صحيفة الوقت البحرانية
مغازي البدراوي ـ خبير في شؤون روسيا وآسيا الوسطى
ظهرت لأول مرة فكرة تأسيس تحالف استراتيجي بين الدول الثلاث روسيا والصين والهند عندما طرحها رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف أثناء زيارته للهند العام ,1998 حيث صرح بريماكوف للصحافيين قائلا ‘’إن تأسيس مثل هذا التحالف هو الكفيل بتغيير موازين القوى العالمية لصالح السلام والأمن الدولي’’. وبالطبع لم يتعامل أحد مع هذا الطرح بجدية آنذاك، خصوصاً وأن العلاقات بين الهند والصين كانت سيئة للغاية بسبب الدعم الكبير الذي كانت تقدمه بكين لباكستان سياسيا وعسكريا. كما أن روسيا والصين كانتا العام 1998 تقريبا على العلاقات نفسها التي كانت بينهما في زمن الحرب الباردة، لا أصدقاء ولا أعداء، في الوقت الذي نمت فيه العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة لأعلى المستويات وأصبحت الاستثمارات الصينية تحتل المرتبة الأولى في السوق الاميركية والأوروبية أيضا، ومنحت واشنطن الصين حق الدولة الأولى بالرعاية وفتحت لمنتجاتها الأسواق العالمية، في الوقت نفسه لم يكن هناك ما يغري الصين للتقارب مع روسيا الضعيفة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يكن هناك سوى السلاح الروسي الذي تريده الصين؛ لأن الغرب لا يتعاون معها عسكريا ويريدها فقط شريكاً تجارياً.
فقط كانت العلاقات بين روسيا والهند هي التي يمكن القول عنها إنها جيدة ومتطورة، لكنها لا تكفي لتأسيس تحالف استراتيجي بين البلدين خاصة في ظل العلاقات الوثيقة والمتطورة بين الهند والولايات المتحدة الاميركية والتي تطورت في السنوات الماضية في مجالات عديدة وخاصة التكنولوجيا الحديثة. لكن هذا لم يمنع ولم يلغ خصوصية العلاقات بين موسكو ونيودلهي، هذه العلاقات التي احتفل هذا العام بمرور ستين عاما على تأسيسها العام .1947 وعلى مدى الستين عاما لم تشهد هذه العلاقات أية أزمات أو عوائق رغم نموها في مجالات حيوية مثل المجال العسكري، فقد ظلت العسكرية الهندية طوال النصف قرن الماضي، ومازالت تعتمد بشكل كبير على السلاح السوفييتي والروسي. والآن 70% من تسليح الجيش الهندي بجميع فصائله من السلاح الروسي، وكانت ومازالت هذه العلاقة تثير دهشة وتساؤل الكثيرين، حيث الهند الدولة الرأسمالية التوجه تميل بكل قوتها العسكرية نحو الاتحاد السوفييتي ومن بعده روسيا، والحقيقة أن أحدا حتى الآن لا يدري الأسباب وراء ذلك التوجه الذي وصفه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر ذات يوم بقوله ‘’إنه لغز.. الهند بلد العجائب’’.
لم تستطع إدارة الرئيس بوش اختراق العلاقات الروسية - الهندية في العام الماضي باتفاق التعاون النووي الأميركي - الهندي، هذا الاتفاق الذي رفض الكونجرس الأميركي التصديق عليه، وانهالت الانتقادات الحادة على الرئيس بوش لتوقيعه هذا الاتفاق لدرجة أن البعض وصفه بالجاهل، وقد صرح خبير الأسلحة الأميركي ‘’جوزف كيرنكن’’ عضو لجنة الأمن القومي في الكونغرس منذ أيام قائلا ‘’من السذاجة والجهل بالسياسة الدولية أن يوقع الرئيس بوش مع الهند مثل هذا الاتفاق، متصورا أنه سيقطع بذلك العلاقات بين روسيا والهند’’، ووصف كيرنكن العلاقات الهندية - الروسية بـ ‘’الزواج الكاثوليكي’’ الذي لا يمكن فصله ولا يمكن فهم أسرار قوته التي نمت على مدى ستين عاما منذ تأسيس العلاقات بين البلدين.
أيضا العلاقات الروسية - الصينية شهدت في السنوات القليلة الماضية تطورا ملحوظا خاصة في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم البلدين مع أربع دول من وسط أسيا هي كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزيا وطاجيكستان، هذه المنظمة التي تحولت مؤخرا إلى مصدر قلق وخوف كبير لواشنطن، خصوصاً بعد المناورات العسكرية الكبيرة التي اشتركت فيها دول المنظمة على الأراضي الروسية في مطلع الصيف الماضي، والتي طلبت الولايات المتحدة حضورها كمراقب ورفض طلبها بينما حضرها مراقبون من الهند وإيران. وكان العام 2005 قد شهد في شهر أغسطس/ آب أول مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين في تاريخهما، وكان حدثا مثيرا للدهشة والاهتمام البالغ؛ لأنه لم يسبق لهاتين الدولتين الكبيرتين أن أجريا أية نشاطات عسكرية مشتركة رغم أنهما كانتا تقودان العالم الاشتراكي ورغم أن الصين كانت تعتمد كثيرا على التقنيات العسكرية الروسية إلا أن النشاط العسكري لكل بلد من البلدين ظل سرا وحظرا على الآخر بسبب العديد من الخلافات بينهما حول مسائل حدودية وقضايا سياسية وأيضا خلافات أيديولوجية شيوعية.
لقد لعب الرئيس الروسي بوتين دورا كبيرا في تحسين العلاقات بين الهند والصين ونجح بالفعل في إقناع الصين بوقف تعاونها العسكري مع باكستان، والآن أصبحت العلاقات الهندية - الصينية في أفضل وضع لها في تاريخ البلدين، وأصبحتا أكبر المستوردين للسلاح والتقنيات العسكرية الروسية، حيث يستحوذان وحدهما معا على 70% من صادرات السلاح الروسي.
لكن يبقى السؤال: هل يكفي التعاون العسكري والعلاقات الطيبة بين الترويكا الآسيوية العملاقة لتأسيس تحالف استراتيجي وربما عسكري؟
هناك متغيرات وظروف جديدة ظهرت على الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول العام ,2001 هذه الظروف هي التي قربت البلدان الثلاثة وطرحت من جديد فكرة التحالف الاستراتيجي بينهم. لقد ظهر خطر مشترك واضح لهذه الدول الثلاث وهو الوجود العسكري المكثف للولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو في القارة الآسيوية وخصوصاً في منطقة وسط آسيا المشتركة بينهم، وارتباطا بهذا الخطر ظهر خطر جديد في المنطقة وهو الإرهاب المتطرف ‘’العابر للقارات’’ والذي يستهدف أمن دول المنطقة واستقرارها، ولدى الدول الثلاث اعتقاد مشترك يرقى لليقين بأن واشنطن هي الداعم والمحرك لهذا الإرهاب الدولي، ولهذا اتفقوا ثلاثتهم على تسميته بـ ‘’العابر للقارات’’ كتسمية مرتبطة بالمؤسسات الأميركية العملاقة، وكل من الدول الثلاث يشعر بأنه مستهدف، آجلا أو عاجلا، من هذا الإرهاب، وقد ورد هذا في تصريحات قادة الدول الثلاث أكثر من مرة، ونذكر هنا قرار قمة منظمة شنغهاي العام 2005 بطرد القواعد الأميركية من وسط آسيا، وبناء عليه تم طرد القاعدة من أوزبكستان في العام نفسه وبقيت الثانية في قيرغيزيا على وشك الخروج قريبا.
الآن يمكن القول إن التحالف الثلاثي بين روسيا والصين والهند أصبح أمرا محتملا إن لم يكن قد بدأ يخطو الخطوات الأولى نحو تنفيذه، ويعكس ذلك اللقاءات المكثفة بين وزراء خارجية الدول الثلاث، والتي تتم في الغالب خلف أبواب مغلقة لا يعلم أحد مضمونها، وكان آخرها لقاءهم في الرابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في مدينة هاربين الصينية، ولم يجد الصحافيون لدى الوزراء الثلاثة أية إجابة واضحة ومحددة حول سؤال التحالف بينهم، لكن ثلاثتهم اتفقوا على تأييدهم المطلق لنظام عالمي متعدد الأقطاب، والتعاون في مواجهة التهديدات العالمية المعاصرة ورفض هيمنة القطب الواحد.
مغازي البدراوي ـ خبير في شؤون روسيا وآسيا الوسطى
ظهرت لأول مرة فكرة تأسيس تحالف استراتيجي بين الدول الثلاث روسيا والصين والهند عندما طرحها رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف أثناء زيارته للهند العام ,1998 حيث صرح بريماكوف للصحافيين قائلا ‘’إن تأسيس مثل هذا التحالف هو الكفيل بتغيير موازين القوى العالمية لصالح السلام والأمن الدولي’’. وبالطبع لم يتعامل أحد مع هذا الطرح بجدية آنذاك، خصوصاً وأن العلاقات بين الهند والصين كانت سيئة للغاية بسبب الدعم الكبير الذي كانت تقدمه بكين لباكستان سياسيا وعسكريا. كما أن روسيا والصين كانتا العام 1998 تقريبا على العلاقات نفسها التي كانت بينهما في زمن الحرب الباردة، لا أصدقاء ولا أعداء، في الوقت الذي نمت فيه العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة لأعلى المستويات وأصبحت الاستثمارات الصينية تحتل المرتبة الأولى في السوق الاميركية والأوروبية أيضا، ومنحت واشنطن الصين حق الدولة الأولى بالرعاية وفتحت لمنتجاتها الأسواق العالمية، في الوقت نفسه لم يكن هناك ما يغري الصين للتقارب مع روسيا الضعيفة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يكن هناك سوى السلاح الروسي الذي تريده الصين؛ لأن الغرب لا يتعاون معها عسكريا ويريدها فقط شريكاً تجارياً.
فقط كانت العلاقات بين روسيا والهند هي التي يمكن القول عنها إنها جيدة ومتطورة، لكنها لا تكفي لتأسيس تحالف استراتيجي بين البلدين خاصة في ظل العلاقات الوثيقة والمتطورة بين الهند والولايات المتحدة الاميركية والتي تطورت في السنوات الماضية في مجالات عديدة وخاصة التكنولوجيا الحديثة. لكن هذا لم يمنع ولم يلغ خصوصية العلاقات بين موسكو ونيودلهي، هذه العلاقات التي احتفل هذا العام بمرور ستين عاما على تأسيسها العام .1947 وعلى مدى الستين عاما لم تشهد هذه العلاقات أية أزمات أو عوائق رغم نموها في مجالات حيوية مثل المجال العسكري، فقد ظلت العسكرية الهندية طوال النصف قرن الماضي، ومازالت تعتمد بشكل كبير على السلاح السوفييتي والروسي. والآن 70% من تسليح الجيش الهندي بجميع فصائله من السلاح الروسي، وكانت ومازالت هذه العلاقة تثير دهشة وتساؤل الكثيرين، حيث الهند الدولة الرأسمالية التوجه تميل بكل قوتها العسكرية نحو الاتحاد السوفييتي ومن بعده روسيا، والحقيقة أن أحدا حتى الآن لا يدري الأسباب وراء ذلك التوجه الذي وصفه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر ذات يوم بقوله ‘’إنه لغز.. الهند بلد العجائب’’.
لم تستطع إدارة الرئيس بوش اختراق العلاقات الروسية - الهندية في العام الماضي باتفاق التعاون النووي الأميركي - الهندي، هذا الاتفاق الذي رفض الكونجرس الأميركي التصديق عليه، وانهالت الانتقادات الحادة على الرئيس بوش لتوقيعه هذا الاتفاق لدرجة أن البعض وصفه بالجاهل، وقد صرح خبير الأسلحة الأميركي ‘’جوزف كيرنكن’’ عضو لجنة الأمن القومي في الكونغرس منذ أيام قائلا ‘’من السذاجة والجهل بالسياسة الدولية أن يوقع الرئيس بوش مع الهند مثل هذا الاتفاق، متصورا أنه سيقطع بذلك العلاقات بين روسيا والهند’’، ووصف كيرنكن العلاقات الهندية - الروسية بـ ‘’الزواج الكاثوليكي’’ الذي لا يمكن فصله ولا يمكن فهم أسرار قوته التي نمت على مدى ستين عاما منذ تأسيس العلاقات بين البلدين.
أيضا العلاقات الروسية - الصينية شهدت في السنوات القليلة الماضية تطورا ملحوظا خاصة في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم البلدين مع أربع دول من وسط أسيا هي كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزيا وطاجيكستان، هذه المنظمة التي تحولت مؤخرا إلى مصدر قلق وخوف كبير لواشنطن، خصوصاً بعد المناورات العسكرية الكبيرة التي اشتركت فيها دول المنظمة على الأراضي الروسية في مطلع الصيف الماضي، والتي طلبت الولايات المتحدة حضورها كمراقب ورفض طلبها بينما حضرها مراقبون من الهند وإيران. وكان العام 2005 قد شهد في شهر أغسطس/ آب أول مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين في تاريخهما، وكان حدثا مثيرا للدهشة والاهتمام البالغ؛ لأنه لم يسبق لهاتين الدولتين الكبيرتين أن أجريا أية نشاطات عسكرية مشتركة رغم أنهما كانتا تقودان العالم الاشتراكي ورغم أن الصين كانت تعتمد كثيرا على التقنيات العسكرية الروسية إلا أن النشاط العسكري لكل بلد من البلدين ظل سرا وحظرا على الآخر بسبب العديد من الخلافات بينهما حول مسائل حدودية وقضايا سياسية وأيضا خلافات أيديولوجية شيوعية.
لقد لعب الرئيس الروسي بوتين دورا كبيرا في تحسين العلاقات بين الهند والصين ونجح بالفعل في إقناع الصين بوقف تعاونها العسكري مع باكستان، والآن أصبحت العلاقات الهندية - الصينية في أفضل وضع لها في تاريخ البلدين، وأصبحتا أكبر المستوردين للسلاح والتقنيات العسكرية الروسية، حيث يستحوذان وحدهما معا على 70% من صادرات السلاح الروسي.
لكن يبقى السؤال: هل يكفي التعاون العسكري والعلاقات الطيبة بين الترويكا الآسيوية العملاقة لتأسيس تحالف استراتيجي وربما عسكري؟
هناك متغيرات وظروف جديدة ظهرت على الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول العام ,2001 هذه الظروف هي التي قربت البلدان الثلاثة وطرحت من جديد فكرة التحالف الاستراتيجي بينهم. لقد ظهر خطر مشترك واضح لهذه الدول الثلاث وهو الوجود العسكري المكثف للولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو في القارة الآسيوية وخصوصاً في منطقة وسط آسيا المشتركة بينهم، وارتباطا بهذا الخطر ظهر خطر جديد في المنطقة وهو الإرهاب المتطرف ‘’العابر للقارات’’ والذي يستهدف أمن دول المنطقة واستقرارها، ولدى الدول الثلاث اعتقاد مشترك يرقى لليقين بأن واشنطن هي الداعم والمحرك لهذا الإرهاب الدولي، ولهذا اتفقوا ثلاثتهم على تسميته بـ ‘’العابر للقارات’’ كتسمية مرتبطة بالمؤسسات الأميركية العملاقة، وكل من الدول الثلاث يشعر بأنه مستهدف، آجلا أو عاجلا، من هذا الإرهاب، وقد ورد هذا في تصريحات قادة الدول الثلاث أكثر من مرة، ونذكر هنا قرار قمة منظمة شنغهاي العام 2005 بطرد القواعد الأميركية من وسط آسيا، وبناء عليه تم طرد القاعدة من أوزبكستان في العام نفسه وبقيت الثانية في قيرغيزيا على وشك الخروج قريبا.
الآن يمكن القول إن التحالف الثلاثي بين روسيا والصين والهند أصبح أمرا محتملا إن لم يكن قد بدأ يخطو الخطوات الأولى نحو تنفيذه، ويعكس ذلك اللقاءات المكثفة بين وزراء خارجية الدول الثلاث، والتي تتم في الغالب خلف أبواب مغلقة لا يعلم أحد مضمونها، وكان آخرها لقاءهم في الرابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في مدينة هاربين الصينية، ولم يجد الصحافيون لدى الوزراء الثلاثة أية إجابة واضحة ومحددة حول سؤال التحالف بينهم، لكن ثلاثتهم اتفقوا على تأييدهم المطلق لنظام عالمي متعدد الأقطاب، والتعاون في مواجهة التهديدات العالمية المعاصرة ورفض هيمنة القطب الواحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق