الأحد، 9 ديسمبر 2007

منازعات الحدود بين الصين واليابان

صحيفة الخليج الإماراتية
محمد خليفة
هناك كثير من النزاعات والخلافات التاريخية والحدودية بين الدول تمتد انعكاساتها وتأثيراتها السلبية وتؤدي إلى كثير من الأزمات والحروب، ومنها الصراع بين الصين واليابان الذي أفضى إلى حرب بين الدولتين في العقد الثاني عشر من القرن العشرين. ومنذ ذلك التاريخ تواجه الدولتان مشكلات سياسية وقانونية تتعلق بمسألة الحدود وما تثيره من قضايا خلافية ونزاعات متعددة في العلاقات بين البلدين، وآخرها تصريح المسؤول الياباني في طوكيو خلال الاجتماع الحادي عشر بين الصين واليابان بشأن النزاع القائم بينهما حول حقوق التنقيب عن الغاز في حقول متنازع عليها في بحر الصين الشرقي. وقد اتفق الجانبان على رفع مستوى هذه المباحثات السياسية المتعثرة إلى المستوى الوزاري.
وكان الخلاف بين الصين واليابان قد بدأ حول حقول الغاز تلك في فبراير/ شباط عام 2006 عندما قامت سفينة أبحاث صينية بإجراء مسح جيولوجي على منطقة في البحر قريبة من جزر خالية متنازع عليها بين الصين واليابان. وكاد الخلاف بين الجانبين أن ينزلق إلى نزاع عسكري، لولا مبادرتهما إلى إقامة خط ساخن من أجل تفادي أي نزاع، خاصة أن العلاقات بينهما تحكمها ذكريات الماضي الأليم. فقد كانت اليابان على مدى نصف قرن من الزمان العدو الأول للصين، وابتدأت تلك العداوة عندما حدثت النهضة في اليابان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ احتاجت هذه النهضة إلى المواد الأولية التي تفتقر إليها اليابان بشدة، نظراً لأنها دولة مؤلفة من أرخبيل من الجزر تغطي الجبال ثمانين في المائة من أرضها، وفيها أكثر من 190 بركاناً نشطاً، وغالباً ما تحدث فيها هزات أرضية وزلازل، ولما لم يجد اليابانيون المواد الأولية المطلوبة في الصناعة في بلادهم، اتجهوا صوب البلاد القريبة منهم وهي الصين ذات الأرجاء الوسيعة والخيرات الوفيرة.
وابتدأ الصدام بين الدولتين حول كوريا التي كانت جزءاً من الامبراطورية الصينية، وبعد أن خسرت الصين الحرب أمام المستعمر الإنجليزي بين عام 1839 و،1842 ضعفت قوتها وتراخت سيطرتها بسبب غلبة المستعمرين عليها، وحاول هؤلاء المستعمرون الدخول إلى كوريا، لكنهم واجهوا مقاومة عنيفة من شعبها، واستغلت اليابان الموقف حيث ادعت في عام ،1876 أن الكوريين أطلقوا النار على سفينة حربية تابعة لها، فأنزل اليابانيون في كوريا حملة تأديبية وفرضوا عليها معاهدة صداقة وتجارة. ومنذ ذلك الحين قامت المنافسة بين الصين واليابان حول كوريا، إلى أن هيّأ الكوريون السبب المباشر لقيام حرب بين الصين واليابان، وذلك عندما قامت فتنة داخلية في كوريا، كانت اليابان تقف وراءها، ولم يستطع حاكم كوريا القضاء عليها فاستعان بحليفته الصين التي أرسلت قوات صينية إلى كوريا، ولما علمت اليابان أرسلت قوات يابانية إلى هناك. فبدأت الحرب بين الدولتين عام ،1894 وانهزمت الصين لضعف قواتها أمام القوات اليابانية المدربة.
وفي فبراير/ شباط ومارس/ آذار من عام ،1895 هاجمت القوات اليابانية البرية والبحرية بلاد الصين الأصلية عند “واي هاي واي” في إقليم شانتونج، كما غزت منشوريا وتايوان واضطر الصينيون إلى طلب الصلح، فكانت معاهدة “شمونسكي” في أبريل/ نيسان 1895 التي قضت بإنهاء الحرب الصينية اليابانية بتنازل الصين عن تايوان وجزر بسكادور وشبه جزيرة لياوتونج، ودفع غرامة كبيرة لليابان، بالإضافة إلى الاعتراف بالاستقلال التام لكوريا. لكن اليابان ضمتها بالقوة إليها عام ،1910 وأسمتها “شوصن”، ومن ثم وجهت أنظارها نحو الصين من جديد مستغلة وضعها كقوة عالمية كبرى آنذاك. ففي عام 1931 استولت على الولايات الشمالية الشرقية من الصين المعروفة باسم منشوريا، وأقامت فيها دولة ألعوبة باسم متشوكو. وفي عام 1933 اقتطعت من الصين ولاية جيهول الواقعة على الحدود لتكون دولة غازية. وقامت اليابان في عام 1937 بالغزو الفعلي للصين بهدف السيطرة عليها كلِّها. ووقف الشعب الصيني في وجه هذا الغزو، وأعاق تقدمه، ولم يتوقف الغزو الياباني على الصين إلا بهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية عام ،1945 حيث ورث الشيوعيون الصينيون عتاد اليابانيين الحربي الذي تركوه وراءهم ولاسيما في منشوريا. وبهذا العتاد وبالمساعدات الضخمة الأخرى التي قدّمها الاتحاد السوفييتي السابق لهم، تمكن الشيوعيون من توحيد الصين تحت سيطرتهم عام 1949.
ورغم زوال الخطر الياباني عن الصين، إلا أن الشعب الصيني ظل ينظر بمرارة إلى ما فعله اليابانيون بهم، وظلت العلاقات بين الدولتين محكومة بانعدام الثقة وبالكره. ولعل النزاع الحاصل بينهما حول تلك الجزر وما يقبع تحتها من حقول غاز ضخمة، إنما هو امتداد لذاك العداء الطويل والذي لن ينتهي في المستقبل القريب. لكن الدولتين، وبالأخص الصين، لا تريد الدخول في حرب بسبب هذا الموضوع، لأن هناك نزاعاً أكبر ينتظرها، وهو النزاع مع الولايات المتحدة. واليابان اليوم محمية بالمظلة النووية الأمريكية، وبالتالي فهي ليست قوة أساسية، ولن تشتت جهود الصين في الوقت الحاضر، بل ستركّز على قتال الرأس بعد أن ينهار ويفقد قوته وتميل القوة لمصلحة الصين، وبعد ذلك سوف تأخذ الأمور بين الجارين الآسيويين مساراً وقفزات حساسة وخطيرة مدفوعة بعوامل الماضي.

ليست هناك تعليقات: