الأحد، 4 نوفمبر 2007

الصين.. الديمقراطية الاشتراكية للحكم والاقتصاد في عقيدة التقدم

صحيفة الوطن السورية
رشيد قويدر ـ كاتب فلسطيني
افتتح الرئيس الصيني هو جنتاو أعمال المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني يوم 15/10، بكلمة مطولة دعا فيها إلى تحقيق نمو اقتصادي أكثر توازناً، وإصلاحات سياسية «لا تعيد النظر بسلطة الحزب»، مؤكداً أن الصين «تمر بتحولات واسعة النطاق وشديدة العمق، ما يجلب فرصاً غير مسبوقة أيضاً» مشدداً على ضرورة التوصل إلى زيادة في إجمالي الناتج المحلي بمعدل أربعة أضعاف، خلال الفترة الممتدة بين العامين 2000 و2020
وردد في خطابه كلمة «ديمقراطية» أكثر من 60 مرة، وترسيخ الإصلاحات السياسية، مؤكداً أن «الإصلاح السياسي يجب أن يترسخ مع الديمقراطية على الطراز الاشتراكي، فهي الأساس»، وتماشياً مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالوتيرة الاشتراكية.
لقد حسم جنتاو والحزب الشيوعي الصيني مجمل التحليلات والاستخلاصات لمراكز الدراسات والأبحاث المختصة الأميركية التي انهالت في تعميم استخلاصاتها ودراساتها، ملخصها مفهوم «الديمقراطية» وفق منطق السياسة الأميركية تجاه الصين، المستندة إلى افتراضات ليبرالية أبرزها أن التعددية الاقتصادية ستدفع إلى تعددية سياسية، وأن آليات السوق لابد أن تقود إلى «الديمقراطية» على النحو الذي يُفهم به هذا المصطلح بالغرب، حين تطالب الطبقات المهيمنة بمزيد من الحريات والحقوق، الأمر الذي سترضخ له السلطات، وستؤدي إلى انهيارها في نقطة معينة من الزمن، كما انهارت في حالات مشابهة في التاريخ. وانطلاقاً من هذا المستوى النظري الغربي ينطلق التحليل بالحديث عن «الإصلاح والديمقراطية» في الصين، محاولة فهم تفكير الزعماء الحزبيين، كلما وردت في جولات نقاشهم المفتوحة كلمتا: الحرية والديمقراطية، أو طرق تحسين الأداء الحكومي.
وتغدو المفارقة في خصوصية السمات الصينية، فالاستثمارات الضخمة لرأس المال الغربي، والشركات الأميركية في الصين، ذاتها رفضت إعادة صياغة قانون العمل، لتأثيره بقوة على استثماراتها الضخمة وأرباحها هناك، أي انخراطها في السمات الصينية، فالنقابات تحت جناح الحزب وقبضته المحكمة، عمالاً ومديري مصانع. وبالإدراك أن انخفاض أجور الإنتاج والأيدي العاملة، هو صاحب التأثير الحاسم على الأسعار النهائية للمنتجات والمنافسة في السوق الدولي، الأمر الذي جعل الصين تعوم على بحرٍ من الدولارات، في براعة براغماتية، ومفهوم يسمح للرأسماليين الانضمام للحزب الشيوعي، إلى جانب العمال والفلاحين، بما يفقده الطابع الذي التصق فيه، وعلى حساب التابوهات والعقائد. وهذا التوجه مثله دينغ هسيا وبينغ الذي رأى أن على الحزب أن يركز حصرياً على التنمية الاقتصادية، ورفض أي محاولة للتغيير السياسي، وبقدرٍ من الانضباط والصرامة تفادياً لصعود شخصية مثل غورباتشوف الذي يتهمهه الشيوعيون الصينيون بخيانة الاشتراكية.
في صيف العام الماضي إبان احتفالات ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، دشن الرئيس الصيني، والأمين العام للحزب الشيوعي الحاكم هو جنتاو مفهومه الجديد، حول ماأطلق عليه «طبيعة التقدم»، لتحل مكان عقيدة سلفه جيانغ زيمين المستقاة من «التمثيل الثلاثي» الفضفاضة، والتي عنى بها زيمين أن على الحزب الشيوعي الصيني تمثيل المصالح الثلاث لقوى الإنتاج الرئيسية في المجتمع، والقوى الثقافية الفاعلة، فضلاً عن السواد الأعظم للمجتمع الصيني. لقد سبق ومثلت العقيدة الرسمية التي «لا يمكن الحياد عنها». خلف جنتاو زيمين عام 2002، واستلم منه قيادة القوات الصينية عام 2004.
لقد جاءت «التقدمية» غامضة وفضفاضةً أيضاً، في تحديد السياسات التي تصب في خانتها، وبالقياس على تفسير هو جنتاو لها، حين طلب تحويلها إلى عقيدة رسمية، والاشتقاق منها في رسم الخطوط العريضة للسياسة الصينية؛ بالتركيز على أن جوهر الفكر الماركسي يقوم على فكرة التقدمية، مؤكداً أنها ذاتها هي التي تعود لها النجاحات الباهرة التي حققتها الصين، في جميع المجالات وشتى الميادين، على يد الحزب الشيوعي، منذ المقاومة المستميتة للغزو الياباني، ثم الإطاحة بالكومنتانغ، وصولاً إلى الازدهار الاقتصادي في العقود الثلاثة الأخيرة، والتي لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الفكرة التقدمية. وعلى الدوام بحسب الرئيس الصيني؛ فإن التاريخ يستطيع الدفع قدماً بالمصالح المتبادلة للحزب والشعب على حدٍ سواء، وتطوير القدرات الإنتاجية وثقافة المجتمع، فضلاً عن مراعاة مصالح الأغلبية العظمى للشعب الصيني. وهكذا يجد مفهوم التقدمية نفسه في حالة خاصة، بالنظر له حين ينطلق من منظور ماركسي.. يمكن استشفاف «التقدم» الخاص بالصين، بالمقارنة المنهجية النقدية التاريخية، والصين المتأثرة جداً بتاريخها السحيق والحديث، وبالذات النصف الأول من القرن العشرين الذي عمّق النزعة القومية نتيجة الإحساس المتجذر بالمظالم التاريخية الأجنبية، دافعاً رؤيتها لدورها الأوسع والطبيعي في العالم بحكم مقوماتها، وفي توظيف لمغزى الاقتصاد ووضعه في مرتبة بالغة من الانضباط، وتلهف على أداء الواجب، كاحتياج وطني فعلي يمليه الحلم ببناء صين قوية، ويعكس ذلك الحساسية البالغة من أي نقد خارجي، بوصفه صورة بشعة للحيلولة دون تبوؤ مكانتها –الطبيعية- كقوة عظمى، وبالتأكيد هي مكانة طبيعية نظراً لمقوماتها.. لقد وظفت السلطات الحزبية هذا الإحساس ببراغماتية رفيعة، مقرونة بمظهر أعمق، جوهره اقتصاد يتطور بصورة دراماتيكية في المشهد الداخلي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومواصلة النمو الاقتصادي، مقروناً بقابلية وقدرة مفرطة للسلطة على التحرك الخارجي، واستغلال مميزات المحيط الأمني العالمي، مدفوعة بمحافظتها على السلم الدولي، وإستراتيجيتها للصعود السلمي التي تتيح لها التطور. الأمر الذي أفادها بصورة مذهلة إبان حقبة الحرب الباردة، منذ زيارة نيكسون التاريخية لبكين عام 1972، ثم الشراكة الإستراتيجية مع واشنطن.
لقد أدركت حينها، وبغريزة عميقة بأن الحرب الباردة، ونظام المواجهة الثنائي القطبي لا طائل منه، فهو مهلك بكلفته العالية، فضلاً عن مصلحتها في إضعاف المنافس الشيوعي لها الاتحاد السوفييتي في محاولة احتوائه، لكنها تأثرت بانهياره ومن ثم من الهزات الارتدادية الواسعة في الجيواستراتيجية التي أعقبت ذلك. وبالذات تعميق الصلات للنظام الأحادي القطبي مع اليابان المنافس الأول للصين، والذي بدأ مباشرةً بالضغط عليها، من أجل الدخول في حلبة المنافسة التي لم تنجر لها، في زيادة الإنفاق العسكري الخارج عن السيطرة، لكنها عملت على تحديث دفاعاتها دون الدخول في حرب باردة جديدة. وقامت بنقلات موازية نحو العلاقات الثنائية مع روسيا أولاً، والهند ثانياً، وشاركت وفعلت منظمات إقليمية «شنغهاي»، تعبيراً عن تخوفاتها من تطور التحالف الأميركي- الياباني, خاصةً مع مرور أحداث ومنها قصف السفارة الصينية في بلغراد عام 1999، الذي عمق الشكوك المشروعة حول الآخر وأهدافه الحقيقية وتصرفاته، دفعها للتجاوب مع محيط أمني إقليمي دولي متبدل، في حرص على توازن القوى في شرق آسيا، خاصةً بعد احتفاظ واشنطن بالسيادة على الأمن الإقليمي شرق آسيا- المحيط الهادئ، عبر منظومة تلعب بها دور المحور المركزي.
من موقع إدراكها للمحيط الدولي ولذاتها ودورها المستقبلي، رفعت تحركاتها نحو عالم متعدد الأقطاب، دون أن يستتبع ذلك تضحيات جمّة، فهي تدرك قدرتها الواقعية على تشكيل أحد الأقطاب، والمحكومة بروح المفاوضات بين النخب المتعددة، ومشروطاً بغياب ذهنية الحرب الباردة. فالتوسع قي التجارة يزيد من الخلافات على المصالح، والتي ينبغي أن تُحل بروح المفاوضات. وفي ترجمة عقيدة جنتاو على المستوى العملي، فقد أسس إستراتيجيتها على مجموعة «لاءات ونقيضها» وقوامها: «لا لاستعمال القوة، لا للهيمنة، لا للتكتلات، لا لسباق التسلح»، يقابلها «نعم لبناء الثقة. وتقليص الصعوبات، وتنمية التعاون، وتحاشي المواجهات»، العناوين التي رددها في جولاته في أميركا اللاتينية وأفريقيا، تعبيراً عن روح المفاوضات والتنافس، فالعلاقات الاقتصادية وتطويرها راهناً، هي التي تؤثر على تفكير التنين الصيني.
عشية المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني، أعيد انتخاب جنتاو زعيماً لولاية ثانية من خمس سنوات، وأُعيد تشكيل المسؤولين الكبار، وزادت حرارة النقاش المفتوح حول النهج والمواقف والايديولوجية، ولا يعني ذلك أن الصين بصدد تبني «الديمقراطية» حتى نظرياً على النمط الغربي، بقدر ما عنت توسيع الانتخابات الحزبية في هياكل بنية الحزب بدلاً من التعيينات، فدولة الحزب ترى أنها تحكم باسم الشعب، وطالما انتهجت الديمقراطية في تواصلها مع الشعب. وفي حين تعني «الديمقراطية» على النمط الغربي التنازل عن السلطة.
الصين بعد مؤسسها ماوتسي تونغ والثورة الثقافية، والامبريالية نمرٌ من ورق، ثم دخولها تحت عباءة دينغ هسياو بنغ ونظرته للانفتاح وقوة الاقتصاد، وبراغماتيته المعبرعنها في نظرية القط: «القط كان أبيض أم أسود يظل نافعاً، طالما بإمكانه اصطياد الفئران»، ثم زيمين وعقيدة «التمثيل الثلاثي»، وجنتاو و«طبيعة التقدم»، والحديث عن قيمة الديمقراطية لا تعني أن «الإصلاح» بطابعه ومفهومه الغربي بات ضمن أجندة الزعماء الصينيين، وأن التعددية الاقتصادية ستدفع إلى تعددية سياسية.
الفارق الوحيد راهناً، هو أنه بعد ماو ودينغ، لم تعد تحكم الصين من قبل زعماء لهم ذات الكاريزما.

ليست هناك تعليقات: