الأحد، 25 نوفمبر 2007

الحيرة تتحول نحو الصين

بروجيكت سنديكيت
جيه. برادفورد ديلونغ (أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي)
الآن وبعد أن هبط الدولار عن أقصى ارتفاع بلغه في مقابل اليورو بنسبة 43%، نستطيع أن نقول إن عملية إعادة التوازن إلى النظام المالي العالمي قد بدأت بجدية. وبدأ العجز في الحساب الجاري والعجز التجاري في الولايات المتحدة الأمريكية في الانكماش نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي والناتج العالمي الإجمالي، كما أصبحت فوائض الحساب الجاري الآسيوية على وشك البدء في الانكماش، خصوصاً إذا ما تباطأ النمو بدرجة كبيرة في أمريكا بعدما انتهت موجة ازدهار الإسكان هناك.
وتتحمل أوروبا القدر الأعظم من الأزمة في الوقت نفسه، بعدما ارتفعت قيمة اليورو على نحو أكبر وأسرع أمام الدولار أخيراً، إلا أن بلدان أمريكا اللاتينية وآسيا سوف تبدأ في الشعور بالضيق أيضاً، بعدما انتهى دور الولايات المتحدة الذي لعبته طيلة العقد الماضي في الاقتصاد العالمي باعتبارها الملاذ الأخير كمستورد.
ولكن ما دام اختلال التوازن في التجارة العالمية وتدفقات رأس المال سوف ينحلان ببطء وسلاسة، فإن حجم الضيق الذي سيشهده الاقتصاد العالمي سوف يكون ضئيلاً نسبياً، بيد أنه لن يكون ضئيلاً بكل تأكيد بالنسبة للمصدرين والعاملين الذين سيخسرون الأسواق الأمريكية، أو بالنسبة للأمريكيين الذين سيخسرون الفرصة للوصول إلى رأس المال الرخيص الذي يقدمه الأجانب، إلا أن الأعوام القليلة المقبلة سوف تأتي حاملة معها مشكلة سياسية اقتصادية أشد تهديداً وأعظم خطورة من مسألة حل الخلل في التوازن العالمي.
فمن المحتمل إلى حد كبير أن تدخل الولايات المتحدة في حال من الكساد المعتدل قد تكون احتمالات حدوث هذا من عدمه متساوية. ومن المحتمل أن تنتشر حال الكساد من الولايات المتحدة إلى بقية العالم فتتسبب في ركود عالمي. ومن المحتمل ألا يستمر النمو الاقتصادي العالمي خلال السنوات الخمس المقبلة بالسرعة نفسها التي شهدها طيلة السنوات الخمس الماضية. إلا أن احتمالات حدوث كساد اقتصادي شامل ليست بالاحتمالات الضخمة بأي حال من الأحوال، بل من المرجح أن يكون الكساد معتدلاً. والحقيقة أن احتمالات السقوط الحاد كأن يستيقظ المستثمرون العالميون ذات صباح فيدركون فجأة أن الولايات المتحدة غير قادرة على الاستمرار في تمويل عجزها في الحساب الجاري إلى الحد الذي جعلها تبالغ في تخفيض قيمة الدولار، الأمر الذي تسبب في انهيار الاقتصاد العالمي تتضاءل مع كل يوم يمر.
وطبقاً لسيناريوهين محتملين مرتبطين بالصين فإن انحلال خلل التوازن العالمي قد يتسبب في ركود إقليمي، إن لم يتسبب في ركود عالمي. في السيناريو الأول تستمر الصين في محاولة صيانة التشغيل الكامل للعمالة في شنغهاي، وغوانغجو، ومناطقها الصناعية الأخرى، ولكن ليس عن طريق تشجيع الطلب المحلي بل من خلال محاولة تزويد الصادرات بالمزيد من الدعم عن طريق صيانة استقرار عملة الصين أمام الدولار وتخفيض قيمتها في مقابل اليورو.
إن الجهود المبذولة للحفاظ على معدل صرف مقبول بين الدولار وعملة الصين لدى مجلس الدولة الصيني، كانت السبب الفعلي وراء الزيادة الضخمة في السيولة المالية لدى الاقتصاد الصيني. وبدأت عواقب هذه الزيادة تتجلى الآن في تضخم سوق العقارات وسوق الأوراق المالية، إلا أن الأمر لم يصل إلى حد التضخم المفرط الخارج عن السيطرة في أسعار المستهلك على الأقل حتى الآن. ولكن إذا لم تعمل الصين على التعجيل برفع قيمة عملتها، فقد يشهد العالم موجة عارمة من التضخم في أسعار المستهلك في الصين خلال العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة. وإذا ما حدث هذا فلسوف يترتب عليه الاختيار بين التضخم المدمر السريع الذي كان مألوفاً في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو الوقوع في حالة من تباطؤ النمو والبطالة والتضخم، إلا أن تبعات هذا السيناريو سوف تكون محصورة إلى حد كبير في آسيا.
أما السيناريو الثاني فهو الأشد خطورة بالنسبة للعالم أجمع. ففي هذا السيناريو تستمر الصين أيضاً في محاولات التشغيل الكامل للعمالة عن طريق الحفاظ على قيمة عملتها منخفضة، إلا أن الحكومة الصينية سوف تتمكن هذه المرة من تقييد التضخم الداخلي، وبهذا يتوقف العجز التجاري الأمريكي أمام آسيا عن الهبوط ويبدأ في الارتفاع من جديد.
كما سيحدث نفس الشيء مع أوروبا، بينما ستجد أمريكا اللاتينية نفسها وقد خرجت من أسواقها التصديرية نتيجة لعجزها عن منافسة الأسعار. وبعد ذلك بخمسة أو ستة أعوام، سوف يواجه الاقتصاد العالمي الخطر نفسه الذي تعرض له منذ عامين، إلا أن الخوف هذه المرة لن يكون من انخفاض كبير في قيمة الدولار، بل من حدوث انهيار مفاجئ في قيمة الدولار واليورو أمام العملات الآسيوية.
منذ أربعة أعوام، كنت قد أقول إن الولايات المتحدة تشكل المصدر الرئيسي لاختلال النظام الاقتصادي الدولي. وكنت قد اعتبر هذا نتيجة لانحدار الدولار وانحطاط القوة السياسية للفصائل الشعوبية في جناح اليمين في الولايات المتحدة، التي تسعى دوماً إلى إعادة توزيع الثروة لمصلحة الأغنياء من خلال الاستمرار في تخفيض الضرائب والاستفادة من استمرار العجز في الاستفحال على الأمد البعيد.
أما اليوم فأستطيع أن أقول إن المصدر الرئيسي لاختلال النظام الاقتصادي الدولي “صُنِع في الصين”. ويرجع ذلك إلى المحاولات التي تبذلها بعض الفصائل في الحكومة الصينية من أجل تجنب المزيد من الارتفاعات السريعة في قيمة العملة الصينية. ولا أستطيع هنا أن أجزم بمدى قوة هذه الفصائل، أو ما إذا كانت تدرك أن انخفاض العجز في الحساب الجاري لدى الولايات المتحدة، إلى جانب انخفاض قيمة الدولار، من شأنه أن يقلل من ضرورة اتخاذ الإجراءات التصحيحية في بقية العالم، ولكن ليس في الصين.
ذات يوم، وأمام مجموعة من الزعماء الأوروبيين، قال وزير خزانة الولايات المتحدة الأسبق أيام إدارة نيكسون: “من العجيب أن الدولار على الرغم من كونه عملة أمريكية، إلا أن مسؤولية ضبط قيمته تقع على عاتق أوروبا”. اليوم أصبحت مسؤولية ضبط قيمة الدولار واليورو في مقابل عملة الصين والعملات الآسيوية الأخرى، تقع على عاتق آسيا على نحو متزايد.

ليست هناك تعليقات: