صحيفة الخليج الإماراتية
العربي مفضال ـ كاتب مغربي
احتضنت العاصمة البرتغالية لشبونة، يومي الثامن والتاسع من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، القمة الثانية للاتحاد الأوروبي وإفريقيا. وكانت النسخة الأولى من هذه القمة قد انعقدت سنة2000 بالقاهرة. وكان من المفترض أن تجمع بين الاتحادين الأوروبي والإفريقي، ولكن إصرار الجانب الأوروبي على استبعاد مشاركة “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” في تلك القمة رغم عضويتها في الاتحاد الإفريقي مقابل التمسك بمشاركة المغرب المنسحب من هذا الاتحاد، ترتبت عليه تسمية القمة سالفة الذكر قمة الاتحاد الأوروبي وإفريقيا.
وكان من المقرر أن تنعقد النسخة الثانية من تلك القمة سنة ،2003 ولكنها تأخرت أربع سنوات بسبب الاعتراض البريطاني، المدعوم من عدة دول أوروبية، على مشاركة الرئيس الحالي لزمبابوي موغابي.
وكانت لندن قد غضبت غضبا شديدا على مصادرة أراضي المزارعين البيض في زمبابوي في إطار ما نعته موغابي بالإصلاح الزراعي، واتهمت الرئيس الزيمبابوي بانتهاك حقوق الإنسان، واستصدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، ومنعته من دخول أراضي هذا الاتحاد.
ويلخص الموقف البريطاني من زمبابوي جانباً أساسياً من الموقف الأوروبي تجاه دول القارة السمراء. فعلى الرغم من المسؤولية البريطانية الكبرى في فرض أسوأ أشكال الاستعمار، وهو الشكل العنصري الاستيطاني، الذي ترتبت عليه سيطرة الأقلية البيضاء على موارد زمبابوي، فإن لندن لم تجد أي حرج في تقديم الدروس حول حقوق الإنسان لحكام زمبابوي الوطنيين، وذلك دون أي اعتراف بسيئات استعمارها البغيض لهذه البلاد وبانعكاساته الأليمة التي لا يزال بعضها مستمراً إلى اليوم.
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي قد بدأ يستوعب شيئاً فشيئاً ما يجري في القارة الإفريقية، وأخد يلمس دينامية التحولات الجارية على صعيدها، واحتداد المنافسة الدولية على موادها الأولية وعلى أسواقها المتنامية. وعلى أساس ذلك سارعت الرئاسة البرتغالية للاتحاد إلى وضع حد لإهمال إفريقيا واللامبالاة بتعزيز العلاقات معها، ونجحت في استضافة القمة الأوروبية الإفريقية، على الرغم من مقاطعة الوزير الأول البريطاني لهذه القمة.
ويلاحظ متابعو الشؤون الاقتصادية لإفريقيا أن هذه الأخيرة قد أخذت تسجل في السنوات الأخيرة نسب نمو مشجعة وخاصة في جنوب القارة وشمالها. وبموازاة ذلك يتنامى أداء ووزن المقاولات الإفريقية، ويبرز جيل جديد من المقاولين الأفارقة.
وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة منها الدول التي شاركت في استعمار القارة الإفريقية مثل فرنسا وبريطانيا واسبانيا وايطاليا والبرتغال، قد اطمأنت إلى مواقعها الاقتصادية المهيمنة في هذه القارة، وتقاعست عن تطوير هذه المواقع بما يتطلبه التطوير من توسيع للاستثمارات في إفريقيا، وانفتاح على صادراتها، وتحسين للمساعدات المقدمة إليها، فإن قوى دولية أخرى مثل الهند واليابان وماليزيا والبرازيل وتركيا والصين، قد ضاعفت اهتمامها بالقارة السمراء، وسعت إلى الاستثمار فيها وإلى إنجاز المشاريع التجهيزية الكبرى في العديد من دولها إلى جانب تنمية المبادلات معها. ويعتبر النمو السريع للعلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا أكثر إثارة للانتباه، فضلاً عما يثيره من قلق وخوف في الدول الغربية. وقد قفزت المبادلات التجارية الصينية الإفريقية من ثلاثة مليارات دولار سنة 1995 إلى أربعين مليار دولار سنة 2005 ثم إلى 55 مليار دولار سنة ،2006 وتستورد الصين من إفريقيا المواد الأولية الزراعية والمعدنية وضمنها النفط، وتصدر إليها، بصورة خاصة، الأنسجة والأدوات المنزلية. وتحضر كبريات الشركات الصينية في استكشاف النفط واستخراجه، وفي انجاز الأشغال الكبرى المتعلقة بالسدود والطرق السيارة وسكك الحديد والمطارات والمنشآت السكنية.
وبالإضافة إلى الاهتمام الخاص الذي توليه القيادة السياسية الصينية بإفريقيا من خلال “المنتدى الصيني الإفريقي” الذي انعقد سنوات 2000 و2003 و،2006 وحضر نسخته الثالثة رؤساء دول وحكومات القارة السمراء، ومن خلال المساعدات المتمثلة في الإعفاء من الديون، وتقديم القروض الميسرة، ومن خلال تأهيل وتكوين الكفاءات الإفريقية، بالإضافة إلى ذلك تتوافر للصين، في علاقاتها مع إفريقيا شروط مساعدة بالغة الأهمية. وتتمثل هذه الشروط، على وجه الخصوص، في غياب ماض سلبي للصين في إفريقيا، وفي اعتماد بكين لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الإفريقية، وفي سرعة اتخاذ القرار الاقتصادي الصيني، هذا فضلاً عن سرعة الإنجاز التي تتميز بها المقاولات الصينية، وفضلاً عن تدني أسعار الصادرات الصينية نحو إفريقيا، وفضلاً كذلك عما تشكله الصين من سوق إضافية للعديد من المنتجات الإفريقية التي ضاقت في وجهها الأسواق الغربية.
وبالنظر إلى النمو السريع للعلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا، وإلى اتجاه هذه العلاقات إلى المزيد من التوسع، وإلى ما يؤديه إليه ذلك من تحسن في القدرة التفاوضية للقارة السمراء يسمح لها بمطالبة شركائها بمعاملة أفضل، فقد بدأت دول الاتحاد الأوروبي تستوعب ما يتهدد مواقعها الاقتصادية في إفريقيا بسبب المنافسة الدولية عامة، والصينية خاصة. واتجهت إلى تغيير خطابها تجاه الأفارقة متحدثة عن “العلاقات الندية” مع هؤلاء، وخففت لهجتها التلقينية في مواضيع الديمقراطية وحقوق الإنسان، واضطرت إلى استقبال موغابي فوق أراضيها بعد أن كانت تمنعه من الدخول إلى هذه الأراضي.
وعلى الرغم من أن ممارسة الاتحاد الأوروبي لا تزال بعيدة عن خطابه الجديد تجاه إفريقيا كما يدل على ذلك إصراره على فرض اتفاقيات “الشراكة الاقتصادية” التي تبيح الأسواق الإفريقية للصادرات الأوروبية. بما فيها تلك المعتمدة على الدعم العمومي، على الرغم من ذلك، فإن ما أخذت دول القارة السمراء تحققه من انتعاش اقتصادي، وتقيمه من علاقات مع القوى الدولية الناهضة، سيفرض على الاتحاد الأوروبي أن يتكيف مع الأمر الواقع الجديد، وأن يقلل من إملاءاته على إفريقيا، وأن يحسن شروط التعامل الاقتصادي معها.
العربي مفضال ـ كاتب مغربي
احتضنت العاصمة البرتغالية لشبونة، يومي الثامن والتاسع من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، القمة الثانية للاتحاد الأوروبي وإفريقيا. وكانت النسخة الأولى من هذه القمة قد انعقدت سنة2000 بالقاهرة. وكان من المفترض أن تجمع بين الاتحادين الأوروبي والإفريقي، ولكن إصرار الجانب الأوروبي على استبعاد مشاركة “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” في تلك القمة رغم عضويتها في الاتحاد الإفريقي مقابل التمسك بمشاركة المغرب المنسحب من هذا الاتحاد، ترتبت عليه تسمية القمة سالفة الذكر قمة الاتحاد الأوروبي وإفريقيا.
وكان من المقرر أن تنعقد النسخة الثانية من تلك القمة سنة ،2003 ولكنها تأخرت أربع سنوات بسبب الاعتراض البريطاني، المدعوم من عدة دول أوروبية، على مشاركة الرئيس الحالي لزمبابوي موغابي.
وكانت لندن قد غضبت غضبا شديدا على مصادرة أراضي المزارعين البيض في زمبابوي في إطار ما نعته موغابي بالإصلاح الزراعي، واتهمت الرئيس الزيمبابوي بانتهاك حقوق الإنسان، واستصدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، ومنعته من دخول أراضي هذا الاتحاد.
ويلخص الموقف البريطاني من زمبابوي جانباً أساسياً من الموقف الأوروبي تجاه دول القارة السمراء. فعلى الرغم من المسؤولية البريطانية الكبرى في فرض أسوأ أشكال الاستعمار، وهو الشكل العنصري الاستيطاني، الذي ترتبت عليه سيطرة الأقلية البيضاء على موارد زمبابوي، فإن لندن لم تجد أي حرج في تقديم الدروس حول حقوق الإنسان لحكام زمبابوي الوطنيين، وذلك دون أي اعتراف بسيئات استعمارها البغيض لهذه البلاد وبانعكاساته الأليمة التي لا يزال بعضها مستمراً إلى اليوم.
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي قد بدأ يستوعب شيئاً فشيئاً ما يجري في القارة الإفريقية، وأخد يلمس دينامية التحولات الجارية على صعيدها، واحتداد المنافسة الدولية على موادها الأولية وعلى أسواقها المتنامية. وعلى أساس ذلك سارعت الرئاسة البرتغالية للاتحاد إلى وضع حد لإهمال إفريقيا واللامبالاة بتعزيز العلاقات معها، ونجحت في استضافة القمة الأوروبية الإفريقية، على الرغم من مقاطعة الوزير الأول البريطاني لهذه القمة.
ويلاحظ متابعو الشؤون الاقتصادية لإفريقيا أن هذه الأخيرة قد أخذت تسجل في السنوات الأخيرة نسب نمو مشجعة وخاصة في جنوب القارة وشمالها. وبموازاة ذلك يتنامى أداء ووزن المقاولات الإفريقية، ويبرز جيل جديد من المقاولين الأفارقة.
وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة منها الدول التي شاركت في استعمار القارة الإفريقية مثل فرنسا وبريطانيا واسبانيا وايطاليا والبرتغال، قد اطمأنت إلى مواقعها الاقتصادية المهيمنة في هذه القارة، وتقاعست عن تطوير هذه المواقع بما يتطلبه التطوير من توسيع للاستثمارات في إفريقيا، وانفتاح على صادراتها، وتحسين للمساعدات المقدمة إليها، فإن قوى دولية أخرى مثل الهند واليابان وماليزيا والبرازيل وتركيا والصين، قد ضاعفت اهتمامها بالقارة السمراء، وسعت إلى الاستثمار فيها وإلى إنجاز المشاريع التجهيزية الكبرى في العديد من دولها إلى جانب تنمية المبادلات معها. ويعتبر النمو السريع للعلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا أكثر إثارة للانتباه، فضلاً عما يثيره من قلق وخوف في الدول الغربية. وقد قفزت المبادلات التجارية الصينية الإفريقية من ثلاثة مليارات دولار سنة 1995 إلى أربعين مليار دولار سنة 2005 ثم إلى 55 مليار دولار سنة ،2006 وتستورد الصين من إفريقيا المواد الأولية الزراعية والمعدنية وضمنها النفط، وتصدر إليها، بصورة خاصة، الأنسجة والأدوات المنزلية. وتحضر كبريات الشركات الصينية في استكشاف النفط واستخراجه، وفي انجاز الأشغال الكبرى المتعلقة بالسدود والطرق السيارة وسكك الحديد والمطارات والمنشآت السكنية.
وبالإضافة إلى الاهتمام الخاص الذي توليه القيادة السياسية الصينية بإفريقيا من خلال “المنتدى الصيني الإفريقي” الذي انعقد سنوات 2000 و2003 و،2006 وحضر نسخته الثالثة رؤساء دول وحكومات القارة السمراء، ومن خلال المساعدات المتمثلة في الإعفاء من الديون، وتقديم القروض الميسرة، ومن خلال تأهيل وتكوين الكفاءات الإفريقية، بالإضافة إلى ذلك تتوافر للصين، في علاقاتها مع إفريقيا شروط مساعدة بالغة الأهمية. وتتمثل هذه الشروط، على وجه الخصوص، في غياب ماض سلبي للصين في إفريقيا، وفي اعتماد بكين لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الإفريقية، وفي سرعة اتخاذ القرار الاقتصادي الصيني، هذا فضلاً عن سرعة الإنجاز التي تتميز بها المقاولات الصينية، وفضلاً عن تدني أسعار الصادرات الصينية نحو إفريقيا، وفضلاً كذلك عما تشكله الصين من سوق إضافية للعديد من المنتجات الإفريقية التي ضاقت في وجهها الأسواق الغربية.
وبالنظر إلى النمو السريع للعلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا، وإلى اتجاه هذه العلاقات إلى المزيد من التوسع، وإلى ما يؤديه إليه ذلك من تحسن في القدرة التفاوضية للقارة السمراء يسمح لها بمطالبة شركائها بمعاملة أفضل، فقد بدأت دول الاتحاد الأوروبي تستوعب ما يتهدد مواقعها الاقتصادية في إفريقيا بسبب المنافسة الدولية عامة، والصينية خاصة. واتجهت إلى تغيير خطابها تجاه الأفارقة متحدثة عن “العلاقات الندية” مع هؤلاء، وخففت لهجتها التلقينية في مواضيع الديمقراطية وحقوق الإنسان، واضطرت إلى استقبال موغابي فوق أراضيها بعد أن كانت تمنعه من الدخول إلى هذه الأراضي.
وعلى الرغم من أن ممارسة الاتحاد الأوروبي لا تزال بعيدة عن خطابه الجديد تجاه إفريقيا كما يدل على ذلك إصراره على فرض اتفاقيات “الشراكة الاقتصادية” التي تبيح الأسواق الإفريقية للصادرات الأوروبية. بما فيها تلك المعتمدة على الدعم العمومي، على الرغم من ذلك، فإن ما أخذت دول القارة السمراء تحققه من انتعاش اقتصادي، وتقيمه من علاقات مع القوى الدولية الناهضة، سيفرض على الاتحاد الأوروبي أن يتكيف مع الأمر الواقع الجديد، وأن يقلل من إملاءاته على إفريقيا، وأن يحسن شروط التعامل الاقتصادي معها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق