الأربعاء، 23 يناير 2008

الصين واليابان: من سياسة "كسر الجليد" إلى "العلاقات الدافئة"

صحيفة المستقبل اللبنانية
مسعود ضاهر
أثناء لقائه رئيس مجلس الدولة الصيني "ون جيا باو" في 28 كانون الأول 2007، أكد رئيس وزراء اليابان، ياسو فوكودا، أن بلاده لا تؤيد محاولات السلطات التايوانية إجراء استفتاء شعبي للحصول على عضوية الأمم المتحدة كدولة مستقلة عن الصين. ويدرك اليابانيون أن مسألة تايوان حساسة جدا لأنها ترتبط وثيقاً بالشعور الوطني لدى الصينيين وتمس مباشرة مصالح الصين الأساسية.
بدوره، أعرب رئيس مجلس الدولة الصيني عن تقدير بلاده لموقف اليابان الواضح برفضها للسياسة الانفصالية أو الاستقلالية للقيادة التايوانية. فللصين موقف ثابت ينطلق من مبدأ "صين واحدة". وهي تقدر عاليا موقف أية دولة تقف إلى جانب هذا المبدأ وتعارض استقلال تايوان أو انفصالها عن الوطن الأم. وترى القيادة الصينية أن المعالجة الحكيمة لحل النزاعات العالقة ومنها قضية تايوان، شكلت حجر الزاوية في تطوير العلاقات بين الصين والدول الآسيوية المجاورة من جهة، ومع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من جهة أخرى.
فقد اعتمدت سياسة الخطوة خطوة مع اليابان لتهدئة بؤر التوتر بينهما، كمسألة الكتاب المدرسي، ومذبحة نانجين، والنزاع حول حقول النفط الغاز في المنطقة البحرية المشتركة بين الدولتين وغيرها. وتوصل الجانبان إلى توقيع ثلاث وثائق رسمية يتم العمل بموجبها في العام 2008، وهي: بيان سياسي مشترك بين الصين واليابان يوصي بتعزيز العلاقات، وتطوير بنود معاهدة السلام والصداقة بين الجانبين، وإعلان مشترك عن رؤية مستقبلية لتنمية العلاقات التجارية والمالية والثقافية بين الشعبين.
كان لتصريح فوكودا بشأن تايوان أثر واضح في الرأي العام الصيني، فاعتبره بعض المحللين السياسيين ثمرة طيبة للدبلوماسية الصينية الهادئة والعقلانية. ومردّ ذلك إلى أن موقف اليابان من استقلال تايوان، ومن قبله موقف الولايات المتحدة برفض الاستفتاء، يؤثر مباشرة على مواقف قادة تايوان الذين أدركوا أن أقرب حلفائهم من الأميركيين واليابانيين، غير متحمسين للاستفتاء ولا لانضمام الجزيرة إلى الأمم المتحدة، ما يساعد على إعادة توحيد تايوان بالبر الصيني في دولة مركزية واحدة.
على جانب آخر، توصل قادة الصين واليابان إلى توافق شبه نهائي بشأن تقاسم النفط والغاز في بحر الصين الشرقي، عبر تفعيل البيان المشترك الصادر في نيسان 2007 والذي نص في بنوده الخمسة على تحويل المنطقة المتنازع عليها إلى قاعدة للتعاون المشترك وليس إلى بؤرة نزاع. وتطلب ذلك ضمان المصالح الأساسية لكل من الصين واليابان وتأسيس قاعدة صلبة لمزيد من التوظيفات المشتركة.
نخلص إلى القول أن كلاً من القيادة اليابانية والصينية استوعبت فعلا دروس التاريخ المؤلم بين البلدين، وهي تواصل تنمية المصالح المشتركة بين الشعبين لتجاوز مآسي الماضي والتطلع نحو مستقبل أفضل، وحل جميع المشكلات الموروثة بالطرق السلمية.
وقد عبّر فوكودا في خطابه أمام طلبة جامعة بكين عن تبني مقولة النظر إلى التاريخ كمرآة للتطلع نحو المستقبل. فقد مرت الدولتان بحروب كبيرة مؤلمة خلال تاريخهما الطويل قبل توصل الجانبين إلى قناعة تامة بعدم نسيان الماضي، لكن دون توريث الحقد والكراهية المتبادلة للأجيال الجديدة. وشدّد فوكودا على أن اليابان ملتزمة دوما بالتنمية السلمية المشتركة، وهي تكرس جهودها للتعاون البناء مع الأسرة الدولية.
فاليابان من أكثر دول العالم اهتماماً بدراسة ماضيها، ونقد الأخطاء التي ارتكبها جيشها ضد الشعوب الأخرى، خاصة الآسيوية منها. وهي تتعامل بجدية تامة مع دروس التاريخ، وتتخذ مواقف نقدية شجاعة مراعاة للمشاعر الإنسانية والوطنية والقومية لضحايا سيطرتها الإمبريالية بين الحربين العالميتين. ويعالج اليابانيون مشكلات الماضي بشجاعة وحكمة من أجل تجنب ارتكاب أخطاء مشابهة فى المستقبل.
ختاماً، ليس من شك في أن الموقف العقلاني الشجاع من جانب القيادتين الصينية واليابانية بتغليب النظر إلى المستقبل وليس إلى الماضي، شكل قاعدة صلبة لتطوير العلاقات بين البلدين وتعميق الثقة المتبادلة بين القيادتين. وهي سياسة عقلانية تؤسس لديبلوماسية ناجحة بين البلدين على أعلى المستويات السياسية من جهة، وباتجاه أوسع قاعدة شعبية من جهة أخرى. وقد قطعت تلك العلاقات خلال السنوات الخمس الماضية شوطا بعيدا إلى الأمام، فلم تبق عند خطوة "كسر الجليد" كما ألمح رئيس وزراء السابق شينزو آبي أثناء زيارته إلى الصين في تشرين الأول 2006، بل تعدتها إلى "العلاقات الثنائية الدافئة" عبر ديبلوماسية عقلانية رسمت استراتيجية طويلة الأمد لبناء آسيا الموحدة بجهود صينية ويابانية مشتركة، وبدعم كبير من جانب دول النمور الآسيوية الأخرى، فقد اختار الجانبان الوقت الملائم، والأسلوب المناسب لتعزيز العلاقات بين البلدين مع إدراك عميق لدى قادتهما بحجم التحديات الكبيرة التي تواجهها الوحدة الآسيوية في ظل الهيمنة الأميركية على النظام العالمي الجديد.

ليست هناك تعليقات: