الأحد، 16 ديسمبر 2007

على هامش ندوة الحضارتين العربية والصينية

صحيفة الوقت البحرانية
محمد نعمان جلال (سفير مصر الأسبق في الصين)
بدعوة من وزارة الإعلام بالمملكة العربية السعودية، عقدت الندوة الثانية حول الحضارتين العربية والصينية في الفترة من 1-3 ديسمبر/ كانون الأول 2007 وقام بالتنسيق للندوة جامعة الدول العربية ومجلس السفراء العرب في بكين. وتناولت الندوة ثلاثة محاور رئيسة هي تطوير العلاقات الثقافية العربية الصينية وتعزيز آليات منتدى التعاون الصيني العربي، تحدث فيها باحثون رئيسون عرب هم الأستاذ الجامعي من تونس الخبير في اللغة الصينية لطفي شبيل، تكلم عن تفعيل دور الحضارتين العربية والصينية في التعامل مع التحديات الناجحة عن العولمة، وفي تعزيز مفهوم حوار الحضارات وبناء عالم متناغم تحدث فيها مستشار الدراسات الاستراتيجية وحوار الحضارات بمركز البحرين للدراسات والبحوث والخبير في الشؤون الصينية محمد نعمان جلال، والمحور الثالث حول تفعيل دور التعليم والإعلام والثقافة والترجمة تحدث في ذلك رئيس اتحاد الكتاب السوريين علي عقلة عرسان. كما تحدث من الجانب الصيني خبراء في كل محور من المحاور السابقة. وجرت مداخلات من الخبراء والمشاركين الآخرين من كلا الجانبين العربي والصيني في كل محور تعليقاً على الأوراق الرئيسة المُقدمة.
وقد افتتح وزير الثقافة والإعلام السعودي الندوة إياد مدني بكلمة ضافية وأدارها باقتدار ونظم أعمالها وجلساتها الوكيل المساعد للإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام السعودية عبدالعزيز بن سلمة. ولكن كان من أهم حوادث الندوة هو التشرف باستقبال خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وحضور ولي عهد المملكة وعدد من كبار المسؤولين السعوديين.
ولقد ترأس الجانب العربي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير أحمد بن حلي، كما ضم وفد الجامعة مدير إدارة حوار الحضارات رئيس مكتب الجامعة العربية في بكين سهام الرفاعي وعددا من المسؤولين من الجامعة ورئيس مجلس السفراء العرب في بكين (سفير سوريا). أما وفود الخبراء والباحثين العرب فقد تشكلوا من خبراء من الجزائر، المغرب، تونس، مصر، السودان، جزر القمر، السعودية، البحرين، عمان، الكويت، الأردن، سوريا، العراق، ولبنان.
ووفد الصين ضم خبراء ومسؤولين من وزارة الخارجية ووزارة الثقافة وجمعية الصداقة العربية الصينية ومعاهد الأبحاث في شنغهاي وبكين وغيرها من المدن الصينية.
ويمكننا أن نشير إلى عدد من الملاحظات ذات الدلالة المرتبطة بالندوة
الملاحظة الأولى: إن الندوة هي إحدى فعاليات منتدى التعاون العربي الصيني الذي انطلقت أعماله منذ العام 2004 وعقدت دورته الأولى بالقاهرة والثانية في بكين وستعقد الدورة الثالثة في المنامة بالبحرين في مايو/ أيار 2008 ومن ثم فان عقد الندوة يعتبر في إطار تنفيذ قرارات المنتدى الذي يعقد دائماً على مستوى وزراء الخارجية.
الملاحظة الثانية: إن ندوة الحضارتين العربية والصينية عقدت على أساس من المساواة بحيث كان عدد الباحثين العرب الذين قدموا أوراق عمل رئيسة ثلاثة مقابل ثلاثة باحثين من الجانب الصيني. كما أن إجمالي عدد المشاركين من الدول العربية يكاد يكون متساوياً مع عدد المشاركين من الجانب الصيني الذين بلغ عددهم 32 خبيراً.
الملاحظة الثالثة: إن المشاركين من الدول العربية وضعت أمامهم يافطات بأسماء الدول العربية الـ 22 دولة، أما المشاركون من الجانب الصيني فقد كانوا يعبرون عن دولة واحدة وبينهم تنسيق متناغم في الأدوار والمداخلات، بخلاف الباحثين العرب الذين كانوا يعبرون عن ضمير الأمة والشعوب العربية أكثر من تعبيرهم عن مواقف سياسية محددة، ولذلك كان تفاعلهم ايجابياً ومهنياً عموماً.
الملاحظة الرابعة: إن المشاركين سواء العرب أو الصينيين أبدوا تفاعلاً مهماً من حيث حرص كل منهم على الدفع بالعلاقات العربية الصينية إلى الأمام وتعزيزها وتطويرها في المجالات الثقافية والعلمية كوسيلة فعالة لتطويرها في المجالات السياسية والاقتصادية.
الملاحظة الخامسة: إن الخبراء العرب والصينيين لمسوا موضوعية وواقعية مدى عمق العلاقات في بعدها التاريخي، ومدى ضعفها في بعدها الراهن وخصوصاً من الجانب العربي لعدم التنسيق الملائم بين الخبراء العرب وعدم معرفة بعضهم ببعض، بل أحيانا خبراء من دولة عربية واحدة لم يلتقوا سوى على طاولة الحوار، ولم يعرفوا توجهات بلادهم الرسمية، وهذا بخلاف موقف الخبراء الصينيين الذين اضطلع رئيس الوفد السفير يانج فوشيانج نائب وزير الخارجية الأسبق بدور المنسق العام لهم.
الملاحظة السادسة: إن لدى الدول العربية متخصصين في الشؤون الصينية سواء اللغة أو السياسة أو الفكر والثقافة، ولكنهم يفتقرون لأدوات الاتصال فيما بينهم ولهذا طرح البعض فكرة إنشاء سجل بأسماء الخبراء وعناوينهم ليسهل الاتصال فيما بينهم، وليسهل عليهم التنسيق والتعارف، ولكن الأهم لكي يلتفت المسؤولون العرب لهؤلاء الخبراء في بلادهم للاستفادة منهم في تعاملهم مع الصين كما تستفيد الصين من خبرائها في التعامل مع الدول العربية.
الملاحظة السابعة: إن المشاركين من الخبراء الصينيين كانوا من وزارة الخارجية ومن السفراء الصينيين السابقين ومن مراكز الأبحاث المتعددة في أقاليم الصين المختلفة. أما الخبراء العرب فقد ضموا بعض سفراء عرب سابقين وباحثين عرب، ولكن الجميع حسبما لمست تم الاتصال بهم واكتشافهم أحيانا صدفة، حتى أن سفيرا عربيا سابقا متخصصا في الشؤون الصينية رشحته دولته رسمياً، ولكن لم يتصل به احد من وزارة خارجيتها أي أن الاتصال العربي العربي بين المسؤولين من الدولة وخبرائها كان شبه منعدم في كثير من الأحيان وهذا كله يفسر لماذا لم يستفد العرب من الخبرات المتراكمة لديهم في حين استفاد الصينيون بدرجة كبيرة من هذه الخبرات لديهم.
الملاحظة الثامنة: هو انه إذا أُريد لمنتدى التعاون العربي الصيني النجاح بمعنى أن يحقق نتائج ايجابية لصالح العرب فلابد أن يدرك المسؤولون العرب ان لديهم خبرات ويستفيدون بها ويتشاورون معهم، فعلى سبيل المثال كانت أعمال الترجمة مسؤولية الجانب الصيني، في حين هناك مترجمون عرب متخصصون في اللغة الصينية وخصوصاً من مصر في عدد من جامعاتها وخصوصاً جامعة عين شمس منذ سبعينات القرن العشرين.
الملاحظة التاسعة: إن ندوة المفكرين العرب والصينيين حظيت بتكريم غير مسبوق من جانب المملكة العربية السعودية بلقاء خادم الحرمين الشريفين معهم في لحظة كانت مشغوليات جلالته كثيرة في الإعداد للقمة الخليجية ولقاء أبو مازن اثر عودته من اجتماعات أنابوليس وكثرة المنتديات المهمة في السعودية ولكن اهتمام الملك عبدالله بن عبدالعزيز باللقاء ليس فقط أثلج صدر المشاركين وإنما دل على حرصه على الاستماع للمثقفين والتحاور معهم وهذه سابقة حميدة حبذا يتم التوسع فيها من قبل القادة العرب الآخرين بالتحاور مع مثقفيهم المتخصصين في الشؤون الصينية.
الملاحظة العاشرة: انه رغم الأداء العربي غير المنسق إلا انه كان متناسقاً ومتناغماً، فالعرب أمة واحدة وان اختلفت دولهم سياسياً، فإنهم متحدون فكرياً وثقافياً، ولهذا كان أداء المثقفين العرب والمسؤولين من الجامعة العربية منسجماً ومتميزاً.
وختاماً نقول انه في تقديري أن المسؤولية تقع على الجامعة العربية للاهتمام بتفعيل الحوار ليس فقط مع الصين وإنما مع دول أخرى كثيرة ذات أهمية بأسلوب علمي، وان مسؤولية إعداد قوائم للمتخصصين في كل منطقة وإعداد ببلوجرافيا بالإصدارات التي نشرها الباحثون في تلك المجالات، وإعداد قوائم بأسماء مراكز الأبحاث العربية هذه مسؤولية لا تقل أهمية عن اضطلاعها بالدور السياسي في الدفاع عن القضايا العربية إن لم تتفوق عليها من حيث إن الدور الفكري والثقافي أكثر صلابة واقل اختلافاً وله ديمومة واستمرارية وهو ركيزة التفاعل والعمل السياسي الحقيقي.

ليست هناك تعليقات: