الخميس، 7 فبراير 2008

الإصلاح الصيني من الداخل (1 ـ 2 من 6)

صحيفة أخبار الخليج البحرانية
رضي السماك
بدعوة كريمة من وزارة الخارجية بجمهورية الصين الشعبية قمت بمعية الزملاء عبدالله خليفة، وعزالدين علي (الأيام)، وحسين مرهون (الوقت)، بزيارة رسمية صحفية الى الصين خلال الفترة من 20 الى 29 ديسمبر الماضي. وقد جاءت هذه الدعوة عبر السفارة الصينية في البحرين التي قدمت كل التسهيلات والمساعدات الممكنة المشكورة لإتمام الزيارة، وقامت بالتحضيرات اللازمة لتنظيم برنامجها الذي حددت معظم فقراته مقدما بناء على رغباتنا، بما في ذلك التوقيت المناسب لنا جميعا للزيارة، والمدن والمناطق التي قصدناها. واشتملت فقرات هذا البرنامج على عقد لقاءات حوارية مع مسئولين كبار حكوميين وحزبيين وإعلاميين فضلا عن لقاءات مع بعض المسئولين والإداريين في القطاع الخاص، وزيارة عدد من المواقع والمنشآت السياحية والتعرف على بعض المناطق ذات الأغلبية الإسلامية.
وتوزع البرنامج على ثلاث محطات من المدن الرئيسية هي العاصمة بكين (محطتنا الأولى) ثم مدينة ينتشوان (محطتنا الثانية) بمنطقة نينغشيا ذات الحكم الذاتي والتي توجد بها غالبية إسلامية، وأخيرا المحطة الثالثة هي المدينة الصناعية التجارية الكبرى «شنغهاي«. في العاصمة التقينا السيد لي شين، نائب مدير عام الاتصال الخارجي بوزارة الثقافة، والسيدة جيانج يوي، نائبة مدير عام إدارة الإعلام بوزارة الخارجية، والسيد ليو دنجلين، مدير عام الإدارة الثالثة بدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ونظمت لنا زيارة استطلاعية سريعة لمقر وكالة أنباء شينهوا، ولم يسعفنا الوقت لمقابلة السيد بنج شوجيه، نائب رئيس تحرير هذه الوكالة، كما التقينا بعدئذ السيد تشاي جيون مساعد وزير الخارجية. وأخيرا فقد التقينا السيد تنج لي مدير إدارة غرب آسيا وشمال افريقيا بوزارة الخارجية. كما كانت لنا زياراتنا السياحية الى سور الصين العظيم، ومتحف القصر الامبراطوري، (أو المدينة المحرمة)، ومتحف العاصمة بوسط بكين ولم يسعفنا الوقت للزيارة المقررة لجامع «نيوجيه« الإسلامي الواقع في سوق هونج تشياو بمنطقة نيوجيه التي يتمركز مسلمو بكين فيها. ويعد هذا المسجد من أعرق مساجد الصين حيث بني في عام 996م أي منذ أكثر من ألف سنة. أما فيما يتعلق بالمحطة الثانية ألا وهي مدينة ينتشوان بمقاطعة نينغشيا ذات الغالبية الإسلامية فقد التقينا مسئولي مكتب الشئون الخارجية ولجنة التنمية والإصلاح بالمنطقة ذات الحكم الذاتي. ونظمت لنا زيارة ميدانية استطلاعية لمسجد «شيقوان« وجرى لنا فيه لقاءات حوارية مفيدة مع أئمة ومسئولي الجامع، كما قمنا بالتعرف على المدرسة الإسلامية التابعة للجامع وفصولها الدراسية لصغار وكبار التلاميذ الذين يتلقون فيها دراسة اللغة العربية والشريعة الإسلامية. ونظمت لنا زيارة سياحية لمشاهدة الرسوم المنحوتة في صخور جبل «خلان« ويرجع تاريخ هذه النقوشات لآلاف السنين. وقد قمنا بهذه الزيارة في مناخ شديد البرودة (9 تحت الصفر). عموما فقد كانت درجات الحرارة طوال زيارتنا للصين تتراوح من خمس وتسع تحت الصفر إلى خمس وتسع فوق الصفر. كما نظمت لنا زيارة لبيت احدى العائلات الفلاحية المسلمة (مكونة من 6 أفراد)، وزرنا مزارع الفلاحين ببلدة «ليانجتيان« بنفس المنطقة. وأخيرا فقد اشتمل برنامج المحطة الثالثة «شنغهاي« على لقاء تم تنظيمه لنا على مائدة «فطور عمل« بالفندق الذي تمت استضافتنا فيه مع السيد رئيس مكتب الشئون الخارجية لحكومة شنغهاي المحلية. هذا الى جانب الشق السياحي من زيارة المدينة والذي اشتمل على زيارات نظمت لنا الى كل من معرض التخطيط الإنمائي لمدينة شنغهاي، ومقر مجلس الإدارة لحي «بوتونج« التجاري الجديد والذي كان في الأصل منطقة زراعية حيث التقينا فيه مدير مجلس الإدارة، وزيارة لبرج لؤلؤة الشرق، وزيارة لمقر معرض أكسبو بشنغهاي، وزيارة لإحدى شركات الاتصالات. ولم يسعفنا الوقت للقيام بجولة نهرية على نهر «هوانجو« كما كان مقررا سلفا في البرنامج. وعلى الرغم من قصر مدة الزيارة لبلد عظيم وعريق حضاريا مثل الصين ذات المساحة الجغرافية الشاسعة والانفجار السكاني الأعظم في العالم (مليار وثلاثمائة مليون نسمة)، مما جعل برنامجها مكثفا جدا ومرهقا في ذات الوقت للغاية، فإنها كانت زيارة ممتعة غنية وعظيمة الفائدة، ليست من الناحية السياحية فقط، بل والأهم من ذلك من النواحي الإعلامية السياسية، ولاسيما في ظل مرحلة الإصلاح الحالية التي دخلتها الصين منذ ثلاثة عقود خلت بعد وفاة قائدها التاريخي وقائد حزبها الحاكم «الشيوعي« ماوتسي تونج. فأن تسمع وتقرأ كثيرا من الخارج عن العملية الإصلاحية الكبرى الجارية في الصين، وبخاصة في المجال الاقتصادي، وهي العملية التي بدأت ذروتها الكبرى في هذا المجال منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي وشدت أنظار العالم، كما بهرت مختلف المحللين والمراقبين للشأن الصيني، وحيث بلغت الصين المرتبة الثالثة في العالم من حيث الناتج المحلي وغزت بضائعها معظم أسواق العالم.. نقول أن تسمع وتقرأ كثيرا عن هذه العملية من الخارج ليس كما تتعرف عليها من الداخل بنفسك، ولو من خلال نظرات عابرة الى بعض معالمها ومظاهرها، فضلا عن لقاءات سريعة ولو مع رهط من رموزها من كبار المسئولين والقادة في الحزب والدولة، فضلا عن بعض المسئولين الإداريين في المنشآت الاقتصادية العامة والخاصة. وهذا ما أتيح لنا نحن أعضاء الوفد الصحفي في تلك الزيارة والتي أحاول في هذه السلسلة ان أركز على أهم حصادها، من حيث الجوانب السياسية والحزبية والاقتصادية بوجه خاص، ومن حيث الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياحية بوجه عام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في لقاءاتنا بالمسئولين الحزبيين والحكوميين في بكين تركزت حواراتنا ومداخلاتنا معهم حول العملية الإصلاحية الجارية في الصين وعلى الأخص في المجالين السياسي والاقتصادي. وكانت إجابات كل من التقيناهم متشابهة أو متماثلة في شرح طبيعة وأبعاد هذه العملية التي بدأت منذ عام 1978م بعد عامين من وفاة قائد ومؤسس الحزب الشيوعي الصيني الحاكم ماوتسي تونج والتي تحتفل الصين هذا العام بمرور 30 عاما على إطلاقها.
وكان من أبرز هذه اللقاءات ــ كما أشرت يوم أمس ــ جرت مع كل من السيد لي شين (نائب مدير عام الاتصال الخارجي) بوزارة الثقافة، والسيدة جيانج جوي (نائبة مدير عام إدارة الإعلام بوزارة الخارجية)، والسيد تشاي جيون (مساعد وزير الخارجية الصيني)، والسيد ليو دنجلين (مدير عام الإدارة الثالثة بدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية بالحزب الشيوعي الصيني)، هذا بالإضافة للزيارة الاستطلاعية الإعلامية التي نظمت لنا الى مقر وكالة «شينخوا« الرسمية للأنباء. في اللقاء مع السيد لي شين، نائب مدير عام الاتصال الخارجي بوزارة الثقافة حدثنا عن دور وزارة الثقافة في تعزيز العلاقات الثقافية مع الدول التي تربطها علاقات دبلوماسية وصداقة مع الصين. كما استعرض تطور العلاقات الثقافية مع مملكة البحرين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1989م، ومن ذلك توقيع اتفاقيات إعلامية وثقافية بين الجانبين، كالتي وقعت عام 2001م، وتبادل الزيارات بين البلدين، وإقامة الأسابيع الثقافية، وتنظيم معارض الفنون التشكيلية والمهرجانات الموسيقية. وهناك مشاركة صينية منتظرة من قبل فرقتين موسيقيتين في ربيع الثقافة القادم خلال شهر مارس المقبل. وكانت احدى الفرق الموسيقية الصينية قد شاركت في مهرجان الموسيقى الدولي في أكتوبر الماضي. كما استعرض محدثنا أمثلة ونماذج من التعاون الثقافي مع البلدان العربية الأخرى، وأشار الى ان ما لا يقل عن 9 فرق فنون عربية عرضت فعالياتها الفنية في قاعة الشعب ببكين، فضلا عن عرضها هذه الفعاليات في المدن والأقاليم الصينية الأخرى. وربط كل ما تم من تطور ثقافي تشهده الصين على الصعيدين الداخلي والخارجي بالعملية الإصلاحية الجارية بما في ذلك الانفتاح الثقافي للصين على العالم. وبين المتحدث أيضا دور «الانترنت« في تزويد الصينيين بالمزيد من المعرفة والمعلومات عن الشعوب العربية. وفي ضوء ما عرضت عليه من بعض التساؤلات عرفنا منه أن لديه عشقا واهتماما بالتراث العربي منذ صغره وقد قرأ عددا من الأعمال التراثية العربية وأعجب بها مثل: لص بغداد، وألف ليلة وليلة، وعلي بابا والأربعين حرامي، وافتح يا سمسم.. إلخ. أما عن حصيلة لقائنا بالسيدة جيانج جوي (نائبة مدير عام إدارة الإعلام بوزارة الخارجية) فقد تركز حديثها عن مغزى ودلالات الدعوة التي وجهت لنا كوفد صحفي بحريني لتعزيز العلاقات الثقافية والإعلامية بين البلدين الصديقين، وتمنت أن تسهم الزيارة في تعزيز هذه الروابط بين البلدين، وان تكون مفيدة في إعطائنا رؤية شاملة من الداخل عن الصين من خلال المناطق الثلاث التي زرناها (بكين، وينتشوان، وشنغهاي). وأوضحت المتحدثة ان الصين هي ثاني أكبر دولة في العالم في حجم استخدامها للإنترنت. وعلى الرغم من أن جزءا كبيرا من حديثها مرتبط بالرد على تساؤلاتنا فإن الحديث معها بوجه عام لم يستغرق وقتا طويلا نظرا لضيق الوقت وارتباطها وارتباطنا معا ببرامج ومواعيد عمل أخرى أزف وقتها أثناء الحديث. وفي لقائنا مع مساعد وزير الخارجية تشاي جيون أجرينا معه حوارات موسعة حول العملية الإصلاحية، وساعد على تعميق هذه الحوارات، وجود مترجم فوري ضليع في اللغة العربية هو السيد «خواشين«، فضلا عن ان مساعد وزير الخارجية نفسه ملم باللغة العربية، وهذا ما لاحظناه عندما كان يبتسم لبعض تساؤلاتنا وكأنه يفهمها قبل ان يترجمها المترجم الى الصينية. ومن الملاحظ أيضا انه في معظم لقاءاتنا بالمسئولين الصينيين ان منظمي هذه اللقاءات يولون عناية فائقة بالبروتوكول الرسمي لهذه اللقاءات بما في ذلك أماكن الجلوس والمكان المخصص لجلوس المترجم والذي عادة ما يكون خلف الشخصية الصينية مباشرة التي نظم لنا لقاء معها، تماما كم يحدث في لقاءات رؤساء وقادة الدول الرسمية. على أي حال فقد كانت حواراتنا مع مساعد وزير الخارجية تشاي جيون ومع كل من ليو دنجلين (مدير عام الإدارة الثالثة بدائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي)، وتنج لي مدير إدارة غرب آسيا وشمال افريقيا بوزارة الخارجية، هي في تقديري أهم وأثمر حصائل كل اللقاءات التي أجريناها في الصين وذلك لما تميزت به حواراتنا معهم وإجاباتهم عن تساؤلاتنا بالعمق والصراحة والشفافية حول كل ما يتعلق بجوانب العملية الإصلاحية في الصين سياسيا وحزبيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا مما يستحق معه ان نفرد وقفة خاصة أو أكثر لعرض أبرز وأهم تلك الإجابات والمداخلات في إطار تناولنا للإصلاحين السياسي والاقتصادي في المقبل من حلقات هذه السلسلة. أما عن زيارتنا السريعة لمقر وكالة «شينخوا« للأنباء فلم تخل رغم سرعتها من الفائدة، فهذه الوكالة لديها أكثر من 20 الف مشترك في العالم، رغم كما هو معروف يطغى عليها الطابع الرسمي. كما لها مكاتب في مائة وخمس دول، وهي تصدر أكثر من 40 جريدة محلية. وهذه الوكالة تعد عمليا بمثابة أكبر شبكة أخبار عن الصين. وهي تقدم نشرة اخبارية بسبع لغات عالمية (الصينية، والإنجليزية، والفرنسية، والاسبانية، والروسية، والبرتغالية، والعربية). ولا تقتصر أخبارها على المجال السياسي فحسب، بل تشمل المجالات الرياضية والثقافية والاجتماعية. وكان واضحا من خلال الجولة التي قمنا بها لأقسام الوكالة الواسعة التطويرات التقنية المتقدمة التي أدخلتها وكالة «شينخوا« على أدوات ونظم عملها اليومي بفضل الانفتاح الصيني على الخارج وتقدم الصناعة الصينية في تكنولوجيا الاتصالات.

ليست هناك تعليقات: