الأحد، 4 نوفمبر 2007

الاستمرارية والتغيير في سياسة الصين الجديدة

صحيفة الخليج الإماراتية
مسعود ضاهر
في 15 أكتوبر/تشرين الأول ،2007 قدم أمين عام الحزب الشيوعي الصيني، “هو جينتاو” تقريراً بالغ الأهمية إلى المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني. حمل التقرير شعارات قديمة تعيد التأكيد على الثوابت المعروفة وأبرزها:
أن الحزب الشيوعي الصيني هو طليعة الطبقة العاملة، وطليعة الشعب الصيني والأمة الصينية، وهو يمثل القيادة السياسية الوحيدة لبناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وذلك بصفته طليعة القوى المنتجة في الصين، ويمثل الاتجاه الأكثر تقدما في الثقافة الصينية، والمدافع الأكثر صلابة عن المصالح الأساسية للأغلبية الساحقة من الشعب الصيني. ويستعيد التقرير مراراً بقاء الحزب أميناً لمبادىء الماركسية اللينينية، وأفكار ماو تسي تونغ، ونظرية دينغ شياو بينغ، كمرشد لعمله في قيادة البلاد.
تحددت سمات الاستمرارية وفق العناوين التالية التي تضمنها التقرير: المثابرة على الخط الأساسي للحزب مع العمل الحثيث على مواجهة الوقائع الجديدة بعقول منفتحة، وبما يخدم المصالح العليا للشعب الصيني. إلا أن حماية تلك المصالح تحتاج إلى مركزية صارمة بقيادة الحزب الشيوعي لكي تستمر سياسة الإنفتاح والإصلاح التي بدأت عام ،1978 وقادت إلى قفزة نوعية في تنمية الصين، بنسبة نمو تراوحت ما بين 7 10 % سنويا من دون انقطاع. لذلك سيستمر الحزب في إدارة دفة الحكم منفرداً، ووفق “المركزية الديمقراطية” التي أشار إليها في التقرير وفي الدستور الجديد المعدل للحزب. وبشر الصينيين بمزيد من الإنجازات على قاعدة تخطيط علمي دقيق وعقلاني تم الإعداد له حتى العام 2020. وهو يهدف إلى تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة والرخاء الاجتماعي الشامل للشعب الصيني، في مختلف مناطقه الجغرافية، وقومياته الاثنية والدينية. وأدرج شعار التنمية العلمية في دستور الحزب الذي أوصى بالتغيير السلس في قيادته.
شاءت الصدف أنني قمت بزيارة الصين على رأس وفد من الرابطة اللبنانية الصينية للصداقة والتعاون في الفترة ما بين 11 19 اكتوبر/تشرين الأول ،2007 وكانت لنا حوارات مهمة مع عدد من الباحثين الصينيين من ذوي الاتجاهات المختلفة. وبدا واضحاً أن هناك شبه إجماع على القول إن المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني يرتدي أهمية بالغة لأنه ينعقد في مرحلة مصيرية تتطلب الاستمرار في سياسة الإصلاح والتنمية، وتوقف معظم الباحثين الصينيين حول مفهوم التنمية العلمية، ومواصلة تحرير العقل الصيني من رواسب المراحل السابقة، واستمرار الانفتاح على العالم الخارجي، وحفز التنمية البشرية المستدامة بهدف تعميق التجانس الاجتماعي بين الصينيين، وبناء مجتمع جديد يحقق الأمن والاستقرار في الصين.
وكان لافتاً للانتباه تمسك قيادة الحزب بأولوية البناء الاقتصادي كنقطة مركزية تخضع لها جميع الشعارات الأخرى.
الفرصة مؤاتية إذاً للتنمية البشرية والاقتصادية، وتنفيذ استراتيجية النهوض بالصين على أساس نشر العلوم الحديثة والتعليم الجيد، وتعزيز ركائز الدولة والمجتمع بالاعتماد على إدارة نظيفة ذات كفاءة عالية لتحقيق التنمية المستدامة، واعتبار العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة قوة الدفع الأساسية للتقدم. وتمسكت القيادة بمقولة الاستمرار في اقتصاد السوق بخصائص صينية، وبما يتلاءم مع سياسة الانفتاح الشامل على العالم وفق متطلبات عصر العولمة.
لا تولي القيادة الصينية أهمية للانتقادات التي توجه إليها حول رفضها للديمقراطية على النمط الغربي، وبشكل خاص الأمريكي بعد أن بان زيفها في أفغانستان والعراق. وهي ترى أن الديمقراطية الحقيقية تكمن في حل مشكلات الشعب الأساسية كالفقر، والجوع، والبطالة، والأمية، والتصحر، وليس بالديمقراطية الشكلية. وهي تفخر بأن عدد الفقراء في الأرياف الصينية انخفض من 250 مليونا عام 1978 إلى قرابة العشرين مليونا. ولمس العالم كله حجم المنجزات التي حققتها الصين على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية. فقد نجحت الصين خلال ثلاثة عقود في تحقيق التحول التاريخي من نظام الاقتصاد الموجه إلى نظام اقتصاد السوق، ومن شبه انغلاق كامل على العالم إلى انفتاح تام على كل أشكال الحداثة والمعاصرة.
ولعل أبرز علامات التغيير في المرحلة الراهنة أن القيادة السياسية في الصين حريصة على مواكبة روح العصر من جهة، مع التمسك بالخط الأيديولوجي المتشدد لتطبيق الاشتراكية بخصائص صينية لم تكن معروفة سابقاً، من جهة أخرى. لذلك سيستمر الحزب الشيوعي في معالجة القضايا النظرية والعملية المهمة على أرض الصين الموحدة. وجاء في التقرير أن الديمقراطية داخل الحزب شهدت اتساعاً متواصلاً. وتم بناء الجماعات القيادية وفق دورات مكثفة من التثقيف والتدريب للكوادر بما يعزز من دور أصحاب الكفاءة منهم. وحقق الحزب إنجازات ملموسة على طريق اعتماد الإدارة النظيفة، والحكومة النزيهة، ومكافحة الفساد. ويرى الحزب أن طريق الاشتراكية بخصائص صينية يتطلب جعل البناء الاقتصادي مهمة مركزية، مع التمسك بالاصلاح والانفتاح، وتطوير القوى المنتجة الاجتماعية، وبناء اقتصاد السوق الاشتراكي، والتركيز على مفهوم الديمقراطية الاشتراكية وثقافتها المتقدمة لبناء المجتمع المتجانس، والدولة الاشتراكية، العصرية والغنية والديمقراطية والمتحضرة، وذلك تحت قيادة مركزية صارمة للحزب الشيوعي الصيني.
ختاما، أدركت القيادة الصينية أن تفرد الحزب الشيوعي في الحكم يحمله مسؤوليات كبيرة أبرزها: بناء دولة الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، ومعاقبة الفساد بحزم، داخل الحزب وفي جميع إدارات الدولة ومناطق الحكم الذاتي، والحفاظ على وحدة الصين وتحقيق الرخاء لشعبها، وتعزيز التضامن مع شعوب العالم. فالصين اليوم هي القطب الاقتصادي الثالث في العالم، لكنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، في ظل مركزية حزبية صارمة لمواجهة تحديات العولمة.

ليست هناك تعليقات: