالحياة متغيرة والجمود مناهض للحياة وإدعاء الاستقرار يتعارض مع طبيعة هذه الحياة المتغيرة، وهناك فارق جوهري بين التغير والاستقرار وبين دعوات الفوضى وعدم الانضباط. فحالة الانفلات في بعض الدول النامية من قوى ما يسمى بالمجتمع المدني أو القوى الحزبية أو حالة الثبات والاستقرار الجامد في أي نظام سياسي هي أحسن وصفة للتدهور والانحلال والتخلف.
تلك بعض نتائج ودلالات المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني وهذا ما يجعل الدولة الصينية نموذجاً يمكن الاستفادة منه في الكثير من الدول النامية.
محمد نعمان جلال
لقد عقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره السابع عشر في 18- 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2007م، وهو المؤتمر الذي يعقد كل خمس سنوات ويضع السياسة العامة للدولة ويحدد توجهاتها وينتخب قيادات الدولة للسنوات الخمس القادمة.
ولقد أصبح اجتماع هذا المؤتمر منتظماً منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح العام ,1978 وأصبحت قراراته هي التي تعبر عن التوجهات الخاصة بكل مرحلة من مراحل تطور النظام الصيني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وإيديولوجيا.
وافتتح الرئيس الصيني سياسياً ''خو جنتاو'' المؤتمر ببيان عرض فيه خططه للمستقبل وقدم تقييماً لعملية الإصلاح والانجازات والأخطاء في الفترة السابقة وطالب بوجه خاص بمقاومة الفساد وتعزيز الإصلاح.
وبعيداً عن تفاصيل مداولات المؤتمر فإنه يمكننا القول أن أبرز النتائج التي تمخض عنها المؤتمر، تتمثل في الآتي:
الأولى: الدعوة لتوسيع نطاق الديمقراطية الاشتراكية دون أن يعني هذا الأخذ بديمقراطية غربية وهذا على غرار الشعار (الاشتراكية بخصائص صينية) فهذا يمثل توليفة خاصة بين الفكر الديمقراطي الغربي وبين الفكر الصيني التقليدي والفكر والممارسة الشيوعية.
الثانية: قرر مؤتمر الحزب التركيز على التطور العلمي والتكنولوجي وأدخل ذلك في دستور الحزب لكي تكون هذه الإضافة هي التراث الباقي للرئيس خو جنتاو، وعلى غرار تراث الرئيس جيانج تزمين في إدخال القوى الوطنية الرأسمالية والزعيم دنج سياو بنج في إدخال الانفتاح والإصلاح وغيره من السياسات الجديدة.
الثالثة: انتخاب القيادات الجديدة للمكتب السياسي واللجنة الدائمة له وللجنة المركزية للحزب وهي المؤسسات الرئيسة التي تضطلع بمهام الحزب في فترة ما بين دورات الانعقاد الخماسية.
الرابعة: إعادة انتخاب قيادات الدولة بمعنى الحكومة والوزراء وأجهزة الدولة المختلفة. ولنا أن نتساءل عن دلالات نتائج وقرارات المؤتمر السابع عشر للحزب، والتي يمكن أن نذكر أن أهمها ما يلي:
الدلالة الأولى: هي استقرار النظام السياسي الصيني نتيجة مجموعة من العوامل في مقدمتها التقدم الاقتصادي المذهل في السنوات السابقة، وكذلك نتيجة القبضة السياسية والأمنية الحازمة للدولة التي لا تسمح بالعبث بمقدرات الدولة وأمنها أو حدوث أية انشقاقات قومية أو إقليمية أو نحو ذلك.
الدلالة الثانية: إن الرئيس الصيني خو جنتاو قد أصبح متمكناً في موقعه وفي قيادته بعد أن تمرس كنائب للرئيس ثم كرئيس لمدة 5 سنوات. ولذلك أجرى التغييرات القيادية بما يعزز مكانته بتصعيد عدد من معاونيه واستبعاد معارضيه ومنهم من كان له دور واضح وذو ثقل إبان حكمة سلفه الرئيس جيانج زي مين.
الدلالة الثالثة: إن نظام الحزب الصيني القائم على تربية وبناء الكوادر أثبت نجاحاً إذ أمكن للحزب أن يقدم سلسلة من قيادات الأجيال وهو بعد الآن قيادات الجيل الخامس في الصين المعاصرة ومن ثم فإن الحزب يسعى لتجنب ذلك المأزق الذي واجهه الحزب الشيوعي السوفيتي عندما حدث ترهل في القيادات وجمودها فكرياً وثقافياً ومذهبياً وأيضاً صحياً. فقد حرص الحزب على استبعاد كل من تجاوز سن السبعين عاماً ثم هبط بالحد الأقصى إلى 65 عاماً في هذه الدورة، وهذا يعنى أن قيادات الحزب والدولة أصبحت تتجدد ليتيح بذلك الفرصة أمام الشباب ويفتح طريق الأمل. ويمكن إدراك هذه الحقيقة ودلالاتها من مقارنة قيادات الحزب الآن وقياداته وقيادات الدولة في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
الدلالة الرابعة: إن الصين نجحت في عملية الفصل بين دور القيادات العسكرية والقيادات السياسية، حقاً إن الرئيس الصيني يرأس المجموعتين، ولكن من ناحية أخرى أصبح العسكريون متفرغين لمهامهم العسكرية ولا يتدخلون في السياسة إلا في حدود مهامهم واختصاصاتهم، وأصبحت القيادة السياسية، للحزب هي صاحبة القرار النهائي وهذا التقليد يضاهي ما يحدث في الدول الديمقراطية، ومن ثم فإن الصين كدولة لا تنتمي من هذه الزاوية لمجموعة الدول النامية التي يتطلع العسكريون للانقلاب على السلطة السياسية. أو حتى يفرضون مواقفهم من وراء ستار ويتركون الواجهة للمؤسسات المدنية. إن ما يحدث في الصين يماثل ما هو حادث في الهند أو في الدول الغربية من حيث الانضباط العسكري. وهذا ما يحقق استقرار النظام السياسي ومؤسساته كما أنه يضمن تحقق الأمن الوطني من قبل المحترفين والمتخصصين فيه مما يرفع من كفاءتهم ويزيد من تركيزهم على مهامهم.
الدلالة الخامسة: إن الصين لم تقع في الممارسة الخاطئة لبعض الدول النامية للالتجاء إلى أساتذة الجامعات وتعيينهم وزراء وهم الذين مهمتهم تربية الأجيال وتقديم الفكر وتطوير البحث العلمي وليس ممارسة شؤون الحكم وإدارة الدولة وقد ثبت من عملية الخلط هذه إخفاق أصحاب الفكر النظري عند الممارسة العملية، كما ثبت إخفاق أصحاب القوة العسكرية عند ممارستهم السياسة فلكل مجاله. ولكن الصين من ناحية أخرى أصبحت تستبعد بصفة سريعة من الإدارة السياسية الشخصيات المدنية الفاسدة أو الانتهازية أو العاجزة عن الإنجاز وهذا أيضاً يمثل درساً للدول النامية يمكنها الاستفادة منه.
الدلالة السادسة: هي إيمان الصين بمبدأ التغير في السياسات وفي القيادات، هذا التغير هو سر تقدم المجتمعات الغربية، وهو سر تقدم دول النمور الآسيوية، وفي مقدمتها الصين، وهذا بدوره يمثل عبرة للدول النامية، فالحياة متغيرة والجمود مناهض للحياة وإدعاء الاستقرار يتعارض مع طبيعة هذه الحياة المتغيرة، وهناك فارق جوهري بين التغير والاستقرار وبين دعوات الفوضى وعدم الانضباط. فحالة الانفلات في بعض الدول النامية من قوى ما يسمى بالمجتمع المدني أو القوى الحزبية أو حالة الثبات والاستقرار الجامد في أي نظام سياسي هي أحسن وصفة للتدهور والانحلال والتخلف.
تلك بعض نتائج ودلالات المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني وهذا ما يجعل الدولة الصينية نموذجاً يمكن الاستفادة منه في الكثير من الدول النامية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق