صحيفة الوطن السورية
كوثر أبو عساف
منذ أيام الحرب الباردة وحتى أيامنا الحالية وربما مستقبلاً يبقى الصراع هو السمة الأساسية التي تكتنف العلاقات بين واشنطن وبكين، فالحضور المتزايد للصين في منطقة الشرق الأوسط وفي الساحة الدولية خلال الأعوام القليلة الفائتة ساهم بشكل كبير بتنامي القلق الأميركي تجاه هذا العملاق الآسيوي، كما أن الرؤية الصينية للنظام العالمي التي ترتكز على مبدأ المساواة بين كل الدول في العلاقات الدولية يتعارض مع أهداف الاستراتيجية الأميركية في أن تبقى القوة العظمى الوحيدة وتقلّد دور الزعامة في العالم.
وتشير القراءات السياسية إلى أن أبرز القضايا التي يتمحور حولها الخلاف الأميركي- الصيني يتجلى في رفض الصين لأي تدخل أميركي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ذات السيادة من جهة ومن جهة أخرى رفضها لمبدأ التحالفات والقواعد العسكرية الأميركية الآسيوية وخصوصاً التحالف الأميركي- الياباني باعتباره يهدد وحدة وسيادة الصين ويدمر استقرارها ودورها العالمي وما فعله الأميركيون خلال أزمة تايوان يؤكد صوابية الموقف الصيني.
كما أن رغبة بكين في إعادة النظر في الكثير من قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بعدد من القضايا أبرزها العراق ومعارضتها لاستخدام القوة لتنفيذ مثل تلك القرارات كما حصل في كمبوديا والبوسنة لعبت دوراً كبيراً في تفاقم الخلاف بين الجانبين.
ومؤخراً بدأت أوساط أميركية ترى أن الصين هي الخصم الأساسي للولايات المتحدة في الساحة الدولية، وحسب رؤية واشنطن فالكثير من الملفات الحساسة مثل ملف كوريا الشمالية النووي أصبح بيد الصين فبيونغ يانغ ما كانت لتفكك أبرز مفاعل نووي لولا الضغط القوي عليها.
كما أن الصين بدأت بتعزيز علاقاتها مع دول تقاسم العداء للولايات المتحدة مثل إيران وفنزويلا وبعض الدول العربية ولم تستجب للرغبة الأميركية في الاشتراك في المبادرات الغربية في مجلس الأمن الدولي الهادفة إلى تمرير عقوبات ضد إيران وميانمار والسودان، لذلك يتزايد الضغط داخل الكونغرس الأميركي لمعاقبة الشركات النفطية في الصين ودول آسيوية أخرى بتهمة تقديم المساعدات للحكومة السودانية بشكل غير مباشر بهدف إطالة أمد المجازر المرتبكة بحق السكان في إقليم دارفور.
ولم يقتصر الخلاف بين الدولتين على الساحة الدولية بل انسحب أيضاً على ساحة الشرق الأوسط فالصين الساعية لتحقيق الهدف الرئيسي للمؤسسة السياسية الصينية والتي تتمثل في الحفاظ على وحدة أراضيها ورفع مكانتها الدولية ترى أن هذه المنطقة لا تزال عنواناً رئيسياً لمصادر الطاقة وسوقاً لإنتاجها وللأيدي العاملة الصينية كما أنها مصدر للاستثمارات والتكنولوجيا، لكن مركزية دور واشنطن في الشرق الأوسط يعد تهديداً لحرية ملاحتها البحرية وتزويدها بالمواد الخام ومصادر الطاقة.
لذلك تسعى الصين إلى توثيق علاقاتها مع الدول والقوى التي تدفع باتجاه استقرار المنطقة نظراً للمنافع الاقتصادية والسياسية التي تعود عليها على المدى المنظور والبعيد وظهر ذلك جلياً من خلال علاقاتها مع سورية والسعودية ودول الخليج العربي وتدخلها الدبلوماسي في العراق وموقفها من الملف النووي الإيراني ورفضها التجاوب مع الحكومة الإسرائيلية في الاستمرار في فرض الحصار الاقتصادي والعقوبات على حركة حماس وبعيداً عن ضفة المحيط الهادي فإن الأهداف الاستراتيجية الأميركية تجاه بكين بشكل خاص تنحصر في تحويلها تجاه تيار النظام العالمي الغربي السائد وفي الوقت نفسه منعها من أن تصبح مصدر معارضة وتهديد، الأمر الذي يفسر استمرار واشنطن في الضغط على ورقة حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ والتيبت تارة وتارة أخرى الحرية الدينية للإبقاء على قدرتها في الاتفاق مع الصين ومنعها من التحول إلى مصدر تهديد.
وفي هذا الإطار يندرج استقبال الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخراً لـ(الدالاي لاما) الزعيم الروحي للتيبت ومنحه أعلى وسام في الكونغرس الأميركي الأمر الذي أثار غضب واستياء الصين واعتبرته تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية حسبما أعلنت خارجيتها.
وتزامنت هذه الخطوة الاستفزازية مع اتهامات الكونغرس للحكومة الصينية بعدم القيام بأي خطوة أمام قمع المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية من قبل المجلس العسكري الحاكم في ميانمار.
وتعيد الأجواء الحالية وما تتضمنه من خطوات استفزازية وأوراق ضغط أميركية الأزمة التي نشبت بين واشنطن وبكين والتي عرفت باسم أحداث (إيتان أن بين) على خلفية تفريق السلطات الصينية مظاهرات أنصار الديمقراطية في بكين ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وللضغط أكثر على الصين حاولت واشنطن تقوية التعاون العسكري مع عدد من دول آسيا والباسفيك إضافة إلى موقف الكونغرس الصلب في تقييد نقل التكنولوجيا إلى الصين وحظر بيع الأسلحة لها الأمر الذي يخفي وراءه اعتبارات استراتيجية أخرى.
إلا أن البعض يميل للاعتقاد إلى أن طبيعة العلاقات دائماً بين الدولتين غير مؤكدة فيها ليست مواجهة وليست مقاربة ولا هي مشاركة في الاستراتيجية في ظل استمرار الكونغرس والإعلام والرأي العام الأميركي في اتخاذ موقف عدائي من الصين.
على الرغم من وجود اهتمامات واسعة بين الجانبين في التنمية والاقتصاد والاتصالات والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات حيث يبلغ الإنتاج الصيني الذي يتم تصديره إلى الأسواق الأميركية نحو 10% كما تبلغ نسبة الاستثمارات الأميركية 5% من مجمل الاستثمارات الأجنبية في الصين.
لذلك تبقى التسوية في العلاقات بين واشنطن وبكين وعلى المدى الطويل مرتبطة بمستجدات الأوضاع في المنطقة وتقلبات ميزان القوى العالمي والاستمرار في تآكل العلاقات الأميركية الأوروبية وقدرة الصين على ردم الهوة التكنولوجية والعسكرية بينها وبين الولايات المتحدة بل تجاوزها.
كوثر أبو عساف
منذ أيام الحرب الباردة وحتى أيامنا الحالية وربما مستقبلاً يبقى الصراع هو السمة الأساسية التي تكتنف العلاقات بين واشنطن وبكين، فالحضور المتزايد للصين في منطقة الشرق الأوسط وفي الساحة الدولية خلال الأعوام القليلة الفائتة ساهم بشكل كبير بتنامي القلق الأميركي تجاه هذا العملاق الآسيوي، كما أن الرؤية الصينية للنظام العالمي التي ترتكز على مبدأ المساواة بين كل الدول في العلاقات الدولية يتعارض مع أهداف الاستراتيجية الأميركية في أن تبقى القوة العظمى الوحيدة وتقلّد دور الزعامة في العالم.
وتشير القراءات السياسية إلى أن أبرز القضايا التي يتمحور حولها الخلاف الأميركي- الصيني يتجلى في رفض الصين لأي تدخل أميركي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ذات السيادة من جهة ومن جهة أخرى رفضها لمبدأ التحالفات والقواعد العسكرية الأميركية الآسيوية وخصوصاً التحالف الأميركي- الياباني باعتباره يهدد وحدة وسيادة الصين ويدمر استقرارها ودورها العالمي وما فعله الأميركيون خلال أزمة تايوان يؤكد صوابية الموقف الصيني.
كما أن رغبة بكين في إعادة النظر في الكثير من قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بعدد من القضايا أبرزها العراق ومعارضتها لاستخدام القوة لتنفيذ مثل تلك القرارات كما حصل في كمبوديا والبوسنة لعبت دوراً كبيراً في تفاقم الخلاف بين الجانبين.
ومؤخراً بدأت أوساط أميركية ترى أن الصين هي الخصم الأساسي للولايات المتحدة في الساحة الدولية، وحسب رؤية واشنطن فالكثير من الملفات الحساسة مثل ملف كوريا الشمالية النووي أصبح بيد الصين فبيونغ يانغ ما كانت لتفكك أبرز مفاعل نووي لولا الضغط القوي عليها.
كما أن الصين بدأت بتعزيز علاقاتها مع دول تقاسم العداء للولايات المتحدة مثل إيران وفنزويلا وبعض الدول العربية ولم تستجب للرغبة الأميركية في الاشتراك في المبادرات الغربية في مجلس الأمن الدولي الهادفة إلى تمرير عقوبات ضد إيران وميانمار والسودان، لذلك يتزايد الضغط داخل الكونغرس الأميركي لمعاقبة الشركات النفطية في الصين ودول آسيوية أخرى بتهمة تقديم المساعدات للحكومة السودانية بشكل غير مباشر بهدف إطالة أمد المجازر المرتبكة بحق السكان في إقليم دارفور.
ولم يقتصر الخلاف بين الدولتين على الساحة الدولية بل انسحب أيضاً على ساحة الشرق الأوسط فالصين الساعية لتحقيق الهدف الرئيسي للمؤسسة السياسية الصينية والتي تتمثل في الحفاظ على وحدة أراضيها ورفع مكانتها الدولية ترى أن هذه المنطقة لا تزال عنواناً رئيسياً لمصادر الطاقة وسوقاً لإنتاجها وللأيدي العاملة الصينية كما أنها مصدر للاستثمارات والتكنولوجيا، لكن مركزية دور واشنطن في الشرق الأوسط يعد تهديداً لحرية ملاحتها البحرية وتزويدها بالمواد الخام ومصادر الطاقة.
لذلك تسعى الصين إلى توثيق علاقاتها مع الدول والقوى التي تدفع باتجاه استقرار المنطقة نظراً للمنافع الاقتصادية والسياسية التي تعود عليها على المدى المنظور والبعيد وظهر ذلك جلياً من خلال علاقاتها مع سورية والسعودية ودول الخليج العربي وتدخلها الدبلوماسي في العراق وموقفها من الملف النووي الإيراني ورفضها التجاوب مع الحكومة الإسرائيلية في الاستمرار في فرض الحصار الاقتصادي والعقوبات على حركة حماس وبعيداً عن ضفة المحيط الهادي فإن الأهداف الاستراتيجية الأميركية تجاه بكين بشكل خاص تنحصر في تحويلها تجاه تيار النظام العالمي الغربي السائد وفي الوقت نفسه منعها من أن تصبح مصدر معارضة وتهديد، الأمر الذي يفسر استمرار واشنطن في الضغط على ورقة حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ والتيبت تارة وتارة أخرى الحرية الدينية للإبقاء على قدرتها في الاتفاق مع الصين ومنعها من التحول إلى مصدر تهديد.
وفي هذا الإطار يندرج استقبال الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخراً لـ(الدالاي لاما) الزعيم الروحي للتيبت ومنحه أعلى وسام في الكونغرس الأميركي الأمر الذي أثار غضب واستياء الصين واعتبرته تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية حسبما أعلنت خارجيتها.
وتزامنت هذه الخطوة الاستفزازية مع اتهامات الكونغرس للحكومة الصينية بعدم القيام بأي خطوة أمام قمع المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية من قبل المجلس العسكري الحاكم في ميانمار.
وتعيد الأجواء الحالية وما تتضمنه من خطوات استفزازية وأوراق ضغط أميركية الأزمة التي نشبت بين واشنطن وبكين والتي عرفت باسم أحداث (إيتان أن بين) على خلفية تفريق السلطات الصينية مظاهرات أنصار الديمقراطية في بكين ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وللضغط أكثر على الصين حاولت واشنطن تقوية التعاون العسكري مع عدد من دول آسيا والباسفيك إضافة إلى موقف الكونغرس الصلب في تقييد نقل التكنولوجيا إلى الصين وحظر بيع الأسلحة لها الأمر الذي يخفي وراءه اعتبارات استراتيجية أخرى.
إلا أن البعض يميل للاعتقاد إلى أن طبيعة العلاقات دائماً بين الدولتين غير مؤكدة فيها ليست مواجهة وليست مقاربة ولا هي مشاركة في الاستراتيجية في ظل استمرار الكونغرس والإعلام والرأي العام الأميركي في اتخاذ موقف عدائي من الصين.
على الرغم من وجود اهتمامات واسعة بين الجانبين في التنمية والاقتصاد والاتصالات والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات حيث يبلغ الإنتاج الصيني الذي يتم تصديره إلى الأسواق الأميركية نحو 10% كما تبلغ نسبة الاستثمارات الأميركية 5% من مجمل الاستثمارات الأجنبية في الصين.
لذلك تبقى التسوية في العلاقات بين واشنطن وبكين وعلى المدى الطويل مرتبطة بمستجدات الأوضاع في المنطقة وتقلبات ميزان القوى العالمي والاستمرار في تآكل العلاقات الأميركية الأوروبية وقدرة الصين على ردم الهوة التكنولوجية والعسكرية بينها وبين الولايات المتحدة بل تجاوزها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق