صحيفة أخبار الخليج البحرانية
رضي السماك
لا يمكن فهم دور وأهمية عملية الاصلاح التي انطلقت في الصين منذ ثلاثة عقود بعيد رحيل قائد الحزب الشيوعي الحاكم ماوتسي تونج، إلا إذا ادركنا لماماً خطورة المرحلة التي مرت بها الصين خلال العشرية السوداء (1966- 1976م) والتي عرفت بالثورة الثقافية التي اطلقها ماوتسي تونج. فخلال هذه «الثورة« شهدت الصين الشيوعية أسوأ مراحل تطبيقها «الاشتراكية« تحت شعارات وممارسات يسارية طفولية متشددة، وفي ظل قيادة احادية شمولية كارزمية متطرفة تنزع إلى فرض عبادتها الشخصية على الحزب والجماهير.
رفعت هذه القيادة تصفية الحساب مع الطبقات القديمة، لكن جرت تصفيات جسدية حقيقية طاولت خيرة كوادر الحزب ومؤسساته الجماهيرية ومجاميع من النخبتين السياسية والثقافية. ورفضت القيادة أي اقتراب من آليات اقتصاد السوق، وتمسكت بالتخطيط المركزي الصارم، وازدادت عزلة الصين عن العالم الخارجي، كما ازدادت استتباعاً مشاكلها وسوء علاقاتها مع عدد كبير من دول العالم على خلفية تورطها في دعم عدد من حركات المعارضة اليسارية، ولاسيما المسلحة منها تحت شعارات العنف الثوري، و«الكفاح المسلح«. ولم يبزغ اشعاع نذير نهاية هذه الحقبة المظلمة إلا بعيد وفاة ماوتسي تونج، وعلى الأخص بعيد تصفية ما عرف بـ «عصابة الاربعة« والتي كان من بينها ارملة ماو نفسه. وكان خليفة ماوتسي تونج دينج هسياو بينج هو مهندس وملهم سياسة الاصلاح والانفتاح الجديدة التي تم تدشينها منذ عام 1978م. وقد رفع هذا القائد الجديد شعارات تخليص العقول من «الدوغما« والفهم الجامد للنظرية الماركسية وتطبيقها على الواقع الصيني الملموس. وعلى الرغم من نشوب النزاع والعداء بين الصين والاتحاد السوفيتي خلال سني الثورة الثقافية فإن التطبيق الاشتراكي الصيني ظل منذ ثورة 1949م حتى نهاية الثورة الثقافية يحاكي خبرة التطبيق السوفيتي. وهنا رفعت القيادة الجديدة: «تطبيق اشتراكي منسجم مع الخصائص الوطنية للصين«، وهي اللازمة التي ظل المسؤولون الحزبيون والحكوميون يرددونها في احاديثهم أمام مسامعنا في كل لقاءاتنا بهم خلال زيارتنا للصين. وبدءاً من عام 1979م شرعت القيادة في تطبيق سياسة الاصلاح انطلاقاً من الريف وذلك وفق نظام المقاولة والانتاج بالتعاقد، بحيث تمنح الدولة قطعة أرض للعائلة الفلاحية بغرض استثمار منتوجاتها حسب عقد محدد. وبهذه السياسة الجديدة تطورت انتاجية العمل في الزراعة وتم تحرير 80 مليونا ونيف من البطالة المقنعة وازدهرت الصناعات الريفية. وفي المؤتمر الثاني عشر دعا الحزب صراحة الى عدم اغفال دور السوق في اطار الاقتصاد المخطط. وفي عام 1984م تقرر الشروع في الاصلاح الاقتصادي مرحلياً انطلاقاً من تجريب نظام المناطق الاقتصادية الخاصة، وتحويل المدن الساحلية، نظراً لأهميتها التجارية، الى مدن مفتوحة قادرة على جذب ونقل التكنولوجيا المتطورة وأساليب الادارة الحديثة وجاذبة لانخراط الرساميل الاجنبية في المؤسسات الاقتصادية داخل هذه المدن الساحلية ووفق عقود محددة يصل بعضها الى 30 عاماً. وشجعت هذه النجاحات الجزئية من ترميم واصلاح الاقتصاد الصيني المنهار غداة وفاة ماوتسي تونج على قيام المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي الحاكم عام 1987م بإعلاء أهمية آليات السوق وعدم تعارض التخطيط مع هذه الآليات، بل هي ضرورية لتأمين توزيع مناسب للموارد. وكان القائد الاصلاحي هسياو بينج على رأس هذا التحول وقيادته مؤكداً ان اقتصاد السوق ليس حكراً على الرأسمالية ولا يعني اعتماده الانحراف نحو الطريق الرأسمالي، وان دمج الاقتصاد المخطط باقتصاد السوق هو الكفيل بتطوير القوى المنتجة، وتخفيف التفاوت بين الفقراء والاغنياء وصولاً الى تحقيق الرخاء الشامل للشعب. وفي المؤتمر الرابع عشر للحزب الحاكم عام 1992م ازدادت وتيرة التمسك باقتصاد السوق بلهجة اكثر صراحة ووضوحاً كهدف مركزي لبناء اقتصاد السوق الاشتراكي المتين، وبحيث يطلق هذا الاقتصاد الجديد حق المبادرة الفردية المستقلة عن الدولة، فضلاً عن مبادرة وقيام الشركات الخاصة واقرار تعددية القطاعات الاقتصادية، لكن ان يتم كل ذلك في ظل هيمنة الحزب الحاكم على الساحة السياسية، وفي ظل كذلك ضوابطه للعملية الاصلاحية الاقتصادية القائمة، وعدم المساس بالملكية العامة للأرض والموارد الطبيعية. وبالفعل فقد حققت الصين بدءاً من عام 1992م قفزة في النمو الاقتصادي وانتعاشاً غير مسبوق في التصنيع والتجارة الخارجية وأضحت الصين مثار اعجاب ودهشة العالم لهذا التطور الاقتصادي المتسارع. واذا ما قفزنا الى المؤتمر الاخير السابع عشر للحزب والذي انعقد في اكتوبر الماضي، اي عشية زيارتنا للصين، فقد خرج هذا المؤتمر بقرارات بالغة الأهمية في تعزيز العملية الاصلاحية داخل الحزب والدولة والاقتصاد والمجتمع، فقد تقرر مضاعفة الانتاج المحلي 4 مرات حتى حلول 2020م، وخلق نظام يكفل توزيع المزايا الاجتماعية بالعدل على المواطنين، والأهم من ذلك سياسياً السماح بكوادر غير حزبية لشغل عدد من المناصب السياسية في الدولة. وفي جميع لقاءاتنا بالقادة الاداريين والحكوميين، بل حتى مع افراد العائلة الفلاحية التي زرنا بيتها في مقاطعة نينجشيا ذات الغالبية المسلمة كنت أتعمد في نهاية كل هذه اللقاءات ان أسأل هؤلاء عما اذا كانوا أعضاء في الحزب لأرى عما اذا تم تطبيق دفع كوادر غير حزبية شابة او مخضرمة الى هذه المواقع عملاً بقرارات المؤتمر الاخير فتكون اجاباتهم الصريحة بأنهم اعضاء حزبيون فعلاً. وعلى ما يبدو فإن الوقت مازال مبكراً للقدوم على هذه الخطوة الجريئة غير المسبوقة في تاريخ الاحزاب الشيوعية الحاكمة في العالم. كما من القرارات المهمة التي اتخذها المؤتمر الأخير ارساء قاعدة ديمقراطية جريئة جديدة فيما يتعلق بتداول قمة القيادة السياسية داخل الحزب (الامين العام) وعامة الكوادر القيادية في اللجنة المركزية والمكتب السياسي وذلك بغية قطع الطريق على عودة مواريث احتكار القيادة وعبادة الفرد والتي أفضت الى كارثة العشرية السوداء ابان «الثورة الثقافية« 1966-1976م. ووفق هذه القاعدة الجديدة التي تسمح بضخ دماء جديدة شابة او مخضرمة في القيادة فإن رئيس الدولة لا ينبغي ان يتجاوز 68 عاماً وهو يشغل منصبه، وألا يتجاوز نائب الوزير 60 عاماً، وان عضو اللجنة المركزية الجديد ينبغي ألا يقل عمره عن 52 عاماً وان يكون ذا مؤهل جامعي. وفي سياق هذا الاصلاح الحزبي والسياسي والمنافسة الانتخابية الحرة لم ينجح في المؤتمر الاخير أعضاء في اللجنة المركزية والمكتب السياسي مثل جين تسينهون المقرب لنائب الأمين العام «هو جينتاو« الذي أعاد الحزب انتخابه، ومثل جوانتشجين سكرتير لجنة الانضباط في اللجنة المركزية، ولوجان عضو المكتب السياسي المشرف على الوزارات السيادية. كما فشل في الفوز وزير الدفاع تساو جاتشوان. وفي لقائنا ببكين مع ليو دنجلين عضو اللجنة المركزية للحزب والذي استعرض ابرز نتائج وقرارات مؤتمر الحزب الاخير وربطها بتطور العملية الاصلاحية سألته عما اذا تم ارساء آلية دائمة قوية تمنع عبادة الفرد وعودة الجمود او انتكاسة الاصلاح طويلاً مستشهداً في سؤالي هذا بأن الاصلاحات في الأنظمة الشمولية رغم شكليتها فانها غالباً ما تحصل - ان حصلت - بعد رحيل قائد الحزب أو النظام فيها ضارباً له أمثلة حية من واقع عدد من انظمتنا الشمولية العربية خلال السنوات العشر الماضية. وحينما سألته: هل كان الاصلاح سيتم لو لم يمت القائد ماوتسي تونج وعمر طويلا، أو لو خلفه مثلاً من يمشي على خطاه في الشمولية؟ أجاب ليو دنجلين باقتضاب انه لو لم يأت هسياو بينج لجاء غيره بالاصلاح. ولما سألته هل تم نقد ماوتسي تونج صراحة بعد موته؟ فأجاب: «ان هذا النقد موجود«. ولكن في تقديري الشخصي فإن الكتابات والمواقف النقدية كانت ولاتزال حذرة تجاه ماو باعتباره كان رمزاً وقائداً كبيراً كارزمياً للحزب والدولة ويمثل مع الحزب اساس المرجعية والشرعية التي تدين لها قيادات الحزب حتى الآن، ذلك بأن نسف هذه الشرعية ليس سوى نسف ضمني لشرعية القيادة الحالية بل لشرعية وجود الحزب برمته في السلطة.
ـــــــــــــــــــ
لئن كان لا يمكن فهم وتقدير دور عملية الاصلاح السياسي والانفتاح التي أطلقها الحزب الحاكم برعاية دنج هسياو بينج عام 1979 الا بالنظر إلى ما كانت عليه الصين من شفا حافة هاوية سحيقة ابان الثورة الثقافية (1966 ــ 1976) وهي بهذا، عملية الاصلاح، جاءت لتنقذ النظام والدولة والمجتمع من الانزلاق اليها.. فإن هذه العملية الاصلاحية لا يمكن تقدير قيمتها البتة بمعايير الاصلاح الليبرالية، بل يأتي تقدير أهميتها وقيمتها من كونها واحدة من أكبر عمليات الاصلاح الكبرى الجارية في عصرنا من داخل النظام نفسه من دون الخروج عن أسسه أو تقويضها.
ولعل الابتعاد عن الصممية وعبادة الفرد والتي سادت في عصر قائد الحزب الشيوعي ماوتسي تونج هو من مظاهر الوعي الاصلاحي الجديد، والذي يمكن ان يلمسه الزائر في اختفاء صور وتماثيل ماو من الميادين والشوارع والمؤسسات العامة والخاصة، وهي التي كانت منتشرة كانتشار صور دكتاتور العراق الراحل صدام حسين في عز سطوته. ويكاد لم يتبق اليوم من صور ماوتسي تونج سوى صورته الضخمة على واجهة ضريحه المقابلة لساحة تيان مين. ولقد أزيلت تلك التماثيل والصور تدريجيا بسلاسة وهدوء لكي لا يبدو ذلك ما يسيء أو يمس بمكانة القائد المؤسس للحزب الحاكم كرمز تاريخي ومصدر للشرعية. وفي لقاءاتنا ببكين مع ثلاثة من كبار المسئولين في الحزب والدولة وهم كل من ليو دنجلين مدير عام الادارة الثالثة بدائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وتشاي جيون مساعد وزير الخارجية، وتنج لي مدير ادارة غرب آسيا وشمال افريقيا بوزارة الخارجية الذي استضافنا على غداء عمل مطول في مطعم البط المشوي.. في جميع هذه اللقاءات كان هؤلاء حذرين من النقد المباشر لماوتسي تونج رغم اشادتهم وتركيزهم جميعا في أهمية العملية الاصلاحية الجارية منذ 30 عاما والتي أكدوا انها تسير وفق اشتراكية ذات «خصائص صينية« عند الحديث أو الحوار عن الانفتاح الاقتصادي أو آليات السوق في ظل النظام الاشتراكي القائم. والحال لا أعرف حقيقة لماذا على وجه التحديد يجرى دائما تبرير أو تسويغ الانفتاح الاقتصادي وآليات اقتصاد السوق - بغض النظر عن أهميتهما ــ بشعار «اشتراكية ذات خصائص صينية«، ذلك ان اقتصاد السوق يمكن تجريبه أو الاخذ به بحذر وضوابط في ظل أي نظام اشتراكي في العالم، ولا علاقة له بالظروف أو السمات الخاصة بأي شعب، وسبق لقائد الثورة البلشفية ومؤسس الاتحاد السوفيتي لينين ان أخذ به ابان الحصار الاقتصادي على روسيا فيما عرف بـ «النيب«. على ان شعار «اشتراكية ذات خصائص صينية« لم يكن وليد اطلاق العملية الاصلاحية، فقد أطلقه ماوتسي تونج نفسه وطبقه بطريقته الخاصة في عهده. وكما هو معروف ان الخصائص الوطنية لأي شعب انما تتصل بتاريخه وثقافته الشعبية ودياناته، والمزاج الاجتماعي والعادات والتقاليد واللغة وغيرها. وعموما فان تركيز صين ما بعد ماوتسي تونج في بناء اقتصادها بالجمع بين الاقتصاد المخطط واقتصاد آليات السوق والابتعاد ما أمكن عن الانزلاق في المشكلات الدولية الكبرى وعن عسكرة الاقتصاد أو التسلح، وكذا الابتعاد عن التورط في البؤر الثورية العالمية، والحفاظ على علاقات مستقرة مع مختلف دول العالم قائمة على التعايش السلمي والاحترام المتبادل، كل ذلك ساهم في انتشال الصين من حافة الانهيار الشامل التي كانت عليها غداة وفاة قائدها ماوتسي تونج، وهذا ما ركز فيه كل بلغته وأسلوبه الحذر المسئولون الثلاثة الآنف ذكرهم خلال لقاءاتنا معهم والذين كانت اجاباتهم في حواراتنا معهم هي الأعمق، والتي تشي أيضا بعمق ثقافتهم السياسية والحزبية. وان كنا هنا سنركز بوجه خاص في حديث ليو دنجلين لأهميته ونظرا لضيق المقام لاستعراض احاديث المسئولين الآخرين. فالسيد ليو دنجلين عضو اللجنة المركزية الذي نوه بأن لقاءنا معه هو اول لقاء لمسئول حزبي بوفد بحريني، وأشاد بتطور العلاقات بين البلدين وبانفتاح البحرين والاصلاح الذي يقوده ملكها أكد ان كل بلد يختار طريقه الخاص في التنمية ومن هذا المنطلق لم تعد الصين تتدخل في الشئون الداخلية للغير بل تقيم علاقات مع دول العالم قائمة على الاحترام المتبادل. وأوضح كيف ان قادة الحزب والدولة مازالوا رغم مضي كل هذه الفترة الطويلة على اطلاق عملية الانفتاح والاصلاح يعانون سمعة الحقبة الماضية التي ينظر فيها الى الشيوعية وكأنها بعبع ارهابي أو شر ملحد. في حين ان الشيوعية ليست سوى مثل أعلى نحتاج إلى مئات السنين للوصول اليه. ويوضح ليو دنجلين ان ادارته الحزبية لها علاقات حزبية مع 12 دولة عربية وتربط حزبه علاقات مع 49 حزبا سياسيا عربيا في هذه الدول. وهو يبدو من حديثه معنا واجاباته عن تساؤلاتنا اكثر هؤلاء القادة الذين التقيناهم ليبرالية وانفتاحا سواء في نقد الثورة الثقافية أم في الدفاع بحماس عن اقتصاد السوق. وحينما سألته متظاهرا بالاستعباط في سياق سؤال لي عن «هونج كونج«: وماذا عن وضع الكادحين يا رفيق في هذه الجزيرة؟ ألا تؤنبكم ضمائركم لترك مصائرهم وأحوالهم البائسة تحت رحمة حكم النظام الرأسمالي هناك حتى بعد عودة الجزيرة الى الوطن؟ أجاب بابتسامة ساخرة وسط قهقهات الحاضرين من الصينيين وزملائي في الوفد البحريني: هذه مجرد شعارات رومانسية (يقصد تظاهري بالقلق على مصير عمال وكادحي هونج كونج)، وأضاف: ان ما يطبق هناك لا يتعارض مع حق التطور الذاتي المستقل للجزيرة والذي سيفضي حتما الى تطور مشترك مع الوطن الأم مستقبلا. لا بل انه في نهاية لقائنا وجه لي متهكما ونحن نهم بالخروج دعوة للانضمام الى الحزب فانفجر الجميع على اثرها بالضحك، وانا من بينهم بالطبع. وفي سؤال لي في اللقاء نفسه عن مستقبل «تايوان« إذا ما نجحت الصين الشعبية في استعادتها الى الوطن الأم، أجاب: انه سيطبق عليها ما جرى على «هونج كونج« أي احترام خيارها الخاص القائم على النظام الرأسمالي. وحتى لقب «رفيق« لم يعد اليوم متداولا شائعا أو متداولا كثيرا في الاوساط الحزبية باستثناء الاجتماعات الحزبية المهمة الكبيرة كالمؤتمرات واجتماعات اللجنة المركزية.. وهذا ما فهمناه من مرافقينا وبعض المسئولين ممن التقيناهم. كما اعترف كل أو معظم من التقيناهم من مسئولين حزبيين وحكوميين بوجود طبقة من المليارديرية في ظل سياسة الانفتاح واقتصاد السوق، وتعترف بها حتى مطبوعات الاعلام الرسمي، مثلما تعترف ايضا بوجود شريحة واسعة من الفقراء، وحسب التقديرات الرسمية يصل عددهم الى 80 مليونا، بينما تؤكد تقديرات البنك الدولي من واقع دراسة له من داخل الصين انهم يصلون الى 300 مليون فقير، في حين تشير التقديرات الى أن أعداد طبقة المليارديرية الجديدة تصل الى نحو مائة ملياردير فيما يقدر عدد المليونيرية بـ 320 الف مليونير، ويتركز الفقراء في المناطق الحدودية ذات التضاريس المعقدة وندرة الموارد والظروف المناخية الصعبة كمنطقة الحكم الذاتي «نينغشيا« ذات الأغلبية الاسلامية (20 مليونا عدد مسلمي الصين). وتعترف ايضا الطبعة العربية من مجلة «الصين اليوم« بأنه في السنوات الاخيرة اتجه عدد كبير من الصينيين الى الاستثمار في العقارات مما أدى الى انعاش سوق العقارات وارتفاع أسعارها، وان الصينيين عادة يخفون احجام ثرواتهم قبل مضي عشر سنوات على تزايد استثماراتهم. والحال ان مشكلة الغلاء لا تقتصر على العقارات فحسب بل تمتد الى سلع عديدة غذائية ومعيشية اساسية، دع عنك السلع الكمالية وهي من افرازات تطبيق آليات السوق والانفتاح والتي ما برحت الصين تواجه تحدياتها. والى جانب هذه الافرازات تبرز مشاكل التغريب في صفوف مجاميع من الشبيبة النافرة من العمل السياسي والثقافة والمتشبهة لباسا ومظهرا ومزاجا بالشباب الغربي، وتبرز كذلك حالات غير قليلة من مظاهر الفساد في الحزب والدولة. وفي ضوء هذه التحديات تنتصب الأسئلة التالية التي تواجه مستقبل اضخم واطول عملية اصلاحية داخل نظام اشتراكي في العالم: 1 ــ الى اي مدى يمكن السيطرة على ظاهرة الغلاء المتصاعد والاستفادة من ثروات المليارديرية والمليونيرية في تضييق الهوة بين الطبقات؟ 2 ــ كيف يمكن مواجهة وضبط حالات الفساد وارساء سيادة القانون وتطبيقه على الجميع سواسية في ظل نظام لا يقوم على فصل السلطات الثلاث واستقلال السلطة القضائية والانتخاب الديمقراطي الحر والتعددية السياسية وحرية الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة؟ 3 ــ هل تكفي ديمقراطية وشفافية الحزب الحاكم الواحد من دون تداول للسلطة لديمومة الشفافية وحل دائم لكل تلك المشكلات التي يواجهها الاصلاح حاضرا ومستقبلا؟ 4 ــ كيف يمكن خلق تنمية متوازنة بين المناطق الفقيرة والمناطق الغنية؟ مثل هذه التساؤلات الأساسية وكيفية مواجهة تلك التحديات هي التي ستحدد مستقبل العملية الاصلاحية على المدى البعيد، ناهيك عن مستقبل الحزب الواحد في السلطة.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق