صحيفة تشرين السورية
د. صياح عزام
يبدو أنّ السودان لم تكفه الحرب بين الشمال والجنوب التي انتهت، ولا الحرب في دارفور التي هي في طريقها إلى النهاية،بل هو يتهيأ لحرب باردة جديدة أو مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة والصين.
إلا أنّها مواجهة ذات طابع اقتصادي، خاصة بعد أن أعلنت الخرطوم عن استعدادها لاستخراج /500/ ألف برميل يومياً من النفط.
وستكون /دارفور/ نقطة البداية في هذه المواجهة، بعد ماكانت الشركات الأميركية قد حُرمت من الامتيازات النفطية في الجنوب والتي كانت من نصيب الصين الشعبية،
ولهذا بدأت الإدارة الأميركية بمحاولات وقف التمدد الصيني، مادفع /بكين/ إلى التصدي لهذه المحاولات.
هذا ومنذ الغزو الأميركي للعراق تشعر الصين أنّ واشنطن بدأت حرباً باردة وصراعاً على النفط في العالم لوضع يدها عليه،ولهذا عمدت بكين إلى مواجهة هذا الأمر بذكاء مقتحمةً مناطق النفوذ الأميركي النفطيّ في إفريقيا الوسطى وتشاد، ودخلت منطقة دارفور خاصة في ظل تزايد الطلب الصيني على النفط لتأمين احتياجات نموها الاقتصادي المتزايد، الأمر الذي مكّن الصين من السيطرة على العديد من المواقع النفطية الهامة في إفريقيا مؤخراً. و يعتقد العديد من المراقبين أن الصين تسيطر هذه الأيام على جزءٍ لا يُستهان به من السوق السودانية، ومما يزيد تمسكها بموقعها النفطي أنها هي التي ساعدت السودان على الاستفادة من نفط جنوب البلاد عبر إيصاله إلى ميناء بور سودان على البحر الأحمر عبر أنبوب نفطي بطول /1600/ كم عام 1999، ليصار إلى تصديره من هناك، ذلك أن الصين دخلت إلى القطاع النفطي السوداني خلال النصف الثاني من التسعينيات من خلال شركة نفطية صينية تملك معظم أسهم الشركة التي تدير أنبوب النفط، إلى جانب امتيازات أخرى في الجنوب ومناطق امتياز واسعة لدرجة أنّ أيّ راغبٍ في الدخول إلى سوق النفط السوداني يجب أن يخضع للتفحص من قبل الصينيين وهذا ما يزعج الشركات الأمريكية التي بقيت بعيدةً عن هذه الوليمة الدسمة بسبب العقوبات التي فرضتها واشنطن على السودان منذ أكثر من عشر سنوات خلت، بزعم أن السودان يدعم الإرهاب.
ومن هنا نستطيع القول: إن الاهتمام الحالي للإدارة الأميركية بمسألة دارفور والادعاء بالحرص على وقف ما سمته «حرب الإبادة» هناك ليست دوافعه إنسانية، بل بدافع الاهتمام بالنفط السوداني. وما القاعدة العسكرية الأميركية الموجودة في /تشاد/ إلا للسيطرة على نفط دارفور، ومزاحمة الصين التي تسعى للحصول على الامتيازات النفطية في دارفور، حيث تنشط شركاتٌ نفطيةٌ أميركيةٌ عملاقة مثل «شيفرون» التي تمتلك حصة فيها /كونداليزا رايس/ وزيرة الخارجية الأمريكية و «اكسون موبيل» حيث قامتا ببناء خط أنابيب لنقل نحو /160/ ألف برميل يومياً من /دوبا/ وسط /تشاد/ إلى ساحل /الكاميرون/، حيث يجري نقله من هناك إلى المصافي الإميركية. وهاتان الشركتان الأمريكيتان لهما صلة وطيدة مع الرئيس التشادي /إدريس ديبي/ الذي اتهم بنقل أسلحة لمتمردي دارفور. ومن المعروف أن واشنطن بدأت تغذي الصراع في دارفور منذ اكتشاف النفط فيها؛ تلك الصراعات التي أدت إلى موت عشرات الألوف، وهروب مئات الألوف الأخرى من المنطقة، وهي الآن، أي واشنطن، تدس أنفها في مسألة دارفور تحت ستار وقف ما تسميه بحملات الإبادة الجماعية، علماً بأن مشكلة دارفور هي مشكلة صراع بين بعض القبائل على مناطق الرعي يمكن حلّها داخلياً لولا التدخلات الخارجية من هنا وهناك. ومما يلفت النظر أن الحملة الأمريكية حول الإبادة الجماعية في دارفور بدأت مع بدء العمل في خط أنابيب /تشاد ـ الكاميرون/ الذي أقامته الشركتان الأمريكيتان «شيفرون» و «اكسون موبيل» وهذا أمر مستغرب فعلاً وله مدلولاته...!.
وكادت الولايات المتحدة أن تسيطر على آبار النفط الجنوبية عبر صديقها القديم «جون غارانغ» والحديث عن الحكومة الجنوبية، إلا أن مقتله بدد آمالها في ذلك.
وفيما يتعلق بنفط السودان، بدأت حكايته عام 1979 عندما دعا الرئيس السوداني في ذلك الوقت /جعفر النميري/ شركة «شيفرون» الأميركية إلى تطوير حقول النفط في بلاده، فصرفت 2،1 مليار دولار أميركي على أعمال التنقيب والاختبار، حيث حفرت /90/ بئراً، ثلاثون منها كانت منتجة وواعدة، إلا أن أسباباً أمنية وسياسية واقتصادية جعلتها تجمد نشاطها وتخرج من السودان عام /1984/ ومما يجدر ذكره أن شركة «شيفرون» هذه اكتشفت كميات هائلة من النفط في جنوب السودان؛ ذلك النفط الذي حرك وأشعل فتيل نار الحرب الأهلية الثانية عام 1983//.. وقد تعرضت هذه الشركة لهجمات من الشعب، ولوحق موظفوها، الأمر الذي أجبرها على تعليق أعمالها. وفي عام 1992 قامت حكومة السودان ببيع امتيازات النفط التي باشرت بتطوير الحقول التي تركتها «شيفرون» وكانت النتائج مثمرة، ولكن «شيفرون» على أية حال ليست ببعيدة عن دارفور من خلال وجودها ـ كما أشرنا ـ في /تشاد/ المجاورة لدارفور، حيث بنت مع شركة «اكسون موبيل» خطاً لنقل النفط بكلفة 7،3 مليار دولار لنقل واستجرار /160/ ألف برميل يومياً من دوبا وسط تشاد وعبر الكاميرون إلى ميناء «كريبي» على المحيط الأطلسي، لنقله لاحقاً إلى أميركا.
أما ما يتعلق بالصين فإنها تشتري حالياً ثلثي كميات النفط الذي تنتجه السودان كما تعتبر أكبر جهة استثمارية في البلاد، وتحصل الصين على 8% من النفط الخام الذي تستهلكه السودان، حيث حلت بالتعاون مع /ماليزيا/ محل الدول الغربية بمساعدة السودان في التحول إلى منتج مهم للخام. ومما يجدر ذكره أن الصين استثمرت في السودان منذ عام 1999 ما لا يقل عن /15/ مليار دولار ،أو قامت شركات صينية عملاقة في ذلك العام ببناء مصفاة بترول قرب العاصمة /الخرطوم/ تمتلكها هذه الشركات بشكل مشترك مع الحكومة السودانية.
كما يقوم البلدان ببناء خط أنابيب لنقل النفط على مسافة 1500 كم إلى ميناء /بورت سودان/ على البحر الأحمر، ومن هناك ستنقله ناقلات النفط العملاقة إلى الصين.
هذا وتصف الحكومة السودانية الصين بأنها شريك وحليف استراتيجي خاصة أنها عضوأساسي في مجلس الأمن وتملك حق النقض «الفيتو» في هذا المجلس. وبدورها تزود الصين السودان بالذخيرة وبمختلف أنواع الأسلحة من دبابات وطائرات مقاتلة ومروحية وغير ذلك وتعتبر شركة «بكين» الوطنية للنفط من أكبر المستثمرين في السودان، وتقدر استثماراتها بنحو /5/ مليارات دولار وهي الآن تملك 50% من مصفاة النفط القريبة من الخرطوم مناصفة مع الحكومة السودانية.
وقامت شركة بكين الوطنية ببناء أنبوب نفط من مكان استثماراتها في جنوب السودان إلى الميناء على البحر الأحمر حيث ينقل النفط من هناك إلى المرافئ الصينية وهكذا يتضح مما تقدم أن الولايات المتحدة تعمل من خلال تضخيمها لأزمة دارفور، والادعاء بأنها تسعى إلى التدخل فيها لدوافع إنسانية ومن أجل المساعدة، بهدف الدخول على خط النفط السوداني ومزاحمة الصين في هذا المجال، وبهذا يكون تدخلها من أجل مصالحها الخاصة، وليست لمساعدة السودان ولو أن مسألة «دارفور» تركت للسودان نفسه ودون تدخل لكانت قد حلت وانتهت منذ عدة سنوات إلا أن النفخ فيها لم ينقطع...
د. صياح عزام
يبدو أنّ السودان لم تكفه الحرب بين الشمال والجنوب التي انتهت، ولا الحرب في دارفور التي هي في طريقها إلى النهاية،بل هو يتهيأ لحرب باردة جديدة أو مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة والصين.
إلا أنّها مواجهة ذات طابع اقتصادي، خاصة بعد أن أعلنت الخرطوم عن استعدادها لاستخراج /500/ ألف برميل يومياً من النفط.
وستكون /دارفور/ نقطة البداية في هذه المواجهة، بعد ماكانت الشركات الأميركية قد حُرمت من الامتيازات النفطية في الجنوب والتي كانت من نصيب الصين الشعبية،
ولهذا بدأت الإدارة الأميركية بمحاولات وقف التمدد الصيني، مادفع /بكين/ إلى التصدي لهذه المحاولات.
هذا ومنذ الغزو الأميركي للعراق تشعر الصين أنّ واشنطن بدأت حرباً باردة وصراعاً على النفط في العالم لوضع يدها عليه،ولهذا عمدت بكين إلى مواجهة هذا الأمر بذكاء مقتحمةً مناطق النفوذ الأميركي النفطيّ في إفريقيا الوسطى وتشاد، ودخلت منطقة دارفور خاصة في ظل تزايد الطلب الصيني على النفط لتأمين احتياجات نموها الاقتصادي المتزايد، الأمر الذي مكّن الصين من السيطرة على العديد من المواقع النفطية الهامة في إفريقيا مؤخراً. و يعتقد العديد من المراقبين أن الصين تسيطر هذه الأيام على جزءٍ لا يُستهان به من السوق السودانية، ومما يزيد تمسكها بموقعها النفطي أنها هي التي ساعدت السودان على الاستفادة من نفط جنوب البلاد عبر إيصاله إلى ميناء بور سودان على البحر الأحمر عبر أنبوب نفطي بطول /1600/ كم عام 1999، ليصار إلى تصديره من هناك، ذلك أن الصين دخلت إلى القطاع النفطي السوداني خلال النصف الثاني من التسعينيات من خلال شركة نفطية صينية تملك معظم أسهم الشركة التي تدير أنبوب النفط، إلى جانب امتيازات أخرى في الجنوب ومناطق امتياز واسعة لدرجة أنّ أيّ راغبٍ في الدخول إلى سوق النفط السوداني يجب أن يخضع للتفحص من قبل الصينيين وهذا ما يزعج الشركات الأمريكية التي بقيت بعيدةً عن هذه الوليمة الدسمة بسبب العقوبات التي فرضتها واشنطن على السودان منذ أكثر من عشر سنوات خلت، بزعم أن السودان يدعم الإرهاب.
ومن هنا نستطيع القول: إن الاهتمام الحالي للإدارة الأميركية بمسألة دارفور والادعاء بالحرص على وقف ما سمته «حرب الإبادة» هناك ليست دوافعه إنسانية، بل بدافع الاهتمام بالنفط السوداني. وما القاعدة العسكرية الأميركية الموجودة في /تشاد/ إلا للسيطرة على نفط دارفور، ومزاحمة الصين التي تسعى للحصول على الامتيازات النفطية في دارفور، حيث تنشط شركاتٌ نفطيةٌ أميركيةٌ عملاقة مثل «شيفرون» التي تمتلك حصة فيها /كونداليزا رايس/ وزيرة الخارجية الأمريكية و «اكسون موبيل» حيث قامتا ببناء خط أنابيب لنقل نحو /160/ ألف برميل يومياً من /دوبا/ وسط /تشاد/ إلى ساحل /الكاميرون/، حيث يجري نقله من هناك إلى المصافي الإميركية. وهاتان الشركتان الأمريكيتان لهما صلة وطيدة مع الرئيس التشادي /إدريس ديبي/ الذي اتهم بنقل أسلحة لمتمردي دارفور. ومن المعروف أن واشنطن بدأت تغذي الصراع في دارفور منذ اكتشاف النفط فيها؛ تلك الصراعات التي أدت إلى موت عشرات الألوف، وهروب مئات الألوف الأخرى من المنطقة، وهي الآن، أي واشنطن، تدس أنفها في مسألة دارفور تحت ستار وقف ما تسميه بحملات الإبادة الجماعية، علماً بأن مشكلة دارفور هي مشكلة صراع بين بعض القبائل على مناطق الرعي يمكن حلّها داخلياً لولا التدخلات الخارجية من هنا وهناك. ومما يلفت النظر أن الحملة الأمريكية حول الإبادة الجماعية في دارفور بدأت مع بدء العمل في خط أنابيب /تشاد ـ الكاميرون/ الذي أقامته الشركتان الأمريكيتان «شيفرون» و «اكسون موبيل» وهذا أمر مستغرب فعلاً وله مدلولاته...!.
وكادت الولايات المتحدة أن تسيطر على آبار النفط الجنوبية عبر صديقها القديم «جون غارانغ» والحديث عن الحكومة الجنوبية، إلا أن مقتله بدد آمالها في ذلك.
وفيما يتعلق بنفط السودان، بدأت حكايته عام 1979 عندما دعا الرئيس السوداني في ذلك الوقت /جعفر النميري/ شركة «شيفرون» الأميركية إلى تطوير حقول النفط في بلاده، فصرفت 2،1 مليار دولار أميركي على أعمال التنقيب والاختبار، حيث حفرت /90/ بئراً، ثلاثون منها كانت منتجة وواعدة، إلا أن أسباباً أمنية وسياسية واقتصادية جعلتها تجمد نشاطها وتخرج من السودان عام /1984/ ومما يجدر ذكره أن شركة «شيفرون» هذه اكتشفت كميات هائلة من النفط في جنوب السودان؛ ذلك النفط الذي حرك وأشعل فتيل نار الحرب الأهلية الثانية عام 1983//.. وقد تعرضت هذه الشركة لهجمات من الشعب، ولوحق موظفوها، الأمر الذي أجبرها على تعليق أعمالها. وفي عام 1992 قامت حكومة السودان ببيع امتيازات النفط التي باشرت بتطوير الحقول التي تركتها «شيفرون» وكانت النتائج مثمرة، ولكن «شيفرون» على أية حال ليست ببعيدة عن دارفور من خلال وجودها ـ كما أشرنا ـ في /تشاد/ المجاورة لدارفور، حيث بنت مع شركة «اكسون موبيل» خطاً لنقل النفط بكلفة 7،3 مليار دولار لنقل واستجرار /160/ ألف برميل يومياً من دوبا وسط تشاد وعبر الكاميرون إلى ميناء «كريبي» على المحيط الأطلسي، لنقله لاحقاً إلى أميركا.
أما ما يتعلق بالصين فإنها تشتري حالياً ثلثي كميات النفط الذي تنتجه السودان كما تعتبر أكبر جهة استثمارية في البلاد، وتحصل الصين على 8% من النفط الخام الذي تستهلكه السودان، حيث حلت بالتعاون مع /ماليزيا/ محل الدول الغربية بمساعدة السودان في التحول إلى منتج مهم للخام. ومما يجدر ذكره أن الصين استثمرت في السودان منذ عام 1999 ما لا يقل عن /15/ مليار دولار ،أو قامت شركات صينية عملاقة في ذلك العام ببناء مصفاة بترول قرب العاصمة /الخرطوم/ تمتلكها هذه الشركات بشكل مشترك مع الحكومة السودانية.
كما يقوم البلدان ببناء خط أنابيب لنقل النفط على مسافة 1500 كم إلى ميناء /بورت سودان/ على البحر الأحمر، ومن هناك ستنقله ناقلات النفط العملاقة إلى الصين.
هذا وتصف الحكومة السودانية الصين بأنها شريك وحليف استراتيجي خاصة أنها عضوأساسي في مجلس الأمن وتملك حق النقض «الفيتو» في هذا المجلس. وبدورها تزود الصين السودان بالذخيرة وبمختلف أنواع الأسلحة من دبابات وطائرات مقاتلة ومروحية وغير ذلك وتعتبر شركة «بكين» الوطنية للنفط من أكبر المستثمرين في السودان، وتقدر استثماراتها بنحو /5/ مليارات دولار وهي الآن تملك 50% من مصفاة النفط القريبة من الخرطوم مناصفة مع الحكومة السودانية.
وقامت شركة بكين الوطنية ببناء أنبوب نفط من مكان استثماراتها في جنوب السودان إلى الميناء على البحر الأحمر حيث ينقل النفط من هناك إلى المرافئ الصينية وهكذا يتضح مما تقدم أن الولايات المتحدة تعمل من خلال تضخيمها لأزمة دارفور، والادعاء بأنها تسعى إلى التدخل فيها لدوافع إنسانية ومن أجل المساعدة، بهدف الدخول على خط النفط السوداني ومزاحمة الصين في هذا المجال، وبهذا يكون تدخلها من أجل مصالحها الخاصة، وليست لمساعدة السودان ولو أن مسألة «دارفور» تركت للسودان نفسه ودون تدخل لكانت قد حلت وانتهت منذ عدة سنوات إلا أن النفخ فيها لم ينقطع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق