صحيفة الخليج الإماراتية
د.غسان العزي
يعتبر مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الحادي عشر في عام ،1978 الذي بايع دينغ شياو بينغ خلفاً لماوتسي تونغ، نقطة انطلاق التحول الصيني الكبير وبداية تشكل ما سمي بعدها ال “المعجزة الصينية” الاقتصادية. وبعد وفاة بينغ في فبراير/شباط 1997 سقط رهان البعض، في الولايات المتحدة وخارجها، على تفكك القيادة المركزية الصينية تحت وطأة الصراع على السلطة، إذ تمكن الرئيس جيانغ زيمين، الذي عاش في ظل بينغ، مفتقراً الى الشعبية والكاريزما، من الامساك بكل مفاصل السلطة السياسية والحزبية والعسكرية. فقد بايعه المؤتمر الخامس عشر للحزب الحاكم، في سبتمبر/ايلول 1997 زعيماً للحزب والجيش والدولة. وعلى خطى سلفه استمر زيمين في سياسة الانفتاح ومكافحة بعوض الفساد الذي دخل من النوافذ المفتوحة، على حد التعبير الشهير لبينغ، وقاد النمو الاقتصادي الصيني الذي استحق صفة “المعجزة”.
وفي يونيو/حزيران 2002 خلال انعقاد المؤتمر السادس عشر للحزب تخلى زيمين عن رئاسة الحزب والدولة (واحتفظ بزعامة المؤسسة العسكرية) مؤمّناً انتخاب هو جينتاو الذي كان هو الآخر مغموراً يفتقر الى الشعبية والكاريزما. واستمر الخلف على نهج السلف على خلفية استقرار سياسي ملفت ونمو اقتصادي مستمر وحضور دولي متزايد.
وكما فعل زيمين ومن قبله بينغ فقد حرص جينتاو، في مؤتمر الحزب السابع عشر الذي انعقد في15 اكتوبر/تشرين الأول المنصرم على توكيد زعامته عبر تعيين انصاره في دوائر السلطة العليا، التي ابعد عنها انصار السلف الذي ذهب معظمهم الى التقاعد، فأمن بذلك انتقال السلطة في المؤتمر المقبل الى احد الموالين له. وكما فعل ماوتسي تونغ (النظرية الشيوعية على الطريقة الماوية) وبينغ (اقتصاد السوق الاشتراكي) وزيمين (مفهوم البلد الواحد-أي الصين-بنظامين سياسيين مختلفين أو اكثر، اي هونغ كونغ ومالاو وتايوان) فقد ادخل جينتاو عقيدة سياسية خاصة به الى صلب الدستور: “المفهوم العلمي للتنمية الهادف لبناء مجتمع متناغم” وكرر الدعوة الى تايوان للعودة الى حظيرة البلد الأم واعداً بالعمل لتحقيق هذه العودة بالطرق السلمية.
لقد وصلت الصين في عهد جينتاو الى المركز الاقتصادي الثالث في العالم، واضحت تلقب ب “مصنع العالم”، لكن النمو لم يكن متوازناً بين الاقاليم والشرائح الشعبية إذ ظهرت الى الوجود اقاليم، مثل شانغهاي، تشبه نيويورك بناطحات سحابها وطبقة من الاثرياء يحسدهم نظراؤهم الامريكيون، الى جانب شريحة من المعوزين ومناطق لاتعرف الطرق المعبدة أو الكهرباء. وتبلغ مداخيل ابناء المدن ثلاثة أو اربعة اضعاف مداخيل أهل الريف. واستمرت معضلة الفساد تضرب صفوف الحزب والدولة والجيش رغم حملات التطهير والاعدامات التي شنها زيمين واستمرت مع جينتاو. من هنا تركيز الرئيس الصيني في المؤتمر الاخير على ضرورة الانكباب في المرحلة الجديدة على اعادة التوازن الى “امبراطورية الوسط”، عبر سياسة تقوم على منهج علمي يهتم بمكافحة الآفات البيئية والخلل الطبقي والمناطقي الناتجة عن النمو المحموم، الذي لم ينخفض عن العشرة في المائة منذ عقدين ونصف تقريباً. وقد وعد جينتاو بحماية المداخيل الشرعية واعادة النظر بالمداخيل المفرطة بارتفاعها وبمحاربة المداخيل غير الشرعية، وقال “الديمقراطية الشعبية هي محرك الاشتراكية”، وينبغي اتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية ب “روح علمية واكبر قدر ممكن من الشفافية والمشاركة”، “فالمجتمع المتناغم” هو الذي يجري فيه تقاسم عادل للثروات القومية والحزب هو الذي يسهر على تحقيق مثل هذا التقاسم، كما قال هو جينتاو في خطابه الذي شدد على أولوية الحزب ودوره، لكن من دون استبعاد غير المنتمين له والاستفادة من قدراتهم وكفاءاتهم طالما أن القيادة والاشراف يعودان للحزب. انها مجدداً نظرية الليبرالية الاقتصادية في ظل النظام السياسي الشيوعي أو “اقتصاد السوق الاشتراكي”.
ويضم الحزب الشيوعي الصيني، بعد سيطرة مطلقة على السلطة منذ ستين عاما، حوالي ثلاثة وسبعين مليون عضو 19،5 في المائة منهم فقط من النساء. ولا يهتم جينتاو بزيادة هذا العدد بقدر ما يهتم، كما قال، بزيادة اعداد الراضين عن اداء الحزب من الشعب، اما الجيش فينبغي تدعيم قدراته ايضاً عن طريق العلم والتكنولوجيا والمعلوماتية بعد أن ارتفعت الميزانية الدفاعية الى 45 مليار دولار في العام الجاري، أي بزيادة نسبتها 17،8 في المائة في عام واحد.
ثمة ملاحظة لاتغيب عن نظرة المراقب لتركيبة القيادة الصينية الحالية للقوة الاقتصادية الثالثة في العالم: الرئيس جينتاو الآتي من الاستابلشمنت، بعد أن ترعرع في اكثر مناطق الصين فقراً وحرماناً (منطقة أنهوي الجرداء في الشمال الغربي) يبقى لغزاً للداخل والخارج، فعند انتخابه رئيساً للحزب والدولة في العام 2002 تجول صحافيون من “البي -بي-سي” في شوارع بكين، حيث عرضوا صورته على المارة الذين لم يتعرف احد إليها رغم انه كان من اقرب المقربين الى الرئيسين بينغ وزيمين، ويأتي معظم اعضاء المكتب السياسي المركزي للحزب الحاكم من جامعات صينية اتموا فيها اختصاصات علمية وتكنولوجية، الرئيس جينتاو جاء من جامعة البوليتكنيك في كينغهوا، رئيس الوزراء وين جياباو يحمل شهادة بالجيولوجيا ورئيس مجلس الشعب وو بانغو مختص بالراديو الالكتروني ورئيس المؤتمر الاستشاري، أي ما يشبه مجلس الشيوخ، جيا كينغلين هو مهندس.
مهمة هذا الجيل القيادي “العلمي” تعبيد الطريق امام الجيل الصيني الخامس (بعد ماو ودينغ وجيانغ وهو) الذي سوف يتسلم السلطة بعد خمس سنوات: مجموعة من الكوادر الذين بلغوا الخمسينات من العمر بعد أن اتموا دراساتهم في الصين وفي الخارج ايضاً فأضحوا أكثر قدرة على قيادة الانفتاح الصيني المستمر والامساك ببوصلة الحزب الذي يكاد يضيعها تحت وطأة النمو المتسارع من دون هوادة. ويمكن القول إن هو جينتاو نجح في المؤتمر الاخير للحزب في رسم معالم المرحلة المقبلة على أساس علمي، أضحى في صلب الدستور، يضمن تجديداً مستمراً ل “امبراطورية الوسط” التي لا طموحات امبراطورية لديها، لكن يخشى الجميع في العالم أن يهتز هذا الاخير إن هي اهتزت. هو جينتاو يطمئنهم: الصين استفاقت، لكنها لن تهتز وستبقى في تجديد مستمر على الطريق نفسه، طريق الوسط.
د.غسان العزي
يعتبر مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الحادي عشر في عام ،1978 الذي بايع دينغ شياو بينغ خلفاً لماوتسي تونغ، نقطة انطلاق التحول الصيني الكبير وبداية تشكل ما سمي بعدها ال “المعجزة الصينية” الاقتصادية. وبعد وفاة بينغ في فبراير/شباط 1997 سقط رهان البعض، في الولايات المتحدة وخارجها، على تفكك القيادة المركزية الصينية تحت وطأة الصراع على السلطة، إذ تمكن الرئيس جيانغ زيمين، الذي عاش في ظل بينغ، مفتقراً الى الشعبية والكاريزما، من الامساك بكل مفاصل السلطة السياسية والحزبية والعسكرية. فقد بايعه المؤتمر الخامس عشر للحزب الحاكم، في سبتمبر/ايلول 1997 زعيماً للحزب والجيش والدولة. وعلى خطى سلفه استمر زيمين في سياسة الانفتاح ومكافحة بعوض الفساد الذي دخل من النوافذ المفتوحة، على حد التعبير الشهير لبينغ، وقاد النمو الاقتصادي الصيني الذي استحق صفة “المعجزة”.
وفي يونيو/حزيران 2002 خلال انعقاد المؤتمر السادس عشر للحزب تخلى زيمين عن رئاسة الحزب والدولة (واحتفظ بزعامة المؤسسة العسكرية) مؤمّناً انتخاب هو جينتاو الذي كان هو الآخر مغموراً يفتقر الى الشعبية والكاريزما. واستمر الخلف على نهج السلف على خلفية استقرار سياسي ملفت ونمو اقتصادي مستمر وحضور دولي متزايد.
وكما فعل زيمين ومن قبله بينغ فقد حرص جينتاو، في مؤتمر الحزب السابع عشر الذي انعقد في15 اكتوبر/تشرين الأول المنصرم على توكيد زعامته عبر تعيين انصاره في دوائر السلطة العليا، التي ابعد عنها انصار السلف الذي ذهب معظمهم الى التقاعد، فأمن بذلك انتقال السلطة في المؤتمر المقبل الى احد الموالين له. وكما فعل ماوتسي تونغ (النظرية الشيوعية على الطريقة الماوية) وبينغ (اقتصاد السوق الاشتراكي) وزيمين (مفهوم البلد الواحد-أي الصين-بنظامين سياسيين مختلفين أو اكثر، اي هونغ كونغ ومالاو وتايوان) فقد ادخل جينتاو عقيدة سياسية خاصة به الى صلب الدستور: “المفهوم العلمي للتنمية الهادف لبناء مجتمع متناغم” وكرر الدعوة الى تايوان للعودة الى حظيرة البلد الأم واعداً بالعمل لتحقيق هذه العودة بالطرق السلمية.
لقد وصلت الصين في عهد جينتاو الى المركز الاقتصادي الثالث في العالم، واضحت تلقب ب “مصنع العالم”، لكن النمو لم يكن متوازناً بين الاقاليم والشرائح الشعبية إذ ظهرت الى الوجود اقاليم، مثل شانغهاي، تشبه نيويورك بناطحات سحابها وطبقة من الاثرياء يحسدهم نظراؤهم الامريكيون، الى جانب شريحة من المعوزين ومناطق لاتعرف الطرق المعبدة أو الكهرباء. وتبلغ مداخيل ابناء المدن ثلاثة أو اربعة اضعاف مداخيل أهل الريف. واستمرت معضلة الفساد تضرب صفوف الحزب والدولة والجيش رغم حملات التطهير والاعدامات التي شنها زيمين واستمرت مع جينتاو. من هنا تركيز الرئيس الصيني في المؤتمر الاخير على ضرورة الانكباب في المرحلة الجديدة على اعادة التوازن الى “امبراطورية الوسط”، عبر سياسة تقوم على منهج علمي يهتم بمكافحة الآفات البيئية والخلل الطبقي والمناطقي الناتجة عن النمو المحموم، الذي لم ينخفض عن العشرة في المائة منذ عقدين ونصف تقريباً. وقد وعد جينتاو بحماية المداخيل الشرعية واعادة النظر بالمداخيل المفرطة بارتفاعها وبمحاربة المداخيل غير الشرعية، وقال “الديمقراطية الشعبية هي محرك الاشتراكية”، وينبغي اتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية ب “روح علمية واكبر قدر ممكن من الشفافية والمشاركة”، “فالمجتمع المتناغم” هو الذي يجري فيه تقاسم عادل للثروات القومية والحزب هو الذي يسهر على تحقيق مثل هذا التقاسم، كما قال هو جينتاو في خطابه الذي شدد على أولوية الحزب ودوره، لكن من دون استبعاد غير المنتمين له والاستفادة من قدراتهم وكفاءاتهم طالما أن القيادة والاشراف يعودان للحزب. انها مجدداً نظرية الليبرالية الاقتصادية في ظل النظام السياسي الشيوعي أو “اقتصاد السوق الاشتراكي”.
ويضم الحزب الشيوعي الصيني، بعد سيطرة مطلقة على السلطة منذ ستين عاما، حوالي ثلاثة وسبعين مليون عضو 19،5 في المائة منهم فقط من النساء. ولا يهتم جينتاو بزيادة هذا العدد بقدر ما يهتم، كما قال، بزيادة اعداد الراضين عن اداء الحزب من الشعب، اما الجيش فينبغي تدعيم قدراته ايضاً عن طريق العلم والتكنولوجيا والمعلوماتية بعد أن ارتفعت الميزانية الدفاعية الى 45 مليار دولار في العام الجاري، أي بزيادة نسبتها 17،8 في المائة في عام واحد.
ثمة ملاحظة لاتغيب عن نظرة المراقب لتركيبة القيادة الصينية الحالية للقوة الاقتصادية الثالثة في العالم: الرئيس جينتاو الآتي من الاستابلشمنت، بعد أن ترعرع في اكثر مناطق الصين فقراً وحرماناً (منطقة أنهوي الجرداء في الشمال الغربي) يبقى لغزاً للداخل والخارج، فعند انتخابه رئيساً للحزب والدولة في العام 2002 تجول صحافيون من “البي -بي-سي” في شوارع بكين، حيث عرضوا صورته على المارة الذين لم يتعرف احد إليها رغم انه كان من اقرب المقربين الى الرئيسين بينغ وزيمين، ويأتي معظم اعضاء المكتب السياسي المركزي للحزب الحاكم من جامعات صينية اتموا فيها اختصاصات علمية وتكنولوجية، الرئيس جينتاو جاء من جامعة البوليتكنيك في كينغهوا، رئيس الوزراء وين جياباو يحمل شهادة بالجيولوجيا ورئيس مجلس الشعب وو بانغو مختص بالراديو الالكتروني ورئيس المؤتمر الاستشاري، أي ما يشبه مجلس الشيوخ، جيا كينغلين هو مهندس.
مهمة هذا الجيل القيادي “العلمي” تعبيد الطريق امام الجيل الصيني الخامس (بعد ماو ودينغ وجيانغ وهو) الذي سوف يتسلم السلطة بعد خمس سنوات: مجموعة من الكوادر الذين بلغوا الخمسينات من العمر بعد أن اتموا دراساتهم في الصين وفي الخارج ايضاً فأضحوا أكثر قدرة على قيادة الانفتاح الصيني المستمر والامساك ببوصلة الحزب الذي يكاد يضيعها تحت وطأة النمو المتسارع من دون هوادة. ويمكن القول إن هو جينتاو نجح في المؤتمر الاخير للحزب في رسم معالم المرحلة المقبلة على أساس علمي، أضحى في صلب الدستور، يضمن تجديداً مستمراً ل “امبراطورية الوسط” التي لا طموحات امبراطورية لديها، لكن يخشى الجميع في العالم أن يهتز هذا الاخير إن هي اهتزت. هو جينتاو يطمئنهم: الصين استفاقت، لكنها لن تهتز وستبقى في تجديد مستمر على الطريق نفسه، طريق الوسط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق