الأحد، 4 نوفمبر 2007

عطـش الصين إلى الطاقة والمــواجهـة المؤجـلـة مع أميركا

صحيفة الوطن السورية
مروان قبلان
من بين كل الدول الكبرى على الساحة الدولية ظلت الصين – وحتى وقت قريب - تحظى بأقل درجة من الاهتمام في أوساط المثقفين والسياسيين العرب. وقد ترسخ هذا التوجه نتيجة الدبلوماسية الصامتة التي تبنتها بكين في المواجهات السياسية التي دارت في أروقة الأمم المتحدة قبل وأثناء التحضير لغزو العراق ومؤخراً حول حزمة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بخصوص الملف النووي الإيراني وأزمة دارفور وغيرها من القضايا الدولية الساخنة.إضافة إلى ذلك، حاولت الصين منذ أحداث 11 أيلول 2001 أن تبقى بعيدة عن الأضواء رغم كونها أكثر المستفيدين من الضربات التي أوجعت الولايات المتحدة.فهي من جهة خرجت من قائمة أعداء أميركا التي كانت تصدرتها منذ مجيء إدارة بوش إلى السلطة. كما استغلت، من جهة أخرى، الهجمات على أميركا لتضرب بيد من حديد على حركة الايغور الانفصالية في إقليم سينكيانغ - تركستان الشرقية- ذات الأغلبية المسلمة بعد أن أقنعت واشنطن بضم هذه الأخيرة إلى قائمة التنظيمات الإرهابية. لكن النمو الاقتصادي السريع للصين وتزايد اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية (النفط والغاز) واتباعها دبلوماسية غرضها تأمين احتياجاتها المحلية من هذه المادة الحيوية أعادها إلى دائرة الاهتمام الأميركي بسرعة حتى إن أحد الأسباب الاستراتيجية البعيدة المدى للاحتلال الأميركي للعراق كان - بحسب الكثير من المراقبين - السيطرة على منابع الطاقة وخطوط إمدادها وجهة تصديرها وذلك لإبقاء التنين الصيني الذي بدأ يصحو تحت السيطرة.في هذه الأثناء كانت كل التوقعات تشير إلى أن مركز الثقل العالمي وساحة صراع الإرادات بين القوى العظمى خلال القرن الحادي والعشرين ستكون في آسيا وتحديداً على شواطئ الباسفيك بعد نحو قرنين من الصراع في القارة الأوروبية وعليها. في تلك المنطقة تتجمع قوى العالم الرئيسة على المستويين العسكري والاقتصادي، فإضافة إلى الولايات المتحدة هناك الصين، اليابان وروسيا وعلى مقربة من الجميع يقبع العملاق الهندي الصاعد.من بين كل هذه الدول أخذت الصين تحظى بدرجة كبيرة من الاهتمام لأسباب اقتصادية وتقنية وعسكرية إضافة إلى قوتها الديمغرافية الهائلة وهو أمر أخذ يسبب قلقاً متزايداً في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة خصوصاً. فالصين تشكل، في منظور الاستراتيجيين الأميركيين، التحدي الأكبر للولايات المتحدة في هذا القرن. فبعدما اضطرت أميركا في النصف الثاني من القرن العشرين لمواجهة منافسين في المجال الاقتصادي (اليابان وألمانيا) وأعداء في المجال السياسي - العسكري (الاتحاد السوفييتي السابق) تواجه اليوم قوة عظمى صاعدة تحوز القوتين السياسية - العسكرية والاقتصادية في آن. وما زاد من حدة المخاوف الغربية تجاه العملاق الصيني الصاعد هو السياسة النفطية التي ينتهجها.العملاق الصيني والعطش إلى الطاقةبعد عشرين عاماً على بدء سياسة التحديث والانفتاح التي قادها دينغ شياو بينغ، تحولت الصين في عام 2005 إلى رابع أكبر عملاق اقتصادي في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا متجاوزة بذلك فرنسا وبريطانيا. وهي تنتقل الآن، بسرعة، من بلد مصدر للسلع الرخيصة إلى عملاق استهلاكي يستورد كل شيء، من الطاقة وخامات المعادن إلى أجهزة التلفزيون والكمبيوتر. وتحتل الصين المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة واليابان في استهلاك السلع الكمالية والسيارات، كما أنها أكبر سوق للهاتف الجوال في العالم (400 مليون مستخدم). وتنتج الصين ما نسبته أربعة في المئة من إجمالي الناتج العالمي، أي إنها تشكل نحو سبع الاقتصاد الأميركي وثلث الاقتصاد الياباني. وفي حال استمرت معدلات النمو الاقتصادية الحالية (11 في المئة خلال الشهور الثلاثة الأولى من عام 2007) فإن حجم الاقتصاد الصيني سيساوي نظيره الأميركي بحلول عام 2020، ولاسيما في ظل العجز الهائل في الموازنة الأميركية الذي وصل إلى 550 بليون دولار، والعجز في الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين، الذي بلغ 202 بليون دولار عام 2006 لمصلحة بكين.ورغم نموها الاقتصادي المذهل تعاني الصين من نقاط ضعف عديدة مثل اعتمادها الكبير على الصادرات من خلال الاستثمار في الصناعة بدلا من تشجيع الاستهلاك المحلي ما يجعلها معتمدة كلياً على الأسواق الخارجية والمستهلك الأجنبي. لكن الخطر الرئيس على الصين هو اعتمادها شبه الكلي على واردات الطاقة الخارجية في مناطق تسيطر عليها كلياً أو جزئياً القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة.فقد تحولت القارة الآسيوية خلال السنوات القليلة الماضية إلى مستهلك رئيس للطاقة وهي تستهلك اليوم 40 بالمئة من مجمل الإنتاج العالمي. وبينما ازداد استهلاك العالم من النفط في عام 2004 بنسبة 3 بالمئة فإن استهلاك آسيا ازداد بنسبة 5 بالمئة. وتعتبر الصين المستهلك الأول بين مجموعة الدول الآسيوية فهي تستورد 40 بالمئة من احتياجاتها من الخارج أي ما يعادل 7% من مجمل استهلاك العالم أو 6.5 ملايين برميل يوميا متجاوزة بذلك اليابان التي ظلت حتى العام الماضي ثاني أكبر مستهلك. وستتضاعف هذه النسبة حتى عام 2020 حيث يأمل المسؤولون الصينيون حينها أن تكون البلاد قد ضاعفت ناتجها القومي بمقدار أربع مرات مقارنة بعام 2000. وبحسب دراسة لنشرة بيترو ستراتيجيز الفرنسية فإن عدد سكان الصين يبدأ بالتراجع فقط بعد بلوغه 1.5 بليون نسمة وذلك في حدود عام 2030. لكن المشكلة هي أن الصين تستهلك الكثير من الطاقة مقارنة بنموها الاقتصادي. وإذا كان الناتج المحلي القومي الصيني يمثل 4 في المئة فقط من إجمالي الناتج العالمي، فإن استهلاكها للطاقة يبلغ 12 في المئة من الاستهلاك العالمي ما دفع الحزب الشيوعي الحاكم - في مؤتمر عام 2005 - إلى اتخاذ قرار بخفض استهلاك الطاقة بحدود 20 في المئة حتى عام 2010.كما يفكر المسؤولون الصينيون بإقامة مخزون نفطي استراتيجي شبيه بالاحتياطي الأميركي يساوي ما بين 90 و180 يوماً من الاستيراد. وهو مشروع طموح جداً إذا اعتبرنا أن الواردات النفطية الصينية قد تزيد على 10 ملايين برميل يومياً حتى عام 2030، ما يتطلب إنشاء خزانات تتسع ما بين 900- 1800 مليون برميل من النفط علماً أن المشاريع الحالية لا تتعدى أربع مناطق بقدرة تخزين أولية لا تتعدى 100 مليون برميل.من ناحية ثانية، تسعى الصين إلى تشجيع استخدام مصادر بديلة للطاقة، مع التأكيد على اهتمامها بحماية البيئة. وحتى لا تخضع لأي نوع من أنواع الابتزاز الخارجي بسبب حاجتها إلى النفط المستورد، أخذت الصين- التي بدأ يتضاءل اعتمادها على الفحم الحجري المحلي- تسعى إلى زيادة الاعتماد على محطات الطاقة النووية والهيدرو- كهربائية وطاقة الرياح والسدود وهي تخطط لبناء نحو 30 محطة نووية جديدة لتوليد الطاقة حتى عام 2020 ،مع ذلك لا يتوقع أن تغطي الطاقة النووية أكثر من 4 بالمئة من احتياجات الصين من الطاقة حتى عام 2010 إضافة إلى 5 بالمئة أخرى من قوة الرياح والطاقة الشمسية. وإذا استمر النمو الاقتصادي على معدلاته الحالية فإن حاجة الصين من النفط سوف تزداد بشكل كبير لتفوق حاجة الولايات المتحدة بحلول عام 2020.كما حاولت الصين- التي يبلغ احتياطها المؤكد من النفط نحو 18 مليار برميل- تقليل اعتمادها على النفط المستورد من خلال تطوير حقولها المحلية، لكنها لم تحقق نجاحاً ملحوظاً حتى الآن. فقد أعلنت الصين أن وارداتها من النفط انخفضت في عام 2005 بنسبة 5 بالمئة إلى 953 مليون برميل بينما ارتفع الإنتاج المحلي بنسبة 3.7 بالمئة إلى 1.27 مليار برميل، لكن هذا الأمر غير قابل للتكرار في المستقبل - حسب معظم الخبراء. وتعتبر واردات النفط الصينية واحدة من الأسباب التي أدت إلى رفع الأسعار إلى مستويات قياسية لتتجاوز حاجز الـ90 دولاراً للبرميل خلال الأسابيع الأخيرة.دبلوماسية الصين النفطيةمنذ عام 1993 بدأت الصين تتحول إلى مستورد كبير للنفط وذلك بعد أن شهد نموها الاقتصادي ارتفاعاً كبيراً جعل احتياطياتها المحلية عاجزة عن تلبية حاجاتها، فالتوسع الكبير في الصناعة وارتفاع مستوى دخل الفرد الذي أدى بدوره إلى حمى واضحة لشراء السيارات إضافة إلى انتشار وسائل الاتصال الحديثة والأجهزة الكهربائية التي لم تكن منتشرة بكثرة في السابق كل ذلك أدى إلى ارتفاع استهلاك الطاقة إلى مستويات قياسية.وقد دفع قلق الصين جراء تزايد اعتمادها على النفط المستورد إلى زيادة استثماراتها في حقول النفط في مختلف دول العالم (الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى إضافة إلى أميركا اللاتينية) لتلبية احتياجات اقتصادها المتنامي. والمعروف أن الصين تشتري حالياً ما يعادل ثلث حاجاتها من الخارج، ويتوقع أن يرتفع المعدل إلى 50 في المئة عام 2020 وإلى 80 في المئة عام 2030 الأمر الذي يهدد الأمن الاستراتيجي للصين.وقد أدى اعتماد الصين على نفط مناطق لا تسيطر على طرق ملاحتها الخارجية خاصة في الخليج العربي إلى حالة من الذعر بين القادة الصينيين بسبب تخوفهم من التعرض لابتزاز الغرب وتحديداً الولايات المتحدة. لذلك، قامت شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، أكبر الشركات الحكومية الصينية، بتوقيع عقد قيمته 4.2 مليار دولار مع اكبر الشركات المنتجة في كازاخستان لتزويدها بالنفط عن طريق الأنابيب وذلك في آب عام 2005.وتحاول الصين منذ عام 2000 تنويع مصادر الطاقة المستوردة حيث استثمرت ما قيمته 40 مليار دولار في حقول النفط في أنغولا وكازاخستان والإكوادور ونيجيريا وإيران وميانمار والسودان. ويدل هذا التنوع في عمليات الاستثمار الخارجية إلى رغبة الصين في تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط الذي تسيطر أميركا على طرقه البحرية. فمعظم واردات الصين من الشرق الأوسط تمر عبر مضيق مالاقا الذي يشهد 40 بالمئة من حوادث القرصنة في العالم ويعاني من ازدحام شديد في حركة عبور السفن. أما الطريق الآخر الذي يمكن أن يسلكه النفط العربي إلى الصين فهو عبر بحر اندامان إلى ميانمار حيث يتم نقله بشاحنات إلى الصين لكن هذا الأمر يعتمد على تعاون الهند والولايات المتحدة اللتين تشهد علاقاتهما تقارباً متزايداً يثير قلق الصينيين.وقد دفعت حاجة الصين المتزايدة إلى مصادر الطاقة بالشركات الصينية إلى الإبحار بعيداً نحو فنزويلا وأستراليا. ووقعت الشركات الصينية خلال السنة الماضية على عقود وصلت قيمتها إلى سبع مليارات دولار في أوزبكستان ونيجيريا وسورية. وتجري حالياً مفاوضات بين شركة (CNPC) الحكومية النفطية الصينية لتوقيع عقد بقيمة ملياري دولار لاستثمار حقول نفطية جديدة في كازاخستان.ويبدو أن الصين تتبع استراتيجية «اذهب حيث يوجد النفط” ففي شهر كانون الثاني 2006 وقعت شركة (CNOOC) عقداً بقيمة 2.3 مليار دولار لاستثمار مجموعة من حقول النفط النيجيرية وفي كانون الأول 2005 وقعت شركة (CNPC) عقداً مشتركاً مع تجمع شركات هندية لاستثمار حقول النفط السورية بقيمة 567 مليون دولار. كما وقعت الصين اتفاقاً مع الحكومة الهندية في كانون الثاني 2006 لتبادل المعلومات حول الاستثمارات النفطية في الخارج وذلك لتفادي الدخول في حرب أسعار مكلفة لشراء أو استثمار حقوق النفط في مناطق العالم المختلفة.ويرى الخبراء الغربيون أن الصين لا تسعى فقط إلى مجرد شراء إنتاج الحقول لفترة زمنية محددة بل تسعى أيضاً إلى شراء حقول النفط بكاملها. كما أن الصين لا تركز جهودها فقط على شراء النفط من الأسواق العالمية وإنما على شراء حصص نفطية في حقول وشركات أجنبية. ويبدو أن بكين مستمرة في هذه السياسة رغم مخاطرها الكبيرة الناجمة عن حالة عدم الاستقرار التي تسود معظم الدول المنتجة للنفط. وقد عانت الصين من هذه المشكلة عندما خسرت عقداً بقيمة 1.2 مليار دولار لتطوير حقل نفطي عراقي مع نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بسبب الغزو الأميركي.
تستورد الصين ثلثي وارداتها النفطية من الشرق الأوسط ما يشكل تهديدا لأمنها الاستراتيجي بسبب الهيمنة الأميركية وحالة عدم الاستقرار التي تعاني منها المنطقة.
فالنفط الذي تستورده الصين يمر عبر الطرق البحرية التي تفصل بين شنغهاي ومضيق هرمز الواقع تحت سيطرة قوات البحرية الأميركية. وهذا ما يفسر سعي بكين للفكاك من ربق «الحصار» الأميركي عبر إقامة علاقات وثيقة مع دول نفطية لا تتسم علاقاتها بالود تجاه واشنطن وأيضاً لفتح مزيد من نقاط العبور عبر ممرات لا تسيطر عليها أميركا كما هو الحال في آسيا الوسطى. وتسود مشاعر قلق واضحة في أوساط أميركية بسبب قيام الصين بشراء النفط في دول ليست صديقة للغرب ما يؤدي من جهة إلى إغلاق الباب أمام الاحتكارات الغربية وإلى التأثير في سياسة الصين الخارجية اتجاه هذه الدول من جهة أخرى.
إن العلاقات التي بدأت تنسجها الصين مع دول غير صديقة للغرب أخذت تثير مخاوف واشنطن التي تخشى أن تترجم تلك العلاقات إلى تحالفات سياسية ضدها. وأكثر ما يثير قلق الولايات المتحدة في هذا الشأن هو العلاقات الصينية مع إيران.
ففي عام 2004، وقع البلدان اتفاقاً تشتري بموجبه بكين ما قيمته 70 بليون دولار من الغاز والنفط الإيرانيين على مدى 30 عاما. وطبقاً لهذا الاتفاق يساهم الصينيون في استثمار آبار يادفاران الواقعة قرب الحدود العراقية، كما تأمل بكين في المشاركة في بناء مشروع خط للأنابيب ينقل نفط هذه الآبار من إيران وحتى بحر قزوين، ليمكنها لاحقاً الاتصال مع خط الأنابيب الآخر الذي يربط كازاخستان بالصين الغربية. وقد أحيا الاتفاق الأميركي لآسيا الوسطى مخاوف بكين حيال الطرق القارية البديلة التي يغذيها قلق الصينيين من الوقوع بين فكي كماشة من الشرق والغرب. من هنا عملت بكين وطهران اللتان تواجهان الاستهداف نفسه على مواجهة الاندفاع الأميركي في المنطقة.
وسط هذا التنافس المحموم لم يكن مستغرباً أن تعارض بكين فرض عقوبات على طهران، بينما تعتبر أوساط الإدارة الأميركية أن الموقف الصيني يؤدي إلى زيادة حدة التوتر في منطقة الخليج ويشجع إيران على التصلب في مواقفها، ما ساهم بدوره في رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية ليزيد سعر البرميل على الـ90 دولارا.
ولا تقتصر الانتقادات الأميركية للصين على موقف الأخيرة من الأزمة النووية الإيرانية، إذ تتهم واشنطن بكين بالتقصير في مساعدة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على كوريا الشمالية فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وبإقامة شبكة دولية من التحالفات مع دول نفطية تصفها واشنطن بأنها معادية مثل السودان وزيمبابوي وفنزويلا كـجزء من استراتيجية تستهدف تقويض المصالح الأميركية، بحسب نائب وزير الخارجية الأميركي السابق روبرت زوليك.
ولعل أكثر ما يقلق واشنطن هو حجم الحضور الصيني القوي في أفريقيا، ففي العقد الأخير من القرن العشرين، وبعد انتقال الصين إلى ما يشبه النظام الرأسمالي في الاقتصاد والانفتاح الكبير على العالم، بدأت بكين تتخلى عن سياسة تقديم المساعدات لأغراض سياسية في أفريقيا، وأصبحت تركز على العلاقات التجارية بدلاً من ذلك. وقد شهدت الصادرات الصينية إلى دول أفريقيا طفرة قوية خلال الأعوام القليلة الماضية، فبينما وصل الحجم الإجمالي للتجارة البينية الصينية- الإفريقية عام 2000 إلى 10.6 بليون دولار قفز حجم التبادل عام 2005 ليبلغ نحو 29.46 بليون دولار.
وقد اندفع الصينيون منذ عام 2004 نحو التنقيب عن النفط على طول ساحل نيجيريا وفي موريتانيا والسودان والغابون وأنغولا. وتعتبر الصين اليوم المستورد الأول للنفط السوداني والأنغولي، وهي تستورد نحو 30 بالمئة من حاجاتها النفطية من أفريقيا، ما يضعها في حالة صدام مع الولايات المتحدة. وما يزيد القلق الغربي أن الحضور الصيني لم يعد مقتصراً على شراء المواد الأولية أو التزود بالنفط، إذ دخلت الشركات الصينية حلبة المنافسة الدولية مع الشركات الغربية في قطاعات المواد الطبية والأدوية والاتصالات.
كما اخذ التقارب النفطي الصيني- السعودي الذي بلغ ذروته العام الماضي يثير قلقا متزايدا في واشنطن، إذ أعربت السعودية عن استعداداها للإسهام في بناء الاحتياط النفطي الإستراتيجي الصيني البالغ 100 مليون طن والمقرر تخزينه في جزيرة هاينان. والمعروف أن شركتي «ساينوبيك» الصينية و»ارامكو» السعودية تستثمران ما بين ستة وثمانية مليارات دولار في بناء مصاف نفطية في إقليم فوجيان ومدينة تشنغداو الساحلية في الصين. كما أعلن أخيراً عن إنشاء تكتل شركات صينية وسعودية برأسمال قدره ستة مليارات دولار لإنشاء مصانع ومجمعات ضخمة لإنتاج البتروكيماويات. وتسعى الصين حالياً إلى إقناع السعودية بإزالة الفروقات بين أسعار النفط المصدر إلى الولايات المتحدة وأوروبا وذلك المصدر إلى الصين، بينما تسعى السعودية إلى إقناع بكين بزيادة وارداتها غير النفطية من المملكة.
ونتيجة هذا التقارب حذر باحثون أميركيون إدارة الرئيس بوش من «الزحف الصيني» على السعودية ومن احتمالات أن تفقد واشنطن نفوذها في مناطق مختلفة ومهمة لمصلحة بكين. كما تابعت المؤسسات الدبلوماسية والأكاديمية الإيرانية الاتفاق السعودي-الصيني عن كثب، وخصوصاً أن طهران تعول على الموقف الصيني في مجلس الأمن بعد إحالة ملفها النووي إليه. وتخشى إيران من أن تنجح السعودية التي تزود الصين بنحو 17 بالمئة من احتياجاتها النفطية في إقناع بكين بتبني مفهومها لأمن الخليج أو في انتزاع تفهم صيني للقلق الخليجي من البرنامج النووي الإيراني.
موقع إيران
في دبلوماسية الصين النفطية
رغم سعي كل من الصين وأميركا إلى «تنظيم» التنافس بينهما على الساحة الدولية في ضوء طموحاتهما السياسية والاقتصادية التي تتأرجح بين المصالح الكبيرة المتبادلة والمخاوف الإستراتيجية المستمرة، إلا أن خلافاتهما العميقة حول جملة من القضايا الإقليمية والدولية ظلت تحول دون ذلك ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط والخليج. فالصين وروسيا، العضوان الدائما العضوية في مجلس الأمن، لا يزالان يرفضان فرض عقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي. وتتمترس بكين خلف موسكو في هذه القضية دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية في إيران. وحتى الآن مازال البلدان على خلاف مع أوروبا والولايات المتحدة فيما يخص البرنامج النووي الإيراني. ويعود موقفهما هذا إلى أسباب تخص كل منهما على حدة لكنها تتلاقى على حيوية المصالح التي تجمعهما بإيران.
فالصين ترتبط بعلاقات تعاون مع إيران منذ فترة طويلة كما تبيعها تقنيات عسكرية متنوعة في مقدمها الصواريخ المضادة للسفن. وهناك آفاق واسعة للعلاقات الثنائية في المستقبل القريب، في ظل حاجة طهران إلى الخبرات الصينية في تشييد البنى التحتية. لكن السبب الأهم الذي يشد الصين إلى إيران هو الطاقة. فإيران تسيطر على واحد من أكثر المواقع حساسية في خرائط النفط والغاز العالمي، ليس فقط لتحكمها بحقول ضخمة على بحر قزوين والخليج العربي، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يسمح للصين بإيجاد بدائل برية ممكنة للطرق البحرية المحفوفة بالمخاطر.
وتمد إيران الصين بنحو 15 بالمئة مما تستهلكه الصناعات الصينية من النفط، وهي أكبر مورد للطاقة إلى الصين بعد السعودية. وتعتبر إيران أحد أضلاع أمن الطاقة بالنسبة للصين إذ وقع البلدان عام 2004 مذكرة تفاهم تبيع بمقتضاها إيران 250 مليون طن من الغاز المسال إلى الصين لمدة 30 عاما بمبلغ قدره 70 بليون دولار، إلى جانب استثمارات صينية مهمة في قطاع الطاقة الإيراني.
كما تمكنت الصين من الاتفاق مع إيران على شراء نحو نصف ما تنتجه حقول يادفاران من النفط في منطقة الأهواز جنوب غربي إيران. وقد دفعت هذه الخطوة الصين - نتيجة التزام إيران تقديم 150 ألف برميل يومياً لبكين ولمدة ربع قرن بأسعار السوق - إلى مرحلة مهمة في تأمين حاجتها الشرهة للنفط فيما وراء البحار. ولشركات الصين النفطية استثمارات كبرى في إيران، خصوصاً في قطاع البتروكيماويات ومد شبكات الغاز الطبيعي.
والصين التي يتزايد استهلاكها من الغاز بمعدل 14.7 بالمئة سنوياً ومن النفط بمعدل 15.4 بالمئة سنوياً تسرع الخطا نحو إيران أمام منافسيها التقليديين. فالهند، الأقرب جغرافيا إلى إيران، تسعى إلى استيراد مزيد من الغاز عبر خط يمر بباكستان، تصل تكلفته إلى 3 بلايين دولار، ولكن المشروع المقترح يلقى معارضة شديدة من واشنطن. كما أن اليابان، وهي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، تتلقى بحذر تحذيرات واشنطن بعدم التعاون النفطي مع طهران. وعلى الرغم من أن البلدين اتفقا في كانون الثاني (يناير) عام 2003 على قيام الشركات اليابانية بالتنقيب في حقل ازاديغان، إلا أن الاتفاق النهائي على البدء الفعلي في العمل لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن بسبب أزمة الملف النووي الإيراني.. وهكذا، فإن الصين التي تتعرض لضغوط غربية شديدة متعلقة بالبيئة لتقليص اعتمادها على الفحم من 75 بالمئة إلى 50 بالمئة لمصلحة النفط والغاز، تسعى إلى مزيد من التقارب مع إيران. هذا التقارب– الذي تشبهه دورية «الشؤون الخارجية» الأميركية بشكل جديد من أشكال الصيد يقوم به التنين فيما وراء البحار - لا يبرره فقط أن بكين أكبر مورد للسلع والمنتجات لإيران (بعد ألمانيا وفرنسا) والداعم الرئيس لها في مشروعاتها لإقامة مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية (جنباً إلى جنب مع روسيا). فإيران – التي تحتل مركزاً متقدماً في احتياط النفط العالمي بـنحو 100 بليون برميل، وتحتل المركز الثاني في احتياط الغاز بـ 27 تريليون متر مكعب – تعد واحدة من المحطات المهمة لتنافس بكين مع القوى الدولية والإقليمية على الأسواق ومنابع الخامات، مثلها في ذلك مثل سيبيريا التي تتصارع فيها الصين مع اليابان على الفوز بأكبر حصة من النفط بتقديم إغراءات مالية كبيرة لروسيا، ومثلها أيضاً مثل آسيا الوسطى التي تتنافس فيها شركات النفط الصينية مع الشركات الأميركية المدعومة بقواعد واشنطن العسكرية حول حقول النفط في حوض بحر قزوين.
وبقواعد التنافس نفسها، ردت الصين على الدعم الأميركي لمشروع نقل نفط بحر قزوين من جهة الغرب عبر خط أنابيب باكو- تبليسي - جيهان بالتوقيع مع كازاخستان على اتفاق للتنقيب عن النفط في المناطق الغربية من كازاخستان، بهدف نقل النفط القزويني من جهة الشرق إلى الأراضي الصينية.
إيران إذاً ليست سوى فصل في ملف كبير تُقِّلبُه الصين بشكل دائم بحثاً عن الموارد في كل مكان، من فحم الفيليبين وذهب بوليفيا إلى نفط السودان ونيجيريا والإكوادور، لكن العلاقة معها تتخذ أيضاً شكلاً مستتراً من أشكال المواجهة مع الولايات المتحدة وذلك عندما تتحالف مع الدول الرافضة لمحاولات هيمنتها على العالم.
يعتبر نوع العملة التي تدفع بها الصين لإيران مستحقاتها من النفط على جانب كبير من الأهمية في العلاقة بين البلدين، وكذلك في علاقة بكين وطهران بواشنطن.
فحين أعلنت إيران عن نيتها افتتاح بورصة نفطية تتعامل باليورو بدلاً من الدولار في شهر أيار 2006، انقسمت الآراء حول حقيقة ما يمكن أن تشكله هذه البورصة من خطر على مكانة الدولار في السوق العالمية بين مقلِلٍ من أهمية ما تمثله إيران من إنتاج نفطي لا يزيد على 5 في المئة من إجمالي المتداول عالمياً، وبين مؤكد أن إيران إذا أقدمت على هذه الخطوة فإنها سوف تكبد الدولار مزيداً من الهزات، خصوصاً إذا تشجعت دول أخرى مثل فنزويلا في تبني الخيار الذي كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين أول من لجأ إليه. هنا يبرز الدور الصيني في إمكانية تحول هذا السيناريو إلى واقع. فالكرة في ملعب المستوردين أكثر منها في ملعب الموردين. فالصين واليابان- بما لديهما من مدخرات بالدولار تزيد على تريليوني دولار- في مقدورهما إحداث خلل كبير في مكانة الدولار عالمياً إذا أقدمتا على شراء النفط الإيراني باليورو. ومن ثم، فإن الصين تفاضل بين إحداث هزة للدولار بالتحالف مع إيران بدفع مستحقاتها باليورو أو الاستمرار في دعم الاقتصاد الأميركي وعملته بشراء النفط الإيراني بالدولار، وذلك بسبب علاقاتها المتينة معه لكون السوق الأميركية هي أهم أسواق الصين العالمية على الإطلاق. ولا يختلف موقف الصين هنا عن موقف روسيا التي ترفض استلام مستحقاتها باليورو من زبائنها الأوروبيين مراعاة لعدم إصابة الاقتصاد الأميركي بأزمة خانقة. وهكذا، تلعب الاعتبارات السياسية العالمية دوراً مهماً في الحيلولة دون قيام الصين واليابان باتخاذ الخطوة الأكثر خطورة بموافقة طهران على اقتراحها التعامل باليورو.لكن الصين يمكنها مواجهة الولايات المتحدة بشكل أكثر هدوءاً وهو توسيع التعاون مع إيران وغيرها من الدول التي تصفها واشنطن بأنها مارقة. وترى مراكز الأبحاث الأميركية بأن الصفقات التي اقتنصت بها الصين نفط إيران والسودان (تؤمن الأخيرة 5 في المئة من استهلاك الصين للنفط) لم يكن في مقدور بكين تحقيقها لولا رفضها لقوانين الحظر الأميركية التي تحول دون الاستثمار في هذه الدول، وهكذا تحتج الشركات الأميركية بأن واشنطن تعاقب شركاتها على حين تفتح الطريق أمام الشركات المنافسة.مع ذلك تأخذ الصين في حسابها ضرورة الموازنة بين التعاون مع إيران والحفاظ على علاقات حسنة مع واشنطن، وهي قضية ليست جديدة على شبكة علاقات بكين مع الدول المغضوب عليها أميركياً. فالصين تدرك أن ضمان تدفق النفط من هذه الدول إلى المصانع الصينية مرهون بمستوى الأمن الملاحي في المضائق التي تمر فيها الناقلات الصينية، وبصفة خاصة في مضيق مالاقا جنوب شرق آسيا، وهي منطقة تجمع بين القواعد العسكرية الأميركية ونشاط الحركات المتطرفة التي يمكن أن تُلصق بها تهمة استهداف الناقلات الصينية المحملة بنفط إيران.وهذا تحديداً ما يدفع الصين إلى البحث عن طريق آخر لنقل نفطها غير طريق الناقلات. من هنا تأتي أهمية التفاهم الصيني- الروسي الذي أعلن عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته لبكين في آذار 2006 وتأكيده استعداد بلاده تقديم النفط إلى الصين عبر أنابيب سيبيريا مفضلاً إياها على اليابان. وكذلك أهمية العلاقة التي تطورها بكين مع دول آسيا الوسطى خاصة أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان، وفي طياتها التعاون الأمني لاستهداف الحركات الإسلامية المسلحة في المنطقة، لضمان مرور أنابيب النفط من وسط آسيا إلى إقليم سينكيانغ غربي الصين ومنه إلى الساحل الشرقي الصيني.العلاقة مع إيران يمكنها بالمثل أن تخفف من نقطة الضعف الصينية المتمثلة بالاعتماد على الناقلات، وذلك بمشروع طموح يربط نفط إيران، وخصوصاً حصتها التي لم تستثمرها بعد في جنوب بحر قزوين، بأنبوب النفط الذي تخطط كازاخستان والصين لمده من شرق بحر قزوين إلى الأراضي الصينية. ورغم تأكيدنا أن العلاقة بين البلدين ذات تشابكات اقتصادية، إلا أن الصين البعيدة من إيران جغرافياً والمتقاربة معها جيوبوليتيكياً، لا تضيع الفرصة بممارسة حقها القانوني في دعم حلفائها النفطيين حين تعلن أكثر من مرة أنها ستستخدم الفيتو في مجلس الأمن لرفض أي قرار يستهدف إيران متفقة في ذلك مع روسيا. لكن الصين التي كانت تقوم بتقديم التقنيات النووية السلمية إلى إيران كتجهيز المعامل النووية للأبحاث، وأبرزها في أصفهان، تعرف أين الحدود التي لا توقعها في دائرة الاتهام. كما تقدم الصين، مثل روسيا، المساعدات الفنية بهدف بناء مفاعلات عدة لإنتاج الطاقة الكهربائية حتى تيسر لإيران توفير النفط للتصدير، حيث تقف مصانعها ومشروعاتها الاقتصادية في مقدمة المستفيدين.أخيراً، فإن الصين، التي تدرك أهمية البوابة النفطية في الاقــتراب من إيران والشرق الأوسط ومنها إلى القارة الإفريقية، تعتمد على الحنكة الإيرانية في فهم قواعد اللعبة الدولية. وأهم ما في هذه الحنكة أن طهران لا تطلب من حلفائها النفطيين أن يخوضوا معارك عسكرية لمصلحتها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن النفط ورقة رابحة وكفيلة بخرق الحصار الذي تسعى واشنطن إلى ضربه حولها، وهي تحسن حتى الآن استخدام هذه الورقة.في المقابل، تسعى الصين إلى تهدئة مخاوف شركائها الأميركيين من أن التأثير المتنامي لدبلوماسيتها النفطية لا يهدف بأي شكل من الأشكال إلى تهديد المصالح الأميركية وهو ما حاول التأكيد عليه الرئيس الصيني هو جنتاو خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في نيسان 2006. ولإبداء حسن النية وتمهيداً للزيارة سمح هو جنتاو برفع الحظر عن بيع لحوم البقر الأميركي، المفروض منذ ظهور مرض جنون البقر. كما وقعت الصين مئات العقود مع شركات أميركية، ولاسيما شركة «مايكروسوفت»، بقيمة 10 مليارات دولار، وتعهدت بكين بمكافحة القرصنة التي تكبد الشركات الأميركية خسائر تقدر قيمتها بمليارات الدولارات كل عام. كما كرر الرئيس الصيني عندما زار مقر شركة «بوينغ» تفضيله خيار شراء 80 طائرة بوينغ بقيمة خمسة مليارات دولار. إضافة إلى ذلك، أبدت الصين استعدادها للنظر بشكوى واشنطن لخفض قيمة عملتها (اليوان) لتصحيح الاختلالات في المبادلات التجارية، ذلك أن إبقاء الصين لعملتها المحلية دون مستواها الحقيقي مقارنة بالدولار يهدد الغرب بأزمة اقتصادية حادة. وتتهم واشنطن بكين بأنها سبب البطالة في الولايات المتحدة، ولاسيما في قطاع النسيج جراء انخفاض أسعار الصادرات الصينية من المنسوجات إلى الأسواق الأميركية والأوروبية. وقد بدأت تظهر بوادر استجابة الصينيين للمطالب الأميركية بتعويم عملتهم من خلال زيادة نسبة الصادرات الأميركية إلى الأسواق الصينية بنسبة 22 بالمئة في الربع الثاني من عام 2006.كيف تنظر واشنطن إلى التحدي الصيني؟رغم التشابك الكبير في المصالح بين الصين والولايات المتحدة لا تبدو الإدارة الأميركية مستعدة للقبول «بشراكة إستراتيجية» مع بكين، بحسب قول مايكل غرين، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة جورجتاون والذي ظل حتى كانون الأول مكلفاً الملف الصيني في مجلس الأمن القومي الأميركي. وتتمحور المخاوف الأميركية حول الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري الصيني على التسلح الذي بلغ نحو 90 مليار دولار عام 2005، أي ثلاثة أمثال الرقم الذي تعلنه بكين.ورغم أن معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن يقدر حجم الإنفاق العسكري الصيني بنحو 62.5 مليار دولار سنوياً، أي ما يقل عن 15 في المئة من الإنفاق العسكري الأميركي (470 مليار دولار سنوياً)، فإن الصين تمتلك أسلحة وصواريخ نووية قادرة على تهديد الأراضي الأميركية. وقد أثار ما ذكره الجنرال جوشينج، أستاذ الشؤون الدفاعية والإستراتيجية في الجامعة الوطنية للدفاع في الصين، حول إمكان استخدام بلاده الأسلحة النووية على الولايات المتحدة في حال تعرضها لهجوم أميركي خلال أي صراع مع تايوان جدلاً كبيراً في الدوائر السياسية والأكاديمية الأميركية.وكان وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ألقى قنبلة دبلوماسية خلال مشاركته في مؤتمر عن الأمن الآسيوي في سنغافورة (حزيران 2005) حين اتهم الصين بتجاوز الحدود في الحصول على أسلحة حديثة (ولاسيما من روسيا)، وزيادة الإنفاق على الدفاع. واعتبر أن هذا الإنفاق يهدد التوازن الأمني الدقيق في آسيا، ولاسيما الإنفاق على إنتاج الصواريخ والتكنولوجيا المتطورة، لأنه يهدد تايوان والمصالح الأميركية في آسيا. وتساءل رامسفيلد عن دوافع زيادة الإنفاق العسكري في وقت لا تواجه فيه الصين أي تهديد خارجي.ورغم أنه لا يعرف عن الصين أنها دولة توسعية حتى في عهود عصرها الإمبراطوري إلا أن الولايات المتحدة تتعامل معها على أنها دولة منافسة ومعادية برسم المستقبل. ولهذا، تنتهج إزاءها إستراتيجية التطويق والمحاصرة، من خلال زيادة الإنفاق العسكري الأميركي، وإقامة سلسلة من التحالفات والقواعد العسكرية حولها، وإثارة كل أنواع المشكلات من داخلها وحولها، والمبادرة إلى شن الحروب الاستباقية في محيطها الإقليمي، من أجل تقليم أظفارها.وكان الرئيس الأميركي جورج بوش خصص في وثيقة «إستراتيجية الأمن القومي» التي أعلنها في شهر كانون الثاني 2006 جزءاً مهماً لتوجيه انتقادات للصين التي قال إنها تسعى إلى توجيه الأسواق في صورة اصطناعية بدلاً من انفتاحها... وتتصرف في مجال الطاقة وكأنها تسعى إلى وضع يدها على مصادر النفط العالمي. على حين دعا نائب وزيرة الخارجية الأميركي السابق روبرت زوليك الصين إلى سياسات «أكثر مسؤولية على الساحة الدولية»، مقترحاً أن تعيد النظر في موقفها من شراء النفط من بورما والسودان. ووصف علاقاتها بتلك الدول بأنها ليست بريئة، ملمحاً إلى أنها جزء من إستراتيجية تستهدف تقويض المصالح الأميركية.لكن الصين ترى في المقابل أن الولايات المتحدة تعمل على التضييق عليها في محاولتها الحصول على مصادر الطاقة من الخارج، وذلك لكبح جماح نموها الاقتصادي وتطوير قدراتها العسكرية. وجاءت قضية منع شركة النفط الوطنية الصينية من شراء شركة يونوكال الأميركية صيف العام الماضي لتؤكد هذا الشعور.وكان لتدعيم الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد احتلال العراق، أن عمّق ذلك الشعور. كما أن ما يروج له بعض المفكرين الأميركيين من أن «الحرب الباردة» المقبلة قد تكون آسيوية، غذت هذه المخاوف الصينية. إضافة إلى أن الصينيين يراقبون بقلق تدعيم العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة واليابان، وقيام طوكيو بزيادة النفقات العسكرية بنسبة 20 في المئة (خصوصاً في المجال الباليستي) وتنامي المشاعر الوطنية اليابانية المتطرفة. وهم يؤكدون أن سبب تعاونهم مع بعض الدول النفطية التي تنظر إليها الولايات المتحدة بعين الحذر لكون الأميركيين يوصدون في وجههم الأبواب الأخرى. لكن ذلك لا يمنعهم من العمل على مقارعة الأميركيين في بلدان يعتبرها هؤلاء حيوية لأمن الطاقة عندهم. والمثال الأوضح على ذلك هو ما يحصل مع كندا التي ستقوم، حال أصبح ذلك ممكناً، بتزويد الصين بنفطها المستخرج من الزيت الحجري، وقد عمد رئيس الوزراء الكندي أخيراً إلى التلويح بهذا الاحتمال كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة في ملف الخشب العالق بينهما، بحسب ما تؤكده بتروستراتيجيز الفرنسية.ومن المتوقع أن يزداد التوتر الأميركي– الصيني في المستقبل بسبب تنافس البلدين الشديد على مصادر الطاقة. وتدل كل التوقعات على أن الصين سوف تعتمد بشكل متزايد مستقبلاً على نفط دول الخليج لأن معدل استهلاك الفرد الصيني من النفط في السنة لا يزال منخفضاً. فهو لا يزيد على 1.5 برميل للفرد سنوياً مقابل 23 برميلاً للفرد في الولايات المتحدة. ورغم أنه من غير المتوقع أن يصل استهلاك الفرد في الصين إلى ما هو عليه في الولايات المتحدة أو حتى إلى مستوى بلد مثل إسبانيا - حيث يستهلك الفرد فيها نحو 14 برميلاً في السنة - لكنه قد يقترب خلال عقدين أو أكثر من استهلاك الفرد في أميركا حيث تشير دراسات عديدة إلى أن الاقتصاد الصيني سيتجاوز حجم الاقتصاد الأميركي في العام 2045.ويبقى تأمين الطرق البحرية التي تصل عبرها الطاقة المستوردة إلى الصين أحد اكبر هواجس القيادة الصينية ولاسيما في ظل الحضور الأميركي الكبير بالـقرب من تلك الممرات البحرية. وتحاول الصين حل هذه المشكلة بصبر وأناة لتأمين وصول النفط إليها من دون مخاوف، لكن هذا قد يدفعها أيضاً إلى التشدد في مواجهة أميركا إذا حاولت هذه الأخيرة قطع شريان الحياة الرئيس الذي يغذي اقتصادها ونموها.

ليست هناك تعليقات: