السبت، 5 يناير 2008

خصوصية التجربة الصينية في النمو

موقع الأيام السورية (سيريان دايز)
د.مصطفى الكفري
لا تزال الصين على رأس قائمة الدول الآسيوية التي تثير الاهتمام. فمعدلات النمو الاقتصادي السنوي، التي تجاوزت 10% لسنوات عديدة متلاحقة، وتحسن مستوى معيشة المواطنين، ثم النجاحات المتوالية في عمليات الاندماج بالاقتصاد العالمي؛ كل هذا كان لابدَّ أن يثير في النفوس مزيجاً من الإعجاب والدهشة معاً. كيف يمكن تفسير هذه النهضة الاقتصادية؟ وبخاصة إذا ما قورنت بالزمن الذي استغرقته الدول الصناعية لتحقيق هذه النهضة.
يبدو أنَّ القيم المستمدة من الثقافة الصينية، وبخاصة الكونفوشيوسية، مسؤولة بشكل كبير عما تحقق للصين من إنجازات اقتصادية، وأنه ما كان لتلك الإنجازات أن تتم بهذه الصورة وبتلك السرعة، لولا أنَّ خلفية ثقافية مواتية كانت هناك لتدفع بها وتزيد من زخمها. وتجدر الإشارة إلى أهمية قيم بعينها، منها:
- تفضيل الجماعة على الفرد.
- الإعلاء من شأن العمل الجاد والشاق في سبيل الجماعة.
- الحرص على البعد الإنساني في علاقات العمل.
- ارتكاز الأعمال إلى شبكات من العلاقات الاجتماعية الوطيدة، التي تيسر الإنجاز وتدفعه في اتجاهات مثمرة.
هذه القيم المستمدة من تراث الكونفوشيوسية، كانت ولا تزال -من وجهة نظر كثير من الباحثين- عاملا رئيسياً في تفسير المعجزة الاقتصادية الصينية، وسبباً رئيساً من أسباب النهضة الاقتصادية واستمرارها.
"هل يمكن القول -مثلا- إنَّ النمو الاقتصادي الصيني كان مرجعه لقيم مجتمعية دفعت إلى وجوده واستمراره، أو إنه حدث ببساطة -وكما كان الحال في بلدان أخرى- بسبب إعمال قوانين السوق الحرة، وتشجيع الظروف الملائمة لها، ومن ثم يكون التأثير على النمو هنا راجعاً وبصورة أكبر لتطبيق قاعدة عامة، لا تمثل الممارسات الصينية استثناءً منها؟ ومن ناحية أخرى، هل يمكن الاطمئنان إلى القول بوجود ديموقراطية (على الطراز الصيني) أو إنَّ عملية التطور الديموقراطي تخضع بدورها لشروط ومراحل، ما إن تتوافر في بلد من البلدان، ومهما تكن خصوصياته؛ فإنها تفضي إلى تغيير المشهد السياسي نحو صورة تتسم بالتعدد في مراكز السلطة، وبمزيد من الاحترام للحقوق الفردية وحقوق الإنسان؟ بعبارة أخرى: هل للخصوصية القيمية ذلك الدور الذي يتصوره مؤيدوها في تشكيل ظاهرتي النمو الاقتصادي والتنمية السياسية عموماً وفي الصين خاصة؟".
كتب توماس فريدمان الكاتب الأميركي المعروف في جريدة الاتحاد الإماراتية، حول العملاق الصيني يقول: "إنني لا أزال متمسكاً بقناعتي الراسخة، وإن لم يفرغ المؤرخون من تسجيل أحداث هذه الحقبة العصيبة من تاريخنا المعاصر، بأن الحدث الأهم والحاسم فيها، لن يكون هجمات 11 سبتمبر، ولا غزونا لكل من العراق وأفغانستان، وإنما بروز العملاقين الآسيويين؛ الصين والهند. لذلك فإنَّ الاتجاه الواجب علينا مراقبته ورصده عن كثب، هو مدى قدرة بقية دول العالم على التكيف مع بروز هاتين القوتين، وكيف تتمكن أميركا من التعاطي مع الفرص الاقتصادية الكبيرة، التي يتيحها هذا النهوض الآسيوي، وكيف ستستجيب للتحديات التي يثيرها أمامها؟.
وأضاف فريدمان: "ولهذا فإنَّ المتوقع من الكونجرس (الديموقراطي) الجديد، أن يتجه إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر ميلا لحماية اقتصادنا القومي، بما في ذلك تقليص نطاق التجارة الحرة، واتخاذ سياسات اقتصادية ذات طابع عقابي إزاء الصين، خاصة على إثر الرقم الجديد الذي سجله فائضها التجاري في شهر أكتوبر 2006".
وتبدو خصوصية التجربة الصينية في النمو، عندما أفلحت في تحقيق إنجازاتها الاقتصادية، بالاعتماد على طرائق وأساليب مستمدة من الواقع الصيني وأطره القيمية الخاصة، وعدم الانسياق للتجارب الغربية في النمو (والتي تقلل من دور الجماعة وتعلي من قيم الفردية المتوحشة)، ثم استلهام الخصوصيات الصينية في توجيه مسار النمو الاقتصادي، هما اللذان ضمنا للدولة التمتع بمستويات مرتفعة ومطردة من هذا النمو.
كما أنَّ قيماً صينية خاصة، مثل احترام وتوقير النظام والتناغم الاجتماعي، هي التي كفلت للبلاد حتى اليوم استقراراً افتقرت إليه دول كثيرة، طبقت دون وعي النموذج الديموقراطي الغربي، وهو النموذج الذي يعلي من الحريات السياسية الفردية، دون اعتبار لمسائل شديدة الأهمية؛ كالاستقرار الاجتماعي، وتجنب الفوضى الاجتماعية. هذا ما يوضح لنا تخوف توماس فريدمان من نهوض العملاق الصيني.

ليست هناك تعليقات: