الأحد، 27 يناير 2008

الصين تردّ الاعتبار إلى لين بياو

صحيفة تشرين السورية
ميشيل منيّر
قبل مئة عام ولد لين بياو (5 كانون الأول 1907) القائد العسكري البارز في الحرب الثورية ضد الاقطاع والامبريالية في الصين والقائد السياسي فيما بعد في الثورة الثقافية.
وبعد وفاته في عام 1971 تم محو لين تقريبا من الذاكرة الشعبية في الصين، ولكن صحيفة ديلي نيوز في شنغهاي ذكرت في تموز الماضي أن لين عاد نهائيا الى منزلة الابطال وان صورته وضعت في المتحف العسكري في بيجينغ. ‏
من هو لين بياو؟ ‏
انحدر لين من الريف الصيني الذي كان فقيرا ويعاني الاضطهاد على يد مالكي الأراضي الاقطاعيين وفي سن مبكرة نمت لديه الرغبة في تغيير الوضع، غادر البيت في سن الـ 18 وانضم الى اتحاد الشبيبة الاشتراكية واصبح طالبا في اكاديمية وهامبوا العسكرية، مهد الفكر القومي والماركسي. ‏
درس لين بجانب شوان لاي وعديدين آخرين اصبحوا قادة الثورة الاشتراكية في الصين، واندلعت حرب اهلية بين الاقطاعيين والقوى القومية وقاد فيها لين القوميين في معارك ضد نظام الاباطرة ومالكي الاراضي. ولكن تشانغ كاي تشيك رئيس حزب كيومنتانغ القومي هاجم في عام 1928 حلفاءه الشيوعيين قاتلا الآلاف منهم، اعاد لين وماو وشو وآخرون تجميع قواهم أخيرا واسسوا جيشاً جديداً قاتل الطبقات الحاكمة، وكان هدفه وضع المعامل والارض والسلطة السياسية في ايدي العمال والفلاحين، الأغلبية الساحقة من الشعب الصيني، اتقن كل من لين وماو فن حرب العصابات واعتمدت استراتيجيتها «الحرب الشعبية» على تأييد الناس العاديين للتمكن تدريجيا من انشاء نوع جديد من الجيش مسيّس بدرجة عالية وديمقراطي. ‏
حرب المقاومة ضد اليابان ‏
قاد لين وماو في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين حرب عصابات ضد الجيش الامبريالي الياباني الغازي، وفي المناطق التي سيطر عليها جيشهما، جيش التحرير الشعبي، تم توزيع الارض على الفلاحين الفقراء الذين قاموا بالاشتراك مع كوادر الحزب الشيوعي، بإدارة القرى لمصلحة الشعب. وللمرة الأولى صار للناس العاديين رأي في اتخاذ القرار وحوكم مالكو الأراضي والنبلاء على جرائمهم ضد الشعب. ‏
وكان الناس ينظرون الى لين وماو نظرتهم الى روبن هود، وانضم اليهما عشرات الالاف من الصينيين متطلعين الى بناء مستقبل اشتراكي في الصين. انتصرت الثورة عام 1949 وفر تشانغ كاي تشيك المدعوم من الولايات المتحدة الى تايوان واعلن ماو في اجتماع شعبي حاشد «الشعب الصيني قد نهض» وكان يقف الى جانبه لين الذي حررت قواته العاصمة للتو. ‏
واصبح لين في عام 1959 وزير الدفاع في الصين، والغى امتيازات الضباط وشارة الرتبة. هاجم طلاب جامعة تسينغهوا في عام 1966 الاتجاهات النخبوية والبيروقراطية وشكلوا الحرس الاحمر، وأيد ماو ولين بقوة «حق الطلاب في الثورة» وكانت هذه بداية ثورة ضخمة ضمن الثورة، واصبحت الشبيبة الصينية قوة مقاتلة ضد الذين دافعوا عن إحياء الرأسمالية والسياسات النخبوية. ‏
وفي المعامل التي تملكها الدولة بدأ العمال انتقاد رؤسائهم، وفي المدارس التي كان فيها المعلمون فوق النقد، اصبحوا هدفا لمعارضة طلابية واسعة، وصارت تقوية الناس العاديين وتجمعاتهم شعار ما بات يعرف بالثورة الثقافية البروليتارية الكبرى. ‏
كان لين ممثلا رسميا لماو في هذه الفترة، وألف كتابا بعنوان «عاش انتصار حزب الشعب» قال فيه ان الثورة العالمية ماضية ضد الامبرياليين الأميركيين، وأكد ان العالم النامي وقوى الاشتراكية والشيوعية تستطيع تطويق الامبرياليين وسحقهم. ‏
وعندما ثار عمال شنغهاي، المدينة الصناعية الأولى في الصين، بدأت اراء ماو ولين تختلف، فقد اقام عمال شنغهاي حكومة جديدة في مدينتهم على نمط كومونة باريس وكان قادتها عرضة للإقالة الفورية من قبل العمال، وكانت هناك حرية الكلام والوصول الحر الى الاعلام لعامة الشعب، انتشى لين بما شاهده في شنغهاي، ودعا لأن تصبح الصين كلها دولة كومونة، وأعلن: «لا مزيد من البيروقراطية وضرورة ممارسة مجالس العمال سيطرة ديمقراطية مباشرة وانضمت اليه جيانغ كينغ زوجة ماو وآخرون وصفوا فيما بعد بـ «عصابة الاربعة». ‏
ولكن ماو لم يوافق، وكانت حجته أن هذا العمل سيسبب «البونابرتية» وشعر ماو أن الكومونة أضعف من أن تقمع المعارضة. ‏
وبدأ لين يدعو كذلك الى علاقات افضل مع الاتحاد السوفييتي، فقد رأى لين أن البلدان الاشتراكية كلها تقف في الجانب نفسه من حرب الشعوب الدائرة عبر العالم، ولكن ماو كان قد بدأ اعلان ان الاتحاد السوفييتي «امبراطورية امبريالية اشتراكية» و«الخطر الرئيس على شعوب العالم». ‏
ازدادت الخلافات حدةً بين لين وماو، ومات لين في 13 ايلول 1971 في ظروف غامضة. ‏
تقول الرواية الرسمية ان لين حاول اغتيال ماو ولكنه اخفق ومات في تحطم طائرة خلال محاولته الفرار الى الاتحاد السوفييتي. ‏
يقول المفكر الاميركي سام مارسي في كتابه «الصين عام 1977: «نهاية عصر ماو الثوري» إن لين قتل وان وفاته مثلت بداية الانعطاف اليميني في الصين. ‏
واصبح الرأي القائل إن الاتحاد السوفييتي «الخطر الرئيس» الخط الرسمي للحزب الشيوعي الصيني، وفي العام التالي دعي رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون لزيارة بيجينغ في الوقت الذي كان فيه البنتاغون يواصل حربه ضد شعوب جنوب شرق آسيا. ‏
وبعد وفاة ماووصل دنغ شياو بينغ الى السلطة وحوكم زعماء الثورة الثقافية بتهمة «انشطتهم المعادية للثورة» وبدأت الصين بعد وقت قصير تبني سياسات «اشتراكية السوق» وحصلت الشركات الاجنبية على حرية انشاء معامل على الأرض الصينية، وجرى التخلي عن الكثير من السياسات الاشتراكية للثورة الصينية ومن ضمنها تأمين العمل والصحة والطعام بضمانة الكومونات والمعامل التي تديرها الدولة، ولكن الحزب الشيوعي استمر في لعب دور قيادي ولم تدمّر الدولة التي انبثقت عن الثورة كما حدث فيما بعد في الاتحاد السوفييتي. ‏
وأعقب ذلك تصنيع واسع في الصين وزيادة هائلة في حجم الطبقة العاملة، الى جانب تزايد التفاوت الاجتماعي. ‏
تذكر وزارة العمل الصينية أنها تعاملت مع أكثر من 000،130 حالة «اضطراب صناعي» في العام الماضي وتجتاز الصين حديثا موجة اضرابات ضخمة يطالب فيها العمال بظروف افضل، ويلاحظ ايضا انبعاث التأييد للسياسات الاشتراكية وديمقراطية العمال من الحقبة الثورية. ‏
وفي هذا المناخ وضعت صورة لين بياو أخيرا في المتحف العسكري في بيجينغ. ‏

ليست هناك تعليقات: