الأحد، 30 ديسمبر 2007

عالم بلا حدود: تحويل النهر الأصفر في الطريق إلى الدولة العظمى

صحيفة 26 سبتمبر اليمنية
فاروق لقمان
الأرقام مذهلة والمبالغ المرصودة لخمسين سنة قادمة وأعداد المشتغلين في المشاريع الجارية تكاد تربك القارئ. المراسلون الذين زاروا الصين أخيراً لم يتمكنوا من تفقدها كلها أو أغلبها لأنها كبيرة جداً ومتباعدة. لذلك وجب على المهتمين بما يجري هناك جمع عدد منها وقراءتها بتأنٍ للخروج بفكرة ولو محدودة عما يدور في الصين الجديدة – أي بعد عهد الزعيم ماوتسي تونج وإلغاء الشيوعية كمنهج اقتصادي منذ الربع الأخير من القرن الماضي.
فهناك مشروع الوديان الثلاثة الذي يكاد يصل إلى نهايته بعدما استغرق عدة سنوات ومليارات من الدولارات لتوفير مياه للمناطق الجافة أو المهددة بالجفاف. صحيح أن مليوناً ومائتي ألف سيفقدون مساكنهم – أكثرها من الأكواخ إلا أنهم سيعوضون. والحكومة ماضية في الدفع لأن عيون العالم خصوصاً في بقية الصين وخارجها ترقب عن كثب كيف تعامل الحكومة والحزب "الشيوعي" الحاكم شعبها. والشيوعية قد انتهت تقريباً خصوصاً في الجنوب الزاهر – عاصمته شنغهاي – التي كانت يوماً ما عروس الشرق الفاتنة مما أطمع فيها جحافل الغزاة والمغامرين من الغربيين. سد الوديان الثلاثة الذي يمتد فوق نهر اليانجستي في عدة مناطق بدأ في توليد أكثر من عشرين ألف ميجاوات. وعندما يدشن رسمياً عام 2011 سيكون أكبر محطة توليد كهرومائية في العالم. ويُقال أنه الأكبر منذ بناء سور الصين العظيم بطول ستة آلاف وأربعمائة كيلومتر إلا أنه كما قلت ذات يوم لم ينفع في صد الغزاة المغول. ومع ذلك فإن الصين تفاخر به الأمم اليوم كأحد عجائب الهندسة من جهة وجبروت الإرادة وحسن التخطيط الرسمي ولو بالتضحية بمئات الألوف من العمال المساكين. سد الوديان أنفع منه على المدى البعيد لأنه يحمل المياه إلى الناس وليس بحاجة إلى سياحة خارجية لتوليد المال اللازم لصيانته.
تمتلك الصين اليوم أكثر من ترليون – ألف مليار – احتياطي من العملات الصعبة سيما الدولار بحيث أنها لو تخلت عنه لاهتز الاقتصاد الأمريكي كالزلزال المدمر لكن ذلك أيضاً سيهز الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على سوق الولايات المتحدة لاستمرار ازدهاره.
ويبدو أن انفتاح الاقتصاد الصيني بعد عقود من الانغلاق وتأميم كل وسائل الإنتاج فتح أيضاً إبداعات وعبقريات الشعب التي ظلت مكبوتة لعدة قرون من عهود الأباطرة ولوردات الحروب وابتزاز الغزاة الغربيين ومجازر الحروب الأهلية وجرائم الاحتلال الياباني قبل الاستقلال الذي تلته الحرب الأهلية بين الحزب الوطني بقيادة شيانج كاي شيك والشيوعي بزعامة ماو.
وقبل أن يكتمل بناء سد الوديان كانت البلاد قد بدأت في بناء ما يُقال أنه سيكون أضخم مشروع في العالم لتحويل مسارات النهر الأصفر حتى العام ألفين وخمسين الذي سيكلف حسب التقديرات الحالية ستين مليار دولار وأتصور أن المبلغ سيتضاعف قبل أن يتم الانتهاء منه.
وخلال العامين الماضيين وفي سباق مع الزمن للانتهاء من مرحلة حفر نفقين تحت النهر بطول أربعة آلاف متر كمجرد بداية بحلول الألعاب الأولمبية عام ألفين وثمانية كان العمل يجري ليلاً ونهاراً وما هو إلا جزء يسير من المشروع الهائل الذي سيجعل من الصين بالإضافة إلى سواه بحلول 2050 كما يتوقعون، سوبر باور العالم تليها الهند إذا سارت الأمور كما هي عليه الآن وعلى هذا المنوال. لكن ذلك كما قال أكثر المراقبين يتطلب اهتماماً كبيراً بالدراسات العلمية بأنواعها للحاق بالمستويات الأمريكية والغربية واليابانية لأن تصدير المنتجات الرخيصة وحدها لن يكفي ليجعل منها الدولة العظمى الأولى المنشودة. وذلك يقتضي السماح ببناء ربما مئات الجامعات والمعاهد العلمية الأهلية – ليست الحكومية المقيدة بالمناهج الموضوعة والخاضعة لعقائديات محددة.
وعند الانتهاء من مشروع أو مشاريع النهر الأصفر وتوصيل المياه بكميات قد لا تصدق حالياً إلى شمال البلاد الذي يعاني من الجفاف البطيء ستصبح الصين في وضع أفضل وبلا منازع إذا أحسنت كما يتوقعون إنفاق تريليون دولار ويورو الذي في حوزتها اليوم. وقد لا يتحقق كل ذلك، وقد تنشب حروب أهلية أو قد تستفز الولايات المتحدة وحليفتها اليابان الصين إلى حرب لا ترغب فيها، وقد تحاصر صادراتها إلى أسواق الدول الغربية كما حدث في الأشهر القليلة الماضية كما فعلت أمريكا باليابان مما أشعل الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادي. وهو ما يقول المؤرخون حالياً بعد عقود من وضع اللوم على اليابان. فالولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا والدول الاستعمارية الأخرى حرمت اليابان من النفط في الثلاثينات لعرقلة مسيرتها ومضايقتها مما أرغمها على غزو كل دول آسيا باستثناء الهند حتى احتلت منشوريا في الصين ووصلت قواتها إلى برما –مينمار حالياً– وحلقت طائراتها في شمال الهند وجزيرة سري لانكا.
موجز الحكاية أن الصين تعيش حالياً ملحمة صناعية، زراعية، تجارية لم تعهدها من قبل ولا يمكن مقارنته

ليست هناك تعليقات: