الأربعاء، 2 يناير 2008

التنين الصيني. . يهدد الفتى الأمريكي

موقع الاسلام اليوم
القاهرة ـ د. عماد فكري
على الرغم من اختلاف المدارس السياسية والفكرية الأمريكية في النظر إلى القوة المتنامية للصين بين من يرى أن هذه القوة تشكل تهديدًا للولايات المتحدة ومنافسًا لها على المكانة الدولية، وبين من يرون أن الصين لا تمثل هذا التهديد، ويدعون إلى الحوار والتعاون معها.
وعلى الرغم من هذا الاختلاف، فإن ثمة إجماعًا على أن الصين تمثل أكبر تحدٍّ للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.
ولاشك أن هناك اتفاقًا لدى المتتبعين لتطور النظام الدولي وطبيعته على أن الولايات المتحدة والصين ستكونان أكبر قوتين اقتصاديًّا وعسكريًّا في القرن الحادي والعشرين، وأن طبيعة العلاقات بينهما سوف تحدّد طبيعة هذا النظام.
لذلك، ليس غريبًا أن تنشغل الأجهزة الدبلوماسية في العالم ومؤسسات البحث والفكر بمناقشة هذه العلاقة والأبعاد التي ستأخذها والعناصر التي تحكم إدارة علاقاتهما.
ونتوقف في هذا السياق عند تتبع علاقة القوتين منذ الانفتاح الأمريكي على الصين، وزيارة نيكسون التاريخية في العام 1972م، وتطور هذه العلاقة عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
كما نتوقف في السياق نفسه, عند أسلوب إدارة الزعماء الصينيين للعلاقات مع الولايات المتحدة، ومستوى التعقيد والتشابك وتداخل الاعتبارات والدوافع التي تحكم هذه العلاقة, التي جعلت بعض الخبراء الأمريكيين يصفها بتوأم سيامي لا يمكن فصله، وأن القرار الاستراتيجي الأكثر أهمية الذي ستتخذه الولايات المتحدة في العقد المقبل لن يكون بشأن العراق، أو إيران، أو كوريا، بل سيكون بشأن الصين.
وهنا يطرح التساؤل نفسه: ماذا سيكون قرار أمريكا الأساسي تجاه صعود الصين، وبالمثل فإن القرار الاستراتيجي الأكثر أهمية الذي ستتخذه الصين في العقد المقبل هو: كيف ستقيم علاقاتها مع الولايات المتحدة؟
والواقع, فإنه على مدى ربع قرن منذ زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق "ريتشارد نيكسون" لبكين في فبراير 1972م، متجاوزًا بها عقودًا من الخصومة بين البلدين، والإدارات الأمريكية المتعاقبة تتابع سياسة الانفتاح على الصين والتعامل معها كقوة "جيوستراتيجية" في منطقتها. وخلال ذلك، تعرضت العلاقات بين واشنطن وبكين لمستويات من القيود والتوترات حول قضايا مثل تايوان، والتبت، وحقوق الإنسان والتجارة.
إلا أن أهم ما قد يميز إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع بكين حتى بداية التسعينيات أنها كانت تجري في ظلّ ظروف واعتبارات الحرب الباردة والتنافس مع الاتحاد السوفيتي، والتركيز، كما عبّر وقتها هنري كيسنجر، على متطلبات توازن القوى في النظام الدولي والاتجاهات طويلة المدى للسياسة العالمية.
ولا شكّ أنه بعدما برزت الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم، أصبح شاغل الفكر الاستراتيجي فيها هو كيف تحافظ إدارتها على مثل هذا الوضع الفريد والإبقاء عليه لأطول فترة ممكنة ومنع أي قوة من تحديه أو المشاركة فيه.
ولعلّ أهم من عبروا عن هذا الفكر "زبيجنيو بريجنسكي"، حيث وضع الصين ضمن قارة آسيا التي اعتبرها رقعة "الشطرنج الكبرى", والقارة الحاسمة فيما يتعلق بمحافظة الولايات المتحدة على وضعها المتفوق عالميًا، واعتبر "بريجنسكي" الصين من اللاعبين "الجيوستراتيجيين"، ومن ثم يمكنها تحدي الولايات المتحدة في منطقتها والعالم.
ولم يكن الأمر مقصورًا على التغير الذي لحق بالنظام الدولي وعلاقات القوى فيه، وإنما رافقه تطور نوعي في عدد من السياسات الصينية المحلية والإقليمية والدولية التي تتصل بقضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة للسياسة الأمريكية، وبدت هذه السياسات في البرامج الصينية المتعلقة بتجارة الصين في الصواريخ والتكنولوجيا النووية، وكذلك ما يتعلق بالتحديث العسكري الصيني ومشترياتها من السلاح ومنازعاتها الإقليمية في بحر الصين، ثم الفائض التجاري المتزايد مع الولايات المتحدة، والذي بلغ 50 مليار دولار في مصلحة الصين.
حركت كل المعطيات السابقة جدلاً ونقاشًا داخل الولايات المتحدة حول ما إذا كانت الصين ستبرز في القرن المقبل كقوة عظمى تلعب دورًا مشابهًا للدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة, أم ستتبع نموذج اليابان في الاكتفاء بمكانة العملاق الاقتصادي؟
في الإجابة على هذا السؤال الرئيسي، ظهرت مدرستان في التفكير الأمريكي تتجادلان وتختلفان حول أسلوب التعامل مع الصين: هل تواصل الولايات المتحدة دعم الانفتاح معها وبناء مشاركة partnership حول القضايا المختلفة، أم تتبع سياسة الاحتواء containment شبيهة بتلك التي اتبعتها مع الاتحاد السوفيتي عندما برز كقوة منافسة بعد الحرب العالمية الثانية؟
أمام هذا الجدل الواسع، اعتمدت المدرسة- التي دعت إلى الحذر من الصين والعمل على احتوائها- على تنبئها بصعودها كقوة «محاربة» مما سيؤدي حتمًا إلى عدم الاستقرار في آسيا بصورة تضرّ بالمصالح الحيوية الأمريكية، كما توقعت هذه المدرسة أن الصين القوية ستسعى إلى تحقيق قائمة طويلة من الطموحات الإقليمية، الأمر الذي يلزم أن تواجهه الولايات المتحدة بحسم عن طريق دعم حلفائها على الحدود، وزيادة الانتشار لقواتها في آسيا.
وجادلت المدرسة السابقة "بأنه وإن بدت الصين أكثر انفتاحًا مما كانت عليه منذ الثورة الصينية عام 1949، فإنها ومنذ نهاية الثمانينيات والقادة الصينيون، خاصة بعد ضعف دنج تشاوينيج، يصيغون أهدافًا تتناقض مع مصالح الولايات المتحدة ويعملون على خفض النفوذ الأمريكي في آسيا، ودعم وجود الصين في بحار الصين الشمالية الشرقية بشكل يمكنها من التحكم في الخطوط البحرية الأساسية للمنطقة".
وعلى المستوى العسكري، رصدت هذه المدرسة مجموعة من التطورات في اتجاه بناء القوة العسكرية الصينية, منها التحول المثير في "الاستراتيجيات" العسكرية التي تؤكد التكنولوجيا المتقدمة والحرب المتشعبة، والبحوث والتطوير المشترك مع التكنولوجيا العسكرية الأجنبية، والوصول المتزايد إلى التكنولوجيا التجارية ذات الإسهامات العسكرية.
وهكذا، استخلصت هذه المدرسة أن أهداف الصين في الحصول على مركز بارز في أسيا إنما تتناقض بوضوح مع هدف أساسي حاربت أمريكا من أجله ثلاث حروب كبرى في النصف الثاني من هذا القرن، وهو منع أي بلد منفرد من الوصول إلى مركز القوة المسيطرة في آسيا.
أما المدرسة الثانية التي تبنت الدعوة إلى الارتباط والتعاون مع الصين ومواصلة الانفتاح عليها، فهي تستند إلى فرضية أن الولايات المتحدة لا تواجه اليوم علاقة أكثر تحديًا من علاقتها مع الصين، وأنه مع مطلع قرن جديد فإن هذه العلاقة ستحدد مدى الوجود الأمريكي في آسيا- أسرع مناطق العالم نموًا- وذلك يستدعى أن ترتبط الولايات المتحدة بشكل خلاق مع أكثر دول العالم سكانًا.
كما تنطلق المدرسة السابقة من افتراض أن الصين وإن كانت تنمو بشكل قوي فإن نياتها في حال سيولة بشكل لا يسوغ افتراض حتمية قيام علاقة خصومة وعداء بينها وبين الولايات المتحدة. من هنا، تدعو هذه المدرسة إلى توسيع نطاق العلاقات الاقتصادية والحوارات الرسمية حول قضايا الأمن وحقوق الإنسان والقضايا العالمية المشتركة؛ إذ إن من شأن ذلك أن يؤثر على الصين لتتصرف بطريقة تتفق مع المصالح الأمريكية.
ويؤكد أصحاب هذه المدرسة منطلقاتهم تلك بأن قادة الصين يعطون اليوم أهمية وأولوية للنظام العالمي والحصول على التكنولوجيا الغربية، وكل ما هو ضروري لتحقيق الرفاهية التي يرونها أساسية للاستقرار في وطنهم. أما على المستوى العسكري، فإن أتباع مدرسة الانفتاح على الصين يرون فيما يتردّد في وسائل الإعلام الأمريكي والنظام السياسي حول ما يسمى بالتهديد الصيني مبالغة لا تقوم على أساس؛ فالتحديث العسكري الصيني لا يزال بعيدًا عن تلبية حاجاتها الدفاعية، كما أن معظم التقديرات الموثوق بها تقدر إنفاق الصين العسكري من 30 إلى 50 مليار دولار سنويًّا وهو مبلغ كبير ولكنه ليس مقلقًا، فهو يقارن بإنفاق دولة متوسطة مثل اليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. والصين لا تزال في تقدير عدد من الخبراء العسكريين دولة فقيرة، الأمر الذي قد يشكل قيدًا على قدرتها على الاحتفاظ ببناء عسكري ضخم.
كما أنها تواجه تحديات "استراتيجية" لا يستهان بها، باعتبار أن عليها التعامل مع جيران متعددين، بمن فيهم منافسون حاليون ومحتملون وعبر حدود طويلة. وهكذا يستخلص من يدافعون عن علاقات إيجابية مع الصين، أنها- على الأقل لثلاثين عامًا مقبلة- لن تكون قادرة على أن تخطط لعمليات عسكرية بعيدة عن شواطئها، وأن قدرات جيش التحرير الصيني ستكون محدودة، ولن تتعدّى نطاق المناوشات البرية السريعة.
"هنري كيسنجر"، الذي يعتبر من أقوى المدافعين عن مواصلة ودعم الانفتاح على الصين، يؤكد النظرية السابقة، عندما يؤكد "ليس من شك في أن القوة العسكرية الصينية ستنمو بشكل يتناسب مع نموها الاقتصادي، ولكنها لن تكون قوة عسكرية عالمية على الأقل لربع قرن مقبل".
وقد سبق أن أعلنت إدارة الرئيس "كلينتون" قبل أيام من زيارته للصين في يونيو 1998م عن اختيارها طريقًا مختلفًا عما تدعو إليه المدرستان؛ إذ أوضح الرئيس السابق أن اختياره في التعامل مع الصين يقوم على أساس الاعتبارات المبدئية، وكذلك الدوافع العملية: عمليًّا بتوسيع مجالات التعاون مع الصين، ومبدئيًا بالدخول في حوار صريح ومباشر حول قضايا الاختلاف. وقد جاءت وقائع زيارته للصين دليلاً على أنه يرفض منظور مدرسة الاحتواء، بل إنه وصفها بأنها لن تفيد، وأنه حتى أصدقاء وحلفاء أمريكا لن يوافقوا أو يلتزموا بها، وأنها لن تجدي إلا في عزل الولايات المتحدة وسياستها.
أما الإدارة الحالية، فتتجه إلى أن مصالح أمريكا في آسيا تتحقق إلى حدّ كبير عن طريق علاقة قوية مع الشريك الديمقراطي في المنطقة وهو اليابان.
ومنذ البداية، حدّد الرئيس الأمريكي "جورج بوش" رؤيته للأسلوب الأمثل في التعامل مع الصين، فهو وإن كان يرى مناطق تتطلب التعاون معها مثل منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتحقيق السلام مع شبه القارة الكورية، فإنه يدرك أن سلوك الصين في الخارج ينذر بالخطر، فهي قد تستخدم ثروتها النامية في بناء الأسلحة النووية والإستراتيجية وبناء صواريخ باليستية جديدة وأسطول بحري، وقوة جوية بعيدة المدى وهو ما يمثل تهديدًا للولايات المتحدة. كذلك، ينتقد بوش سلوك الصين في قضايا حقوق الإنسان وما يصفه بالعداء للحرية الدينية ودعوتها للإجهاض بشكل "يخلو من الرحمة والعقل".
هذه الرؤية التي تتبناها إدارة "بوش" منذ أن جاءت إلى الحكم هي التي تفسر لنا ما طفا على السطح مؤخرًا في علاقات البلدين على المستويين الأمني والتجاري. فعلى المستوى الأمني وخلال وجوده في سنغافورة في 4 يونيو: 2005م اتهم وزير الدفاع الأمريكي السابق "رامسفيلد" الصين بقلب التوازن العسكري الدقيق في آسيا بزيادة قدراتها العسكرية واستعراضها للقوة وبناء قواتها الصاروخية التي تسمح لها بالوصول إلى مناطق كثيرة في العالم، وطرح الوزير تساؤلاً حول جدوى الاستثمار الصيني المتزايد في التكنولوجيا العسكرية في وقت لا تواجه فيه تهديدًا من أي دولة، وقال "رامسفيلد": إن وزارة الدفاع الأمريكية أعدت دراسة تفيد أن موازنة الدفاع في الصين هي الأعلى في المنطقة والثالثة في العالم.
كما اتّجهت الولايات المتحدة في الشهور الأخيرة لبناء روابط عسكرية مع بلدان محيطة بالصين مثل الهند واليابان، وأعلنت عن استعدادها للمشاركة في التكنولوجيا المدنية مع الهند رغم رفض هذا البلد الالتزام بمعاهدة منع الانتشار النووي.
أما على المستوى التجاري، فقد تصاعدت المشاحنات الأمريكية والصينية أخيرًا, وعلى الجانب الصيني، يركز المسئولون والدبلوماسيون على أن الصين ما زالت قوة نامية بل وفقيرة، ويقارنون بين دخل الفرد الصيني الذي يبلغ ..12 دولار سنويًّا ودخل الفرد الأمريكي الذي يفوقه بمراحل كبيرة تبلغ 30 ضعفًا، بما يعني أن الصين لا يزال أمامها مشوار طويل. ومع النمو الذي حققته الصين في الحقب الثلاث الماضية، فإنها تدرك حجم التحديات والأخطار التي تواجه هذا النمو، ولهذا يفهم المراقبون موقف الدبلوماسيين الصينيين، مثلما عبر مؤخرًا رئيس معهد الشعب الصيني للشئون الخارجية خلال زيارته للمجلس المصري للشئون الخارجية، من أن الصين تحتاج للعمل على بناء بيئة سلمية إقليمية ودولية؛ لأنها ضرورية لعملية "صعودها السلمي"، كما تعكس حاجة كل قوة للأخرى.
وقد حسمت زيارة "بوش" للصين، في نوفمبر من العام الماضي، أسلوب إدارة القوتين لعلاقاتهما؛ فقد ذهب الرئيس الأمريكي للصين تحت ضغوط داخلية متصاعدة تدعوه للتعامل معها بشدة والتهديد بفرض عقوبات على وارداتها إذا لم تقم بإجراء إصلاحات بشأن العملة، مما يعكس القلق الأمريكي تجاه الخلل الهائل في الميزان التجاري (200 مليار دولار لصالح الصين)، وقد انعكس ذلك كله على الطلبات التي قدمها الرئيس الأمريكي حول الحريات والديمقراطية وإعادة تعويم العملة الصينية.
أما القادة الصينيون، فقد تعاملوا مع هذه المطالب على مستويين، المستوى الأول هو إبراز أن الصين لن تخضع لأي قيود أو طلبات من أي زعيم أجنبي، ولكنهم في نفس الوقت تصرفوا على أساس إدراك حاجة الصين للسوق الأمريكية، والتكنولوجيا والاستثمارات الأمريكية، كما كانوا حريصين على نفي ما يتردّد عن أن الصعود الصيني يمثل تهديدًا إقليميًا، بتأكيد أن نمو الصين هو نمو سلمي ولا يمثل تهديدًا لأحد، وأن الصين تحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية منسجمة خالية من الصراعات، بل إنها تخدم مصالح أمريكا في آسيا ولا تتحدّى مكانتها أو نفوذها.
ولعلّه من المفيد هنا أن نتوقف عند ما تَعِد به الصين الولايات المتحدة ومستثمريها وشركاتها من إمكانيات، ففي خطاب أمام مجلس الشئون الخارجية الأمريكي، قال الرئيس الصيني جينتاو: أعتقد أنه في العشرين عامًا القادمة وبعدها، فإنه من الممكن تمامًا أن تحافظ الصين على نموها الاقتصادي الثابت والسريع.
وقد عكست الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني "هوجينتاو" للولايات المتحدة 27.21 أبريل- وهي الزيارة الخامسة المتبادلة خلال عام بين المسئولين في البلدين- مدى التداخل والتشابك في علاقات البلدين. وصوّرت مقدمتا الزيارة ووقائعهما تداخل الشكوك والمخاوف، وربما القيود مع إمكانيات ووعود التعاون، ففي وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي أصدرها البيت الأبيض في 16مارس 6. . 2م، أي قبل أسابيع من زيارة الرئيس الصيني، أقرّت الوثيقة بالنجاحات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها الصين،
ولكنها اعتبرت أن النجاح الصيني يظلّ غير كامل، وأنه في الوقت الذي تصبح فيه الصين لاعبًا عالميًّا فإنه يجب أن تتصرف بشكل مسئول وتلبي التزاماتها وتعمل مع الولايات المتحدة والآخرين لتطور النظام الدولي الذي مكّنها من النجاح. وبحسب الوثيقة، فإن الولايات المتحدة سوف تشجع الصين على الاستمرار في طريق الانفتاح والإصلاح؛ لأنه عبر هذا الطريق يستطيع قادة الصين أن يلبوا الاحتياجات المشروعة وآمال الشعب الصيني في الحرية والاستقرار والرخاء. وباستمرار النمو، فسوف تواجه الصين طلبًا متزايدًا من شعبها لكي تتبع طريق ديمقراطيات حديثة في شرق آسيا، مضيفة الحرية السياسية إلى الحرية الاقتصادية.
وتستخلص الوثيقة أن قادة الصين يجب أن يكونوا على قناعة بأنهم لن يستطيعوا الاستمرار في هذا الطريق السلمي في ظل تمسكهم بالطرق القديمة للتفكير والسلوك التي تثير القلق عبر المنطقة والعالم، ومنها الاستمرار في التوسع العسكري بطريقة غير شفافة، والأساليب التجارية التي تسعى للسيطرة على الأسواق، بدلاً من اتباع سياسات الانفتاح على السوق العالمية، بالإضافة إلى تقديم الدعم إلى نظم ديكتاتورية وفاسدة من أجل تأمين الوصول إلى مواردها، خاصة النفط.
وبناء على تعرضنا لتطور العلاقات الأمريكية- الصينية، نستطيع أن نميز الطبيعة المزدوجة لهذه العلاقة التي تجمع ما بين المخاوف والشكوك المتبادلة وضرورة التعاون والاهتمامات المشتركة، خاصة في ضوء الاقتصاد "المعولم" الذي يوجد حالة فريدة من التكامل بين البلدين.
وبالنسبة للمخاوف والشكوك الأمريكية من تهديد الصعود الصيني، نستطيع أن نصدق ما حرص الرئيس الصيني على توضيحه خلال زيارته الأخيرة للرئيس الأمريكي من أن محاربة الفساد السياسي، وعدم الاستقرار في المناطق الريفية، والفجوة المتسعة في الثروة، والتلوث الحادّ، إنما يستغرق كل ذلك وقته ولا يترك للصين لا الإرادة ولا الوسائل لتحدي الولايات المتحدة.
كما نستطيع القول مع المتفائلين على الجانبين بأن محاولات بناء الثقة هي أكثر من كونها حملة دعائية؛ فالصين قد أصبحت قوة تحرص على الوضع الراهن status quo، وهي ملتزمة بالحفاظ على النظام الدولي؛ لأنه ضروري من أجل البيئة اللازمة لتحقيق الاستقرار والنمو فى الصين، وهو ما يشكل قمة أولويات القيادة الصينية واستمرارًا للنهج الذي اختَطّه الزعيم الصيني الأسبق "دنج تشاو بنج".
ومن ناحية أخرى، فإن الإدارة "الناعمة" لعلاقة الصين مع الولايات المتحدة لا تعني عدم إدراكها أن هناك قوى وتيارات في الولايات المتحدة تترصدها وتنظر إليها كقوة منافسة بل وخصم محتمل، وأن ثمة خططًا و"استراتيجيات" لاحتواء الصين من خلال زيادة الإنفاق العسكري والقواعد العسكرية وترتيبات أخرى كان آخرها الاتفاق النووي مع الهند.

ليست هناك تعليقات: