الأحد، 9 ديسمبر 2007

أفريقيا التي وقعت في أحضان الشرق!!

صحيفة الرياض السعودية
يوسف الكويليت
أيقظت استثمارات الصين في القارة الأفريقية ضمير الدول الأوروبية، وإن كانت هذه الصحوة جاءت من خوف استحواذ الصين على المكافآت السخية التي منحها الأفارقة للغرب من خلال النهب المتواصل عندما تحولت إلى منجم وبئر نفط، واقتلاع الأشجار لتحريك صناعة الأخشاب، والورق ومزارع لتعليف الخنازير، في الوقت الذي انخفض دخل المواطن الأفريقي إلى ما دون الكفاف لتشيع المجاعات والحروب، ويتحول الإنسان الأسود إلى رقيق في سوق النخاسة وفأر لأنابيب الاختبارات للأدوية والغازات، والمواد التي تتأسس عليها صناعة الأسلحة الجرثومية والكيماوية، ومدافن لمخلفات المفاعلات النووية..
تلك البيئة العذراء التي دُمرت، مع إنسانها بواسطة الرجل الأبيض، جاء الصينيون إليها بحوافز الاستفادة من ثرواتها وإعمارها، أي إسقاط حساب الاستعمار السياسي والاقتصادي إلى بناء متوازن، ولعل هذه الهجمة التي تبعتها دول آسيوية أخرى في اكتشاف مستوطنة الرجل الأسود أجبرت الغرب على عقد قمة (لشبونة) بين قادة القارتين، لكن إذا لم يُشفع هذا التجمع بالاعتذارات المتواصلة عن الجرائم التي حدثت زمن الاستعمار، والاسترقاق، والتعويض عن الثروات القومية، وإنشاء صندوق ببلايين الدولارات لإعمار القارة، والتكفير عن بعض الذنوب التي طالت أفريقيا، فإن نزعة الحلول والإحلال، والتنافس فقط على إعادة النهب بأسلوب مختلف، ربما انتهت لأن الجبار الآسيوي يعرف كيف يقيم علاقاته ويقوّمها مع قارة نالت أقصى حالات التدمير والاستعباد ومظالم الإنسان للآخر، بما فيها تشابه الظروف من قسوة الغرب على أبناء القارتين..
لقد تفوقت الحضارة الغربية، واستطاعت أن تكون الوريث للحضارات السابقة إلا أن فجر العالم الآسيوي الذي سيقود البشرية إلى نمط آخر من العلاقات، وخاصة الصين، والهند وبقية الكواكب الأخرى التي ليس في سجلها التاريخي أي نمط يماثل الاستعمار الغربي، والأمريكي، سيضعنا على عتبة عصر آخر ونموذج جديد في العلاقات الدولية..
فالقارتان الصفراء، والسوداء، هما مستودع البشرية السكاني والعمق الجغرافي الكبير والمؤسستان للحضارة الأولى على ضفاف النيل، وسورية والعراق، والصين والهند وغيرها، وبالتالي فإن استرداد ما سُلب منهما يعيد جدولة التاريخ، ومراكز القوة، ويجعل المنافسة مختلفة، لأن عدوانية الحروب والفصل العنصري الذي جرى في الغرب، وفجّر النازية والفاشية، لم يكونا حدثاً ونموذجاً تاريخيين للقارتين العظميين..
فأفريقيا لا تزال القارة البكر، ولكنها خرجت من أن تكون احتياطياً للثروات الطبيعية في احتكارات الغرب إلى مجال مفتوح للقوى الصاعدة في آسيا، إذ لم يعد التجاهل، والاحتكار، وابتزاز تلك الشعوب حالة ثابتة في زمن متغير، ولعل دخول الصين لأفريقيا، أو ما يعتبر الساحة الخلفية لأوروبا، وضع العالم على عتبة تنافس مختلف، ولعل كبرياء الغرب الذي جعل الرئيس (ساركوزي) مثلاً يرفض الاعتذار عن جرائم فرنسا بالجزائر، وقبلها انجلترا وغيرهما حوّل القضايا الميتة إلى حالة استنفار.
أي أن أوروبا الجائعة للنفط والثروات الأحفورية الأخرى دفعها لأن تدخل المنافسة لكن هذه المرة بنوازع التعاون لأن البديل الآسيوي سيعوّض أي خسارة، وهنا انقلبت المعادلات، وصار المجهول الأفريقي حاضراً بعد أزمنة التجاهل والضياع..

ليست هناك تعليقات: