صحيفة انترناشنال هيرالد تريبيون
بهزاد ياغمايان
تقول الحكمة التقليدية التي يجري تداولها بين معظم صناع السياسة والمعلقين الاميركيين الذين يحدقون في العجز التجاري الاميركي الضخم مع الصين، إنه يجب رفع قيمة العملة الصينية- اليوان-. غير ان الدليل المستقى من تجربة السنتين الماضيتين يشير الى ان إحداث ثورة ربما سيكون ذا أثر قليل على العجز، ولن يفضي سوى إلى إلحاق الأذى بالعاملين وصغار المصنعين الصينيين.
كان "الحوار الاستراتيجي الاقتصادي" الأخير بين الصين والولايات المتحدة الذي انعقد في بكين يومي الاربعاء والخميس قبل الماضيين قد انتهى دون تحقيق الكثير من المكاسب بالنسبة لاهداف واشنطن الرئيسة- اقناع الصين بانتهاج تثوير أكثر جسارة فيما يخص قيمة عملتها.
وكانت الصين قد أقدمت، إذعانا لضغوطات أبكر، على تغيير سياساتها التي انتهجتها طوال عقد في تموز-يوليو 2005، حين ربطت اليوان بالدولار. فارتفعت قيمة اليوان لاكثر من 5% في السنة الاولى، وبواقع 12% مع حلول الاجتماع الاخير في بكين.
ومع ذلك، استمر العجز التجاري الاميركي في الاتجار مع الصين في الانتفاخ بنسبة فاقت 15%، ليرتفع من 201 بليون دولار في عام 2005 الى 232 بليون دولار في عام 2006، ومن المتوقع ان يصل العجر إلى 260 بليون دولار مع حلول نهاية عام 2007. وقد فشلت السياسة في تحقيق هدفها.
كان الفشل نتيجة فهم خاطئ للعلاقات الاقتصادية الهيكلية للصين مع الولايات المتحدة، كما وللطريقة التي تسهم من خلالها المؤسسات الاميركية في تعميق هذا العجز. ففي السنوات الاخيرة، مر الاقتصاد الاميركي بتغيرات جوهرية كان من شأنها ان تخفض فعالية اسعار الصرف في تغيير انماط الاتّجار، خاصة مع بلدان مثل الصين.
كان من الممكن ان يكون لرفع قيمة اليوان ذلك الاثر المرغوب لو تم إنتاج السلع المستوردة من الصين في الولايات المتحدة أيضاً. وفي مواجهة ارتفاع أسعار المستوردات التي تسببت بها تلك الثورة (ارتفاع قيمة اليوان)، ربما كان بعض المستهلكين الاميركيين يختارون التحول الى شراء البدائل المحلية.
لكن ذلك ليس هو واقع الحال مع معظم الواردات الصينية، والتي ليس لها سوى القليل من البدائل الاميركية. ذلك أن الالبسة الصينية، كما وقطع الحواسيب والالكترونيات والالعاب والعديد من الاشياء الاخرى في القائمة التي تزداد طولاً من قائمة الواردات, لم تعد تتنافس مع المنتجات الاميركية المشابهة. ولو لم يكن من الصين، فإن الولايات المتحدة كانت لتشتريها من بلدان أخرى. وكان العجز سيظل قائماً، وإنما كان ليكون فقط مع بلدان أخرى.
يتسم العجز التجاري مع الصين بأنه هيكلي من حيث طبيعته. وتتسبب به بشكل كبير تلك العولمة الجسورة للمؤسسات الاميركية، وإعادة موضعتها دوليا منذ عقد الثمانينات من العقد الماضي، وهي خطوة حظيت بالدعم من لدن كافة الادارات الاميركية الاخيرة. ومستغلة ميزة مخزون الصين الضخم من العمالة رخيصة الكلفة والافتقار الى قوانين السوق، انتقلت العديد من الشركات الاميركية الى الصين، فأسست فيها فروعاً وشركات تابعة. وفي الغضون، زادت المشتريات التي تبتاعها الشركات الاميركية من الشركات التابعة في الصين من نسبة 10% من إجمالي الواردات في عام 1992 الى 24,6% في عام 2006، وهي مستمرة بالارتفاع بوتيرة سريعة.
في الاثناء، يتفاقم العجز من خلال الاستخدام الموسع لاتفاقيات التعاقد من الباطن بين الشركات الاميركية وآلاف المصنعين المستقلين الصغار والكبار في الصين على حد سواء، والذين يصنّعون سلعا شبه مستكملة وسلعا مستكملة للسوق الأميركية.
ومع ان الاحصائيات التجارية الاجمالية لا تظهر قيمة الواردات المتعاقد عليها من الباطن، فإن هذه الفئة تتميز بأنها كبيرة وآخذة في النمو، إذ إن لدى شركات "موتي" Motte و"نايك" Nike و"نيو بالانس New Balance والعديد من الشركات الاميركية الضخمة الاخرى اتفاقيات تعاقد من الباطن، الصارمة وطويلة الأمد، مع شركات غير تابعة تنتج لها وحدها.
ونظرا إلى أن قيمة العقود من الباطن تُدفع بالدولار الاميركي، فإن رفع قيمة اليوان يترك الشركات الاميركية متعددة الجنسيات وقد ظل طلبها على المنتجات الصينية غير متأثر. بينما لا تتغير، في الأثناء، الواردات من الصين.
على الرغم من ذلك، فإن رفع قيمة العملة الصينية سيضر بقابلية الربحية للمقاولين من الباطن، والذين يواجهون خفضاً في دخولهم بعد التحول الى العملة المحلية. وحتى تذهب الأمور إلى الأسوأ، ما فتئت العديد من الشركات الاميركية تطالب بأسعار اقل من مقاوليها من الباطن، مهددة بالتحول الى الهند او فيتنام او أي بلد آخر.
كانت النتيجة كارثية على آلاف المصنعين الصينيين الصغار الذين لديهم كثافة عمالية دون توافرهم على السعة التكنولوجية لتحسين منتجهم أو قدرة استيعاب التغيرات. وفي محاولة للتأقلم مع الوضع، ما يزال العديدون يمارسون ضغوطات على موظفيهم ويطالبون بعمل إضافي (غالبا بلا أجر)، وبخفض معايير العمل، مستخدمين مواد ذات جودة أقل.
سوف يجبر العديدون من هؤلاء على الخروج من السوق. وربما يكون هذا تداعياً للسياسات الصينية يحظى بالترحيب، حيث ينظم حركة السوق ويخرج منها المنتجون غير الفاعلين. وبالرغم من ذلك، فإن الاثر قصير الامد سيتمثل في التسبب بالمزيد من الصعوبات للعمال الصينيين. وأثناء زيارة كنت قد قمت بها مؤخراً إلى مدينة شينزن الصناعية في الصين، قال لي مقاول صغير من الباطن يزود شركة اميركية بمنتجاته: "في مصنع مثل مصنعي، يمكن تحقيق الربح فقط من خلال استغلال العمال".
وفي الأثناء، يستمر العجز التجاري الاميركي مع الصين بالارتفاع.
بهزاد ياغمايان
تقول الحكمة التقليدية التي يجري تداولها بين معظم صناع السياسة والمعلقين الاميركيين الذين يحدقون في العجز التجاري الاميركي الضخم مع الصين، إنه يجب رفع قيمة العملة الصينية- اليوان-. غير ان الدليل المستقى من تجربة السنتين الماضيتين يشير الى ان إحداث ثورة ربما سيكون ذا أثر قليل على العجز، ولن يفضي سوى إلى إلحاق الأذى بالعاملين وصغار المصنعين الصينيين.
كان "الحوار الاستراتيجي الاقتصادي" الأخير بين الصين والولايات المتحدة الذي انعقد في بكين يومي الاربعاء والخميس قبل الماضيين قد انتهى دون تحقيق الكثير من المكاسب بالنسبة لاهداف واشنطن الرئيسة- اقناع الصين بانتهاج تثوير أكثر جسارة فيما يخص قيمة عملتها.
وكانت الصين قد أقدمت، إذعانا لضغوطات أبكر، على تغيير سياساتها التي انتهجتها طوال عقد في تموز-يوليو 2005، حين ربطت اليوان بالدولار. فارتفعت قيمة اليوان لاكثر من 5% في السنة الاولى، وبواقع 12% مع حلول الاجتماع الاخير في بكين.
ومع ذلك، استمر العجز التجاري الاميركي في الاتجار مع الصين في الانتفاخ بنسبة فاقت 15%، ليرتفع من 201 بليون دولار في عام 2005 الى 232 بليون دولار في عام 2006، ومن المتوقع ان يصل العجر إلى 260 بليون دولار مع حلول نهاية عام 2007. وقد فشلت السياسة في تحقيق هدفها.
كان الفشل نتيجة فهم خاطئ للعلاقات الاقتصادية الهيكلية للصين مع الولايات المتحدة، كما وللطريقة التي تسهم من خلالها المؤسسات الاميركية في تعميق هذا العجز. ففي السنوات الاخيرة، مر الاقتصاد الاميركي بتغيرات جوهرية كان من شأنها ان تخفض فعالية اسعار الصرف في تغيير انماط الاتّجار، خاصة مع بلدان مثل الصين.
كان من الممكن ان يكون لرفع قيمة اليوان ذلك الاثر المرغوب لو تم إنتاج السلع المستوردة من الصين في الولايات المتحدة أيضاً. وفي مواجهة ارتفاع أسعار المستوردات التي تسببت بها تلك الثورة (ارتفاع قيمة اليوان)، ربما كان بعض المستهلكين الاميركيين يختارون التحول الى شراء البدائل المحلية.
لكن ذلك ليس هو واقع الحال مع معظم الواردات الصينية، والتي ليس لها سوى القليل من البدائل الاميركية. ذلك أن الالبسة الصينية، كما وقطع الحواسيب والالكترونيات والالعاب والعديد من الاشياء الاخرى في القائمة التي تزداد طولاً من قائمة الواردات, لم تعد تتنافس مع المنتجات الاميركية المشابهة. ولو لم يكن من الصين، فإن الولايات المتحدة كانت لتشتريها من بلدان أخرى. وكان العجز سيظل قائماً، وإنما كان ليكون فقط مع بلدان أخرى.
يتسم العجز التجاري مع الصين بأنه هيكلي من حيث طبيعته. وتتسبب به بشكل كبير تلك العولمة الجسورة للمؤسسات الاميركية، وإعادة موضعتها دوليا منذ عقد الثمانينات من العقد الماضي، وهي خطوة حظيت بالدعم من لدن كافة الادارات الاميركية الاخيرة. ومستغلة ميزة مخزون الصين الضخم من العمالة رخيصة الكلفة والافتقار الى قوانين السوق، انتقلت العديد من الشركات الاميركية الى الصين، فأسست فيها فروعاً وشركات تابعة. وفي الغضون، زادت المشتريات التي تبتاعها الشركات الاميركية من الشركات التابعة في الصين من نسبة 10% من إجمالي الواردات في عام 1992 الى 24,6% في عام 2006، وهي مستمرة بالارتفاع بوتيرة سريعة.
في الاثناء، يتفاقم العجز من خلال الاستخدام الموسع لاتفاقيات التعاقد من الباطن بين الشركات الاميركية وآلاف المصنعين المستقلين الصغار والكبار في الصين على حد سواء، والذين يصنّعون سلعا شبه مستكملة وسلعا مستكملة للسوق الأميركية.
ومع ان الاحصائيات التجارية الاجمالية لا تظهر قيمة الواردات المتعاقد عليها من الباطن، فإن هذه الفئة تتميز بأنها كبيرة وآخذة في النمو، إذ إن لدى شركات "موتي" Motte و"نايك" Nike و"نيو بالانس New Balance والعديد من الشركات الاميركية الضخمة الاخرى اتفاقيات تعاقد من الباطن، الصارمة وطويلة الأمد، مع شركات غير تابعة تنتج لها وحدها.
ونظرا إلى أن قيمة العقود من الباطن تُدفع بالدولار الاميركي، فإن رفع قيمة اليوان يترك الشركات الاميركية متعددة الجنسيات وقد ظل طلبها على المنتجات الصينية غير متأثر. بينما لا تتغير، في الأثناء، الواردات من الصين.
على الرغم من ذلك، فإن رفع قيمة العملة الصينية سيضر بقابلية الربحية للمقاولين من الباطن، والذين يواجهون خفضاً في دخولهم بعد التحول الى العملة المحلية. وحتى تذهب الأمور إلى الأسوأ، ما فتئت العديد من الشركات الاميركية تطالب بأسعار اقل من مقاوليها من الباطن، مهددة بالتحول الى الهند او فيتنام او أي بلد آخر.
كانت النتيجة كارثية على آلاف المصنعين الصينيين الصغار الذين لديهم كثافة عمالية دون توافرهم على السعة التكنولوجية لتحسين منتجهم أو قدرة استيعاب التغيرات. وفي محاولة للتأقلم مع الوضع، ما يزال العديدون يمارسون ضغوطات على موظفيهم ويطالبون بعمل إضافي (غالبا بلا أجر)، وبخفض معايير العمل، مستخدمين مواد ذات جودة أقل.
سوف يجبر العديدون من هؤلاء على الخروج من السوق. وربما يكون هذا تداعياً للسياسات الصينية يحظى بالترحيب، حيث ينظم حركة السوق ويخرج منها المنتجون غير الفاعلين. وبالرغم من ذلك، فإن الاثر قصير الامد سيتمثل في التسبب بالمزيد من الصعوبات للعمال الصينيين. وأثناء زيارة كنت قد قمت بها مؤخراً إلى مدينة شينزن الصناعية في الصين، قال لي مقاول صغير من الباطن يزود شركة اميركية بمنتجاته: "في مصنع مثل مصنعي، يمكن تحقيق الربح فقط من خلال استغلال العمال".
وفي الأثناء، يستمر العجز التجاري الاميركي مع الصين بالارتفاع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق