صحيفة لوفيغارو الفرنسية
ألكسندر أدلر
يبدو أن التاريخ يسخر منا. الطريقة التي تدور بها الأحداث في الشرق الأوسط تحديدا تؤكد ذلك. برهان تلك النظرية تجسدها المواقف الجديدة لدول كبرى لطالما عرفت بالاختلاف حول ملف القفقاس ، يساورها اليوم الشكوك ذاتها حول تداعيات الخلاف التركي - الكردي.
دول إيران وتركيا وروسيا تحاول جميعا الترويج للتجارب الديمقراطية التي تطبق داخل بلدانها ، لكن ملف الأكراد وضع كل الأوراق تحت الاختبار. فالديمقراطية التي يهددها الموقف من الأكراد يراد لها أن تكون واقعا يوميا في تركيا ومؤشرا على انفتاح روسيا على العالم وحلم الأغلبية من الجيل الجيد في إيران.
كل واحدة من تلك الدول تريد أن ترتبط بعلاقات مميزة مع أوروبا ، وهو قاسم مشترك آخر يؤثر على الموقف من الملف الكردي. أوروبا تمثل حلم الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي بالنسبة لتركيا ، والشريك الاستراتيجي في مجال الطاقة بالنسبة لروسيا ، وبوابة الانفتاح الاقتصادي والثقافي بالنسبة لإيران. لهذا السبب يجب أن تتريث كل من أنقرة وموسكو وطهران قبل اتخاذ المواقف حرصا على وجهة نظر أوروبا التي تراقب المشهد.
لنبدأ أولا مع إيران التي فاجأت العالم باستقالة كبير مفاوضي الملف النووي فيها ليحسب ذلك بمثابة نقطة ضعف وانهيار أصاب كتلة أحمدي نجاد والتي بدت قوية ومتماسكة لفترة طويلة. نجاد يريد من العالم أن يعرّف التحول الجديد في إيران على أنه تحول نحو القوة ، ابتداء من زيارة أرمينيا في توقيت حساس ومرورا بعودة التقارب مع المرشد الأعلى خامنئي وانتهاء بزيارة بوتين إلى طهران. الأكيد أن زيارة الرئيس الروسي الأخيرة للجمهورية الإسلامية حملت خيارات وحلولا بديلة للملف النووي أفرزت تلك الخلافات التي انتهت باستقالة علي لاريجاني ، كبير المفاوضين عن الجانب الإيراني.
أما بالنسبة لروسيا ، فهي تعرف جيدا الفكر "الثوري الإيراني". كيف لا ، وكلنا يتذكر المحادثات المهمة التي جمعت الرئيس الروسي الأسبق غورباتشوف بنظيره الإيراني رافسنجاني قبل انتهاء العهد السوفياتي بقليل. محادثات استثنائية رسمت مستقبل العلاقة من دول القفقاس وآسيا الوسطى مع التأكيد دوما على الدور في الشرق الأوسط. جهاز المخابرات الروسي يعرف جيدا هذا العسكري المتحمس الذي أصبح رئيسا لإيران برغم الخلاف حول شخصيته. ويعني ذلك كله أن موسكو ستعتمد على تلك المعرفة بالشؤون الإيرانية للخروج بالنصر السياسي والدبلوماسي وتأكيد الحضور بقوة في الشرق الأوسط ، ولو عبر الملف الكردي.
وهنا نصل إلى العقدة الرئيسية في الموضوع ، سواء كانت تركيا أو أكرادها. الولايات المتحدة ، ولأسباب تتعلق بعدم الكفاءة ، أطلقت العنان واسعا للأكراد في شمال العراق وكذلك الحال في جنوب تركيا بعيدا عن اعتبارات كون الأخيرة واحدة من أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ودون أن تغفل تركيا وجود قنبلة موقوتة أخرى تدعى "التركمان" ، تعرف أنقرة أنها تركت أكرادها لفترة طويلة ، مثلما جرى مع الخمير الحمر في كمبوديا ، وصارت تتلهف الآن للقاء أجهزة الاستخبارات في كل من إيران وسوريا لبحث الملف الكردي.
المشكلة الكردية التي تشغل بلدان الشرق الأوسط قد تنتهي قريبا لكن تداعياتها ستبقى لفترة طويلة. تداعيات ترسم أفاقا أخرى لإيران جديدة حليفة لعراق يحكم فيه الشيعة المتهاونين مع حلفائهم الأكراد في الداخل بطريقة تسمح لروسيا بأن تتسيد الموقف وتبرز كقوة بديلة عن الولايات المتحدة في المنطقة. أما تركيا الداخلة للتو في النموذج الحضاري المتحرر ، والتي تملك مؤسسات وشركات تحقق نجاحات اقتصادية منقطعة النظير في الأسواق الممتدة من دمشق إلى باكو وصولا إلى طشقند ، صارت جزءا مهما في معادلة التكامل الروسي - الإيراني في المنطقة.
التقارب بين الصين وروسيا بات ممكنا أكثر من أي وقت مضى ، وكلما زادت احتمالات قيام تحالف عملاق يضم الدولتين ، كلما تحددت معالم فشل أوروبا وسياستها المترددة حيال كل من روسيا وتركيا ، وتحددت في الوقت ذاته معالم الإخفاق الأميركي في المنطقة ، وفي العراق تحديدا. احتمالات كهذه ، هل تدعو إلى التفاؤل؟ أو ربما إلى التشاؤم؟ وحدها التطورات المستقبلية ستخبرنا النتيجة.
روسيا وتركيا وإيران دول تملك ثقلا مختلفا في المنطقة اختلفت أكثر من مرة ، وسيكون لتحركها حول الملف الكردي بعدا آخر سيرسم بلا شك تقاربا أو تنافرا جديدين.
ألكسندر أدلر
يبدو أن التاريخ يسخر منا. الطريقة التي تدور بها الأحداث في الشرق الأوسط تحديدا تؤكد ذلك. برهان تلك النظرية تجسدها المواقف الجديدة لدول كبرى لطالما عرفت بالاختلاف حول ملف القفقاس ، يساورها اليوم الشكوك ذاتها حول تداعيات الخلاف التركي - الكردي.
دول إيران وتركيا وروسيا تحاول جميعا الترويج للتجارب الديمقراطية التي تطبق داخل بلدانها ، لكن ملف الأكراد وضع كل الأوراق تحت الاختبار. فالديمقراطية التي يهددها الموقف من الأكراد يراد لها أن تكون واقعا يوميا في تركيا ومؤشرا على انفتاح روسيا على العالم وحلم الأغلبية من الجيل الجيد في إيران.
كل واحدة من تلك الدول تريد أن ترتبط بعلاقات مميزة مع أوروبا ، وهو قاسم مشترك آخر يؤثر على الموقف من الملف الكردي. أوروبا تمثل حلم الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي بالنسبة لتركيا ، والشريك الاستراتيجي في مجال الطاقة بالنسبة لروسيا ، وبوابة الانفتاح الاقتصادي والثقافي بالنسبة لإيران. لهذا السبب يجب أن تتريث كل من أنقرة وموسكو وطهران قبل اتخاذ المواقف حرصا على وجهة نظر أوروبا التي تراقب المشهد.
لنبدأ أولا مع إيران التي فاجأت العالم باستقالة كبير مفاوضي الملف النووي فيها ليحسب ذلك بمثابة نقطة ضعف وانهيار أصاب كتلة أحمدي نجاد والتي بدت قوية ومتماسكة لفترة طويلة. نجاد يريد من العالم أن يعرّف التحول الجديد في إيران على أنه تحول نحو القوة ، ابتداء من زيارة أرمينيا في توقيت حساس ومرورا بعودة التقارب مع المرشد الأعلى خامنئي وانتهاء بزيارة بوتين إلى طهران. الأكيد أن زيارة الرئيس الروسي الأخيرة للجمهورية الإسلامية حملت خيارات وحلولا بديلة للملف النووي أفرزت تلك الخلافات التي انتهت باستقالة علي لاريجاني ، كبير المفاوضين عن الجانب الإيراني.
أما بالنسبة لروسيا ، فهي تعرف جيدا الفكر "الثوري الإيراني". كيف لا ، وكلنا يتذكر المحادثات المهمة التي جمعت الرئيس الروسي الأسبق غورباتشوف بنظيره الإيراني رافسنجاني قبل انتهاء العهد السوفياتي بقليل. محادثات استثنائية رسمت مستقبل العلاقة من دول القفقاس وآسيا الوسطى مع التأكيد دوما على الدور في الشرق الأوسط. جهاز المخابرات الروسي يعرف جيدا هذا العسكري المتحمس الذي أصبح رئيسا لإيران برغم الخلاف حول شخصيته. ويعني ذلك كله أن موسكو ستعتمد على تلك المعرفة بالشؤون الإيرانية للخروج بالنصر السياسي والدبلوماسي وتأكيد الحضور بقوة في الشرق الأوسط ، ولو عبر الملف الكردي.
وهنا نصل إلى العقدة الرئيسية في الموضوع ، سواء كانت تركيا أو أكرادها. الولايات المتحدة ، ولأسباب تتعلق بعدم الكفاءة ، أطلقت العنان واسعا للأكراد في شمال العراق وكذلك الحال في جنوب تركيا بعيدا عن اعتبارات كون الأخيرة واحدة من أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ودون أن تغفل تركيا وجود قنبلة موقوتة أخرى تدعى "التركمان" ، تعرف أنقرة أنها تركت أكرادها لفترة طويلة ، مثلما جرى مع الخمير الحمر في كمبوديا ، وصارت تتلهف الآن للقاء أجهزة الاستخبارات في كل من إيران وسوريا لبحث الملف الكردي.
المشكلة الكردية التي تشغل بلدان الشرق الأوسط قد تنتهي قريبا لكن تداعياتها ستبقى لفترة طويلة. تداعيات ترسم أفاقا أخرى لإيران جديدة حليفة لعراق يحكم فيه الشيعة المتهاونين مع حلفائهم الأكراد في الداخل بطريقة تسمح لروسيا بأن تتسيد الموقف وتبرز كقوة بديلة عن الولايات المتحدة في المنطقة. أما تركيا الداخلة للتو في النموذج الحضاري المتحرر ، والتي تملك مؤسسات وشركات تحقق نجاحات اقتصادية منقطعة النظير في الأسواق الممتدة من دمشق إلى باكو وصولا إلى طشقند ، صارت جزءا مهما في معادلة التكامل الروسي - الإيراني في المنطقة.
التقارب بين الصين وروسيا بات ممكنا أكثر من أي وقت مضى ، وكلما زادت احتمالات قيام تحالف عملاق يضم الدولتين ، كلما تحددت معالم فشل أوروبا وسياستها المترددة حيال كل من روسيا وتركيا ، وتحددت في الوقت ذاته معالم الإخفاق الأميركي في المنطقة ، وفي العراق تحديدا. احتمالات كهذه ، هل تدعو إلى التفاؤل؟ أو ربما إلى التشاؤم؟ وحدها التطورات المستقبلية ستخبرنا النتيجة.
روسيا وتركيا وإيران دول تملك ثقلا مختلفا في المنطقة اختلفت أكثر من مرة ، وسيكون لتحركها حول الملف الكردي بعدا آخر سيرسم بلا شك تقاربا أو تنافرا جديدين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق