صحيفة أخبار الخليج البحرانية
رضي السماك
اذا كنا تحدثنا عن جوانب العملية الاصلاحية التي انطلقت في الصين منذ عام 1979م في المجالين الحزبي والسياسي كمجالين أساسيين فإن الأمر لا يستقيم وضوحا من دون أن نلقي نظرة عابرة على مجال أساسي ومحوري هام آخر من جوانب العملية الاصلاحية ألا هو الجانب الاقتصادي، ويدخل في سياقه بالطبع المجال السياحي كمرفق اقتصادي مهم بدأ يتطور خلال سني الاصلاح، ولاسيما منذ أوائل تسعينيات القرن الآفل.
ومن دون الدخول في التفاصيل يمكن القول ان العملية الاصلاحية في الجانب الاقتصادي مرت بمرحلتين اساسيتين: المرحلة الأولى: تمتد من عام 1978 الى عام 1991م. وقد تم التمهيد لهذه المرحلة بالبدء بالاصلاح في الارياف كنقطة انطلاق رئيسية، كما جرى منح المؤسسات الاقتصادية بالمدن المزيد من الصلاحيات. وفي الفترة الممتدة من عام 1984 حتى 1991م جرى التركيز على المدن الرئيسية كمحور رئيسي للإصلاح الشامل. وتم اصلاح المؤسسات الاقتصادية على نحو متدرج تجريبي، وتم فتح منطقة دلتا نهر اليانجستي ودلتا نهر اللؤلؤ، وأقيمت منطقة هاينان الاقتصادية الخاصة ومنطقة بودونج بشانغهاي الجديدة. المرحلة الثانية: وهي التي تمتد من عام 1992م ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث تم تسريع ابتكار الانظمة التي تعتمد اقتصاد السوق الاشتراكي. ونقطة الاصلاح الرئيسية هنا تعتمد على مبادرة المؤسسات المملوكة للدولة لاقامة نظام مؤسسات حديث مواكب ومتناغم لتطور الاقتصاد العالمي المعاصر، بما في ذلك اصلاح النظام العام والانظمة المصرفية والمالية ونظام التجارة الخارجية، وتطوير اصلاح نظام السكن والتأمين الاجتماعي، وتحويل وظائف الحكومة، وبحيث ينتقل تدريجيا نظام الانفتاح على الخارج من المناطق الساحلية الى المناطق الداخلية، وليصبح الانفتاح على الخارج متعدد الجهات بعد الانضمام الى منظمة التجارة العالمية (انضمت الصين اليها عام 2001م). كما يتم اصلاح الاسعار من «النظام المزدوج« إلى اسعار السوق نهائيا، ويتحول اصلاح المؤسسات المملوكة للدولة من الاعتماد الرئيسي على الحكومة إلى الاعتماد الرئيسي على السوق والقانون، وصولا إلى قيام النظام المؤسسي الحديث. وهكذا يتم نشر تجربة الانفتاح على الخارج من المناطق الساحلية في جنوب شرقي البلاد الى المناطق الحدودية والداخلية. أما على المستوى السكاني فان سكان الصين تضاعفوا منذ ثورة 1949م التي قادها ماوتسي تونج حتى الآن مرة وثلث تقريبا، ففي عام 1949م كان عدد السكان 541.67 مليون نسمة، ووصل عام 1968م الى 806.71 ملايين نسمة، وهو يصل الآن إلى نحو مليار وثلاثمائة مليون نسمة. وإزاء هذا التزايد المتسارع كان لابد من وضع ضوابط للتكاثر السكاني لانجاح العملية الاصلاحية في جانبها الاقتصادي، ومن ذلك تأخير الزواج والزام أو تشجيع كل زوجين على الاكتفاء بمولود واحد فقط، اما في الارياف والمناطق القومية ذات الحكم الذاتي فيمكن مراعاة للتقاليد والثقافة الخاصة السماح بـ 3 مواليد فقط. وكما هو معروف فان الصين هي البلد الاكبر في حجم السكان في العالم. وبموازاة سياسة ضبط هذه الزيادة السكانية، لتكون ملائمة لخطط الاصلاح الاقتصادي والرفاه، فقد تم على صعيد السياسة الخارجية ارساء أسس جديدة تعزز ثقة مختلف دول العالم في الصين الشيوعية كدولة مسالمة وليست بعبعا شيوعيا، دولة غير معادية تنزع في علاقاتها مع جميع دول العالم إلى الاحترام المتبادل والتعايش السلمي وعدم التدخل في شئون الغير. وأخذت الصين تتبنى مواقف معتدلة، وتخفف من لهجتها الثورية اليسارية التي عُرفت بها في عهد ماوتسي تونج، لكنها لم تتنازل أبدا في سياستها الخارجية عن الدفاع عن مبادئها في مساندة حركات التحرر بحذر ومرونة، وكذلك العداء العقلاني لسياسات الولايات المتحدة باعتبارها قلعة الرأسمالية الاولى وزعيمة النظام الرأسمالي، لكن من دون الوصول معها الى حافة الهاوية أو المجابهة الخطيرة. وفي المقابل من دون الوصول كذلك في دعم حركات التحرر او بعض حركات المعارضة الى ما يمس أسس علاقاتها مع حكومات بلدان هذه الحركات. وأتذكر بأني سألت عضو اللجنة المركزية ليو دنجلين، وتشاي جيون مساعد وزير الخارجية عن كيفية قدرة الصين على التوفيق بين دعم حركات التحرر والمعارضة من جهة وحكومات بلدانها من جهة اخرى ولم احصل على اجابة شافية، ويستشف من اجابتهما المراوغة ان الكفة اخذت تميل في اطار سياسة الاصلاح لتغليب مصالح الدولة الصينية في علاقاتها مع تلك الحكومات على دعم حركات التحرر والمعارضة في بلدانها. بمعنى ان منطق «الدولة« ومصالحها تغلب على منطق «الثورة« ومبادئها المثالية المجردة. على اية حال فان اعتماد الصين لاقتصاد السوق، كركيزة للإصلاح وفق توليفة من النظام المختلط، كان مغامرة جريئة انقذت النظام الاشتراكي الصيني من الانهيار وان قادته الى تحديات نوعية جديدة مشرعة على مختلف الاحتمالات حول مستقبل هذا الشكل من النظام الاشتراكي - الرأسمالي الفريد من نوعه. ويمكن تلمس مظاهر الرخاء من حصاد هذا الاصلاح الاقتصادي عند زيارتك المدن الكبرى، كالعاصمة بكين وشنغهاي. ففي بكين تكثر باطراد السيارات الحديثة وتقل الدراجات الهوائية، وتتميز المدينة بنظافة شوارعها وأبنيتها الجديدة وبفروع الشركات الاجنبية الغربية الهائلة، بما في ذلك الاسماء الكبرى الشهيرة لمطاعم الوجبات الامريكية السريعة وهو ما يمكن مشاهدته ايضا في شوارع شنغهاي وان كان عدد من الأحياء الشعبية وأحزمة الفقر متواريا خلف الاحياء التجارية والسكنية الجديدة ولاسيما في شنغهاي كما شاهدت ذلك بنفسي في جولاتي الحرة مع بعض الزملاء بعد انتهاء برنامج الزيارة الاصلي حيث مددنا يومين اضافيين. أما في المناطق الغربية الشمالية الريفية وذات الحكم الذاتي كمنطقة «نينجشيا« التي زرناها - ذات الغالبية المسلمة وذات الظروف المناخية القاسية والتضاريس الصعبة والموارد الشحيحة - فأحزمة الفقر والبؤس فيها اكثر اتساعا ووضوحا، وهو ما لا تنكره الدولة نفسها، وان اكدت وجود خطط لتنميتها وانتشالها من البؤس الذي تغرق فيه بعد نجاح تجربة المدن الساحلية المفتوحة. هذا ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في شنغهاي 6000 دولار سنويا، وفي حي بودونج التجاري والذي يقطنه اليوم ما يقرب من ثلاثة ملايين نسمة ازداد الناتج المحلي لهذا الحي من 6 مليارات يوان بين عامي 1990 - 2005م الى 210 مليارات يوان. وكان هذا الحي التجاري الجديد إلى ما قبل 20 عاما ونيفا فقط مجرد حقول ومزارع واليوم يقطنه نحو ثلاثة ملايين من مجموع ما يقرب من 20 مليونا تقريبا هم اجمالي سكان شنغهاي الاعلى من سكان العاصمة بكين (16 مليون نسمة). وقد حدثنا نائب رئيس حكومة شنغهاي المحلية بوجود ما لا يقل عن 4 آلاف ناطحة سحاب في هذه المدينة التي تشبه كثيرا - كما يبدو لي - مدينة نيويورك في مناطق هذه الناطحات العملاقة التي تصطف على ضفتي نهر هوانغبو. على اية حال فان هذه المدينة التجارية مؤهلة اليوم اكثر من أي وقت مضى لتنشيط السياحة فيها في ظل سياسة الانفتاح الجديدة بعد العزلة التاريخية الطويلة عن العالم. ومن المعالم السياحية التي زرناها فيها برج لؤلؤة الشرق، ولعل من عجائب هذا البرج ليس ارتفاعه الشاهق الذي حدثنا مرافقنا بأنه يزيد على ارتفاع برج ايل الباريسي، بل وجود في اسفله متحف كبير يحكي بالمجسمات التطور العمراني والاجتماعي والمهني الذي مرت به المدينة منذ ان كانت قرية صغيرة للصيادين تقبع خلفها مجموعة من الحقول والمزارع. بالاضافة إلى البرج هنالك اماكن تجارية وسياحية واثرية وتراثية لا حصر لها بالمدينة. وفي بكين العاصمة ايضا توجد مواقع ومناطق سياحية عديدة لعل اشهرها سور الصين العظيم الذي زرناه في يوم شديد البرودة تقترب درجة الحرارة فيه من خمس تحت الصفر، وصعدنا سلالمه الحجرية القديمة المتعبة حتى بلغنا النقطة التي تعطى لك فيها شهادة بأنك صعدت سور الصين، ولدى عودتنا ادراجنا لاحظنا عند مدخل درج السور نصبا كتب عليه بالصينية مقولة لماوتسي تونج: «من لم يصعد سور الصين ليس رجلا!« كما ترجمها لنا مرافقنا وقد ادرجت اليونسكو السور عام 1987م في قائمة التراث العالمي. ومن المناطق السياحية الشهيرة التي زرناها في بكين القصر الامبراطوري وهو ايضا مدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهو مركز السلطة العليا في الصين على مدى خمسة قرون خلال اسرتي مينغ وتشينغ الامبراطوريتين، وبه حدائق شاسعة واعمال فنية مبهرة وانهار ممتدة، واستغرق العمل فيه 14 عاما (من عام 1406 حتى عام 1420م) وشارك في بنائه مائة ألف عامل ماهر وصانع مبدع ومليون فلاح جمعوا مواده البنائية من مختلف انحاء البلاد. ومن المناطق السياحية المهيأة لتنشيط صناعة السياحة: المساجد والجوامع الاسلامية كجامع شيقوان الذي زرناه بمدينة بينتشوان في منطقة نينجشيا ذات الحكم الذاتي، وغيره من الآثار الدينية المختلفة. وعموما ثمة ما لا يقل عن مائة مدينة صينية ذات شهرة حضارية وتاريخية معظمها تضرب بجذورها التاريخية الى اكثر من ألف سنة. وهكذا يمكن القول ان الموارد السياحية ، اذا ما قدر للصين تنشيط صناعتها السياحية، تتوزع على ثلاثة اقسام رئيسية: سياحة الطبيعة الخلابة، وسياحة المواقع الأثرية والتاريخية والدينية، وسياحة الثقافة الشعبية (تأمل العادات والتقاليد والمهرجانات التي تبرزها). وقد وصل دخل الصين من السياحة الدولية بأواخر التسعينيات إلى اكثر من 200 مليار يوان، وتعتبر الدولة السياحة نافذة مهمة للخارج على الداخل لإثبات نجاح سياسة الاصلاح والانفتاح، ومنذ بداية التسعينيات شهدت صناعة السياحة الداخلية والخارجية بالصين قفزة غير مسبوقة في تاريخها وشكل السائحون الصينيون 96% من السياحتين الداخلية والاجنبية بالبلاد. مهما يكن فان تطور صناعة السياحة الصينية مرهون بمدى نجاح سياسة الانفتاح واقتصاد السوق في تخطي العقبات والتحديات التي افرزتها هذه السياسة التي اشرنا إليها قبلا، ومرهون كذلك بمدى تطور العملية الاصلاحية نحو آفاق اكثر ديمقراطية وشفافية من الهامش الحالي المتاح في ظل نظام حكم الحزب الواحد.
رضي السماك
اذا كنا تحدثنا عن جوانب العملية الاصلاحية التي انطلقت في الصين منذ عام 1979م في المجالين الحزبي والسياسي كمجالين أساسيين فإن الأمر لا يستقيم وضوحا من دون أن نلقي نظرة عابرة على مجال أساسي ومحوري هام آخر من جوانب العملية الاصلاحية ألا هو الجانب الاقتصادي، ويدخل في سياقه بالطبع المجال السياحي كمرفق اقتصادي مهم بدأ يتطور خلال سني الاصلاح، ولاسيما منذ أوائل تسعينيات القرن الآفل.
ومن دون الدخول في التفاصيل يمكن القول ان العملية الاصلاحية في الجانب الاقتصادي مرت بمرحلتين اساسيتين: المرحلة الأولى: تمتد من عام 1978 الى عام 1991م. وقد تم التمهيد لهذه المرحلة بالبدء بالاصلاح في الارياف كنقطة انطلاق رئيسية، كما جرى منح المؤسسات الاقتصادية بالمدن المزيد من الصلاحيات. وفي الفترة الممتدة من عام 1984 حتى 1991م جرى التركيز على المدن الرئيسية كمحور رئيسي للإصلاح الشامل. وتم اصلاح المؤسسات الاقتصادية على نحو متدرج تجريبي، وتم فتح منطقة دلتا نهر اليانجستي ودلتا نهر اللؤلؤ، وأقيمت منطقة هاينان الاقتصادية الخاصة ومنطقة بودونج بشانغهاي الجديدة. المرحلة الثانية: وهي التي تمتد من عام 1992م ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث تم تسريع ابتكار الانظمة التي تعتمد اقتصاد السوق الاشتراكي. ونقطة الاصلاح الرئيسية هنا تعتمد على مبادرة المؤسسات المملوكة للدولة لاقامة نظام مؤسسات حديث مواكب ومتناغم لتطور الاقتصاد العالمي المعاصر، بما في ذلك اصلاح النظام العام والانظمة المصرفية والمالية ونظام التجارة الخارجية، وتطوير اصلاح نظام السكن والتأمين الاجتماعي، وتحويل وظائف الحكومة، وبحيث ينتقل تدريجيا نظام الانفتاح على الخارج من المناطق الساحلية الى المناطق الداخلية، وليصبح الانفتاح على الخارج متعدد الجهات بعد الانضمام الى منظمة التجارة العالمية (انضمت الصين اليها عام 2001م). كما يتم اصلاح الاسعار من «النظام المزدوج« إلى اسعار السوق نهائيا، ويتحول اصلاح المؤسسات المملوكة للدولة من الاعتماد الرئيسي على الحكومة إلى الاعتماد الرئيسي على السوق والقانون، وصولا إلى قيام النظام المؤسسي الحديث. وهكذا يتم نشر تجربة الانفتاح على الخارج من المناطق الساحلية في جنوب شرقي البلاد الى المناطق الحدودية والداخلية. أما على المستوى السكاني فان سكان الصين تضاعفوا منذ ثورة 1949م التي قادها ماوتسي تونج حتى الآن مرة وثلث تقريبا، ففي عام 1949م كان عدد السكان 541.67 مليون نسمة، ووصل عام 1968م الى 806.71 ملايين نسمة، وهو يصل الآن إلى نحو مليار وثلاثمائة مليون نسمة. وإزاء هذا التزايد المتسارع كان لابد من وضع ضوابط للتكاثر السكاني لانجاح العملية الاصلاحية في جانبها الاقتصادي، ومن ذلك تأخير الزواج والزام أو تشجيع كل زوجين على الاكتفاء بمولود واحد فقط، اما في الارياف والمناطق القومية ذات الحكم الذاتي فيمكن مراعاة للتقاليد والثقافة الخاصة السماح بـ 3 مواليد فقط. وكما هو معروف فان الصين هي البلد الاكبر في حجم السكان في العالم. وبموازاة سياسة ضبط هذه الزيادة السكانية، لتكون ملائمة لخطط الاصلاح الاقتصادي والرفاه، فقد تم على صعيد السياسة الخارجية ارساء أسس جديدة تعزز ثقة مختلف دول العالم في الصين الشيوعية كدولة مسالمة وليست بعبعا شيوعيا، دولة غير معادية تنزع في علاقاتها مع جميع دول العالم إلى الاحترام المتبادل والتعايش السلمي وعدم التدخل في شئون الغير. وأخذت الصين تتبنى مواقف معتدلة، وتخفف من لهجتها الثورية اليسارية التي عُرفت بها في عهد ماوتسي تونج، لكنها لم تتنازل أبدا في سياستها الخارجية عن الدفاع عن مبادئها في مساندة حركات التحرر بحذر ومرونة، وكذلك العداء العقلاني لسياسات الولايات المتحدة باعتبارها قلعة الرأسمالية الاولى وزعيمة النظام الرأسمالي، لكن من دون الوصول معها الى حافة الهاوية أو المجابهة الخطيرة. وفي المقابل من دون الوصول كذلك في دعم حركات التحرر او بعض حركات المعارضة الى ما يمس أسس علاقاتها مع حكومات بلدان هذه الحركات. وأتذكر بأني سألت عضو اللجنة المركزية ليو دنجلين، وتشاي جيون مساعد وزير الخارجية عن كيفية قدرة الصين على التوفيق بين دعم حركات التحرر والمعارضة من جهة وحكومات بلدانها من جهة اخرى ولم احصل على اجابة شافية، ويستشف من اجابتهما المراوغة ان الكفة اخذت تميل في اطار سياسة الاصلاح لتغليب مصالح الدولة الصينية في علاقاتها مع تلك الحكومات على دعم حركات التحرر والمعارضة في بلدانها. بمعنى ان منطق «الدولة« ومصالحها تغلب على منطق «الثورة« ومبادئها المثالية المجردة. على اية حال فان اعتماد الصين لاقتصاد السوق، كركيزة للإصلاح وفق توليفة من النظام المختلط، كان مغامرة جريئة انقذت النظام الاشتراكي الصيني من الانهيار وان قادته الى تحديات نوعية جديدة مشرعة على مختلف الاحتمالات حول مستقبل هذا الشكل من النظام الاشتراكي - الرأسمالي الفريد من نوعه. ويمكن تلمس مظاهر الرخاء من حصاد هذا الاصلاح الاقتصادي عند زيارتك المدن الكبرى، كالعاصمة بكين وشنغهاي. ففي بكين تكثر باطراد السيارات الحديثة وتقل الدراجات الهوائية، وتتميز المدينة بنظافة شوارعها وأبنيتها الجديدة وبفروع الشركات الاجنبية الغربية الهائلة، بما في ذلك الاسماء الكبرى الشهيرة لمطاعم الوجبات الامريكية السريعة وهو ما يمكن مشاهدته ايضا في شوارع شنغهاي وان كان عدد من الأحياء الشعبية وأحزمة الفقر متواريا خلف الاحياء التجارية والسكنية الجديدة ولاسيما في شنغهاي كما شاهدت ذلك بنفسي في جولاتي الحرة مع بعض الزملاء بعد انتهاء برنامج الزيارة الاصلي حيث مددنا يومين اضافيين. أما في المناطق الغربية الشمالية الريفية وذات الحكم الذاتي كمنطقة «نينجشيا« التي زرناها - ذات الغالبية المسلمة وذات الظروف المناخية القاسية والتضاريس الصعبة والموارد الشحيحة - فأحزمة الفقر والبؤس فيها اكثر اتساعا ووضوحا، وهو ما لا تنكره الدولة نفسها، وان اكدت وجود خطط لتنميتها وانتشالها من البؤس الذي تغرق فيه بعد نجاح تجربة المدن الساحلية المفتوحة. هذا ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في شنغهاي 6000 دولار سنويا، وفي حي بودونج التجاري والذي يقطنه اليوم ما يقرب من ثلاثة ملايين نسمة ازداد الناتج المحلي لهذا الحي من 6 مليارات يوان بين عامي 1990 - 2005م الى 210 مليارات يوان. وكان هذا الحي التجاري الجديد إلى ما قبل 20 عاما ونيفا فقط مجرد حقول ومزارع واليوم يقطنه نحو ثلاثة ملايين من مجموع ما يقرب من 20 مليونا تقريبا هم اجمالي سكان شنغهاي الاعلى من سكان العاصمة بكين (16 مليون نسمة). وقد حدثنا نائب رئيس حكومة شنغهاي المحلية بوجود ما لا يقل عن 4 آلاف ناطحة سحاب في هذه المدينة التي تشبه كثيرا - كما يبدو لي - مدينة نيويورك في مناطق هذه الناطحات العملاقة التي تصطف على ضفتي نهر هوانغبو. على اية حال فان هذه المدينة التجارية مؤهلة اليوم اكثر من أي وقت مضى لتنشيط السياحة فيها في ظل سياسة الانفتاح الجديدة بعد العزلة التاريخية الطويلة عن العالم. ومن المعالم السياحية التي زرناها فيها برج لؤلؤة الشرق، ولعل من عجائب هذا البرج ليس ارتفاعه الشاهق الذي حدثنا مرافقنا بأنه يزيد على ارتفاع برج ايل الباريسي، بل وجود في اسفله متحف كبير يحكي بالمجسمات التطور العمراني والاجتماعي والمهني الذي مرت به المدينة منذ ان كانت قرية صغيرة للصيادين تقبع خلفها مجموعة من الحقول والمزارع. بالاضافة إلى البرج هنالك اماكن تجارية وسياحية واثرية وتراثية لا حصر لها بالمدينة. وفي بكين العاصمة ايضا توجد مواقع ومناطق سياحية عديدة لعل اشهرها سور الصين العظيم الذي زرناه في يوم شديد البرودة تقترب درجة الحرارة فيه من خمس تحت الصفر، وصعدنا سلالمه الحجرية القديمة المتعبة حتى بلغنا النقطة التي تعطى لك فيها شهادة بأنك صعدت سور الصين، ولدى عودتنا ادراجنا لاحظنا عند مدخل درج السور نصبا كتب عليه بالصينية مقولة لماوتسي تونج: «من لم يصعد سور الصين ليس رجلا!« كما ترجمها لنا مرافقنا وقد ادرجت اليونسكو السور عام 1987م في قائمة التراث العالمي. ومن المناطق السياحية الشهيرة التي زرناها في بكين القصر الامبراطوري وهو ايضا مدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهو مركز السلطة العليا في الصين على مدى خمسة قرون خلال اسرتي مينغ وتشينغ الامبراطوريتين، وبه حدائق شاسعة واعمال فنية مبهرة وانهار ممتدة، واستغرق العمل فيه 14 عاما (من عام 1406 حتى عام 1420م) وشارك في بنائه مائة ألف عامل ماهر وصانع مبدع ومليون فلاح جمعوا مواده البنائية من مختلف انحاء البلاد. ومن المناطق السياحية المهيأة لتنشيط صناعة السياحة: المساجد والجوامع الاسلامية كجامع شيقوان الذي زرناه بمدينة بينتشوان في منطقة نينجشيا ذات الحكم الذاتي، وغيره من الآثار الدينية المختلفة. وعموما ثمة ما لا يقل عن مائة مدينة صينية ذات شهرة حضارية وتاريخية معظمها تضرب بجذورها التاريخية الى اكثر من ألف سنة. وهكذا يمكن القول ان الموارد السياحية ، اذا ما قدر للصين تنشيط صناعتها السياحية، تتوزع على ثلاثة اقسام رئيسية: سياحة الطبيعة الخلابة، وسياحة المواقع الأثرية والتاريخية والدينية، وسياحة الثقافة الشعبية (تأمل العادات والتقاليد والمهرجانات التي تبرزها). وقد وصل دخل الصين من السياحة الدولية بأواخر التسعينيات إلى اكثر من 200 مليار يوان، وتعتبر الدولة السياحة نافذة مهمة للخارج على الداخل لإثبات نجاح سياسة الاصلاح والانفتاح، ومنذ بداية التسعينيات شهدت صناعة السياحة الداخلية والخارجية بالصين قفزة غير مسبوقة في تاريخها وشكل السائحون الصينيون 96% من السياحتين الداخلية والاجنبية بالبلاد. مهما يكن فان تطور صناعة السياحة الصينية مرهون بمدى نجاح سياسة الانفتاح واقتصاد السوق في تخطي العقبات والتحديات التي افرزتها هذه السياسة التي اشرنا إليها قبلا، ومرهون كذلك بمدى تطور العملية الاصلاحية نحو آفاق اكثر ديمقراطية وشفافية من الهامش الحالي المتاح في ظل نظام حكم الحزب الواحد.
ــــــــــــــــــ
على مائدة السفير حينما حططنا الرحال في «شنغهاي« المحطة الثالثة والأخيرة من زيارتنا الصحفية الإعلامية للصين بدعوة من وزارة الخارجية فيها كان التعب والإنهاك قد أخذا مأخذهما منا نحن الأربعة: عبدالله خليفة، وعزالدين علي، وحسين مرهون، وكاتب هذه السطور، وذلك بسبب ازدحام البرنامج اليومي للزيارة، وبالنظر كذلك إلى قصر الفترة التي تمت استضافتنا خلالها في الصين، وبسبب أيضا تنقلنا بين أكثر من منطقة خلال هذه الفترة الوجيزة، ناهيك عن شدة برودة طقس المناطق التي زرناها. ومع أن شنغهاي كانت أدفأها نسبيا (بين 5 إلى 10 درجات فوق الصفر) إلا أن مناعتنا فيها انهارت تحت تأثير
الإجهاد الشديد طوال الرحلة، والأهم من ذلك تحت تأثير عدوى «الانفلونزا« الحادة التي أهداها لنا جميعا الزميل المصاب حسين مرهون، والذي كان قد أصيب بها مقدما من المحطة الأولى بكين. وهكذا عدنا إلى الوطن لنكون جميعا طريحي فراش المرض أياما طويلة من جراء تلك الانفلونزا الغريبة في حدتها مقارنة بالانفلونزا البحرينية. في البحرين كان سفير جمهورية الصين الشعبية الأستاذ لي تشيقوه ونائبته الأستاذة تشنغ يولي متشوقين إلى لقائنا لمعرفة انطباعاتنا عن بلادهما من خلال الزيارة التي استضافتنا حكومتهما بها. وهكذا وجه لنا دعوة جميعا لمأدبة عشاء بمنزله على أن تتم بعد زوال الانفلونزا الصينية الحادة التي ألمت بنا جميعا، في حين لازمتني شخصيا طوال ما يقرب من أسبوعين في البحرين، وقد كانت الأمسية التي استضافنا فيها سعادة السفير لي تشيقوه على مائدة عشاء بمنزله كانت أمسية جميلة ليس فقط لأنها ذكرتنا بزيارتنا للصين أو لأنها كانت عامرة بالمأكولات والطعام الصيني الذي كان ملازما لنا طوال الزيارة، بل الأهم من ذلك أنها كانت عامرة أيضا بالأحاديث والحوارات السياسية المفيدة وذلك بالنظر إلى ما تمثله هذه الشخصية الصينية الدبلوماسية من عمق ثقافي وسياسي وحزبي يقترب ويضاهي عمق مستويات من التقيناهم من كبار المسئولين في الصين. وكان لإتقان السفير تشيقوه التحدث باللغة العربية بطلاقة أثره في توسيع وتعميق الحوار معه على مائدة العشاء في مختلف الشئون السياسية والثقافية والاجتماعية. والسفير تشيقوه من مواليد عام 1956، خريج جامعة الدراسات الأجنبية عام 1978، وهي الجامعة التي درس فيها اللغة العربية. والتحق بوزارة الخارجية بعد تخرجه مباشرة، وعين ملحقا دبلوماسيا في السفارة الصينية بمصر عام 1979، وأقام فيها 4 سنوات تمكن خلالها من تطوير تحدثه باللغة العربية متأثرا باللهجة المصرية. وفي عام 1987 عين في السفارة الصينية ببغداد سكرتيرا ثانيا لمدة 5 سنوات، وتقلد منصب مدير إدارة شئون مجلس التعاون والعراق واليمن بديوان وزارة الخارجية الصينية. وعين قنصلا في دبي عام 1997، وأخيرا فقد تولى مهمته الدبلوماسية الأخيرة سفيرا في البحرين منذ يونيو .2006 وتبين لي أنه كان ومازال مهتما بما ينشر عن بلاده في صحافتنا المحلية بما في ذلك ما يكتب في أعمدة الرأي. ورغم أن زميليه السفيرين السابقين كان لديهما نفس هذا الاهتمام إلى حد ما فإنه بدا ونائبته تشنغ يولي أكثر اهتماما ومتابعة لما ينشر في الصحافة المحلية. هذا ما تبين لي على الأقل من اتصالاتهما بي شخصيا في ضوء ما كتبته من مقالات عديدة عن الصين وعلى الأخص منذ تدشين جلالة الملك مرحلة الانفراج السياسي الجديدة عام .2001 وطوال مائدة العشاء التي استضافنا السفير عليها في الجفير، واستمرت نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة حدثناه جميعا عن كل انطباعاتنا عن الصين الجديدة في عصر الانفتاح الذي دشنه الزعيم الراحل تنج هسياو بنج منذ 1978، وكان حوارنا معه صريحا وشفافا للغاية عن السياسة الصينية. وكان كما بدا لنا من الحوار معه يتمتع بثقافة وخبرة سياسية عالية. كما أثرنا الكثير من الأفكار والتساؤلات التي سبق أن تداولناها مع من التقيناهم هناك في بلاده، وردد من جانبه بحماس الدفاع عن سياسة الإصلاح الحالية، وانتقد باقتضاب، وعلى نحو عابر، حقبة «الثورة الثقافية« 1966-1976، من دون أن ينتقد على نحو مباشر أو مركز الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونج الذي كان مهندس تلك الثورة الثقافية وقائدها. وكانت معظم إجاباته عن تساؤلاتنا فيما يتعلق بسياسات الصين الداخلية والخارجية متشابهة أو متماثلة إلى حد كبير مع إجابات المسئولين الحزبيين والحكوميين الذين التقيناهم في الصين، ومن ذلك اهتمام الصين بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول التي تقيم علاقات دبلوماسية معها وعدم التورط في دعم أي نوع من حركات المعارضة، مسلحة أو سياسية، في الدول التي تقيم الصين علاقات معها، ولاسيما إذا ما كانت بعض هذه الحركات تعيش مرحلة مجابهة أو احتقان سياسي مع حكومات بلدانها. وحينما سألته عن موقف الصين من الحركة اليسارية الماوية في النيبال، وهي حركة مسلحة قوية، نفى وجود أي علاقة لبكين بهذه الحركة وانتقد باقتضاب شديد تطرف هذه الحركة. وأثنى السفير لي تشيقوه كثيرا على القيادة السياسية للبحرين وشعبها، وأبدى إعجابه بهذا البلد وأخلاق الناس فيه وطيبتهم الفطرية. وأوضح كيف أنه بفضل هذه السمات الأخلاقية التي يتمتع بها هذا البلد حكومة وشعبا تم قتل الكثير من البيروقراطيات والحواجز التي كان يواجهها أثناء مهامه الدبلوماسية في العواصم العربية الأخرى التي عمل فيها، ومن ذلك تمكنه من طلب مقابلة جلالة الملك. كما أتيح له مقابلة سمو رئيس الوزراء وسمو ولي العهد ثلاث مرات خلال هذه الفترة الوجيزة التي قضاها في البحرين، وتمكن من مقابلة كل وزراء الحكومة مرات عديدة. ورغم شرحه ودفاعه عن نهج العقلانية والاعتدال الذي تنتهجه الصين في إطار سياسة الانفتاح والإصلاح الحالية، فإن السفير تشيقوه، كسائر المسئولين الحزبيين والحكوميين في بلاده، لا يخفي انتقاده الشديد للسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم من منطلق أيديولوجي وفكري. وأخيرا فلا يسعني في ختام هذه السلسلة عن حصاد زيارة وفدنا الصحفي للصين سوى أن أقدم الشكر وعظيم الامتنان للقيادة والحكومة الصينيتين على كرم الضيافة وحسن الاستقبال وسعة الصدر في تحمل ملاحظاتنا وتقبل جوانب من آرائنا المتباينة مع آرائهم. وأخص بالذكر هنا سعادة السفير لي تشيقوه ونائبة رئيس البعثة تشنغ يولي التي قامت، وبناء على توجيهات ومتابعات مباشرة من قبل سعادة السفير، بمهمة التحضيرات الطويلة والمجهدة للزيارة خير قيام، وهي المهمة التي حاولت قدر المستطاع وبناء على طلبها أن أساعدها فيها، متمنيا للشعب الصيني وقيادته السياسية اطراد التقدم والمكاسب والنجاحات لتحقيق أحلامه وآماله في غد مشرق سعيد وأجمل.
الإجهاد الشديد طوال الرحلة، والأهم من ذلك تحت تأثير عدوى «الانفلونزا« الحادة التي أهداها لنا جميعا الزميل المصاب حسين مرهون، والذي كان قد أصيب بها مقدما من المحطة الأولى بكين. وهكذا عدنا إلى الوطن لنكون جميعا طريحي فراش المرض أياما طويلة من جراء تلك الانفلونزا الغريبة في حدتها مقارنة بالانفلونزا البحرينية. في البحرين كان سفير جمهورية الصين الشعبية الأستاذ لي تشيقوه ونائبته الأستاذة تشنغ يولي متشوقين إلى لقائنا لمعرفة انطباعاتنا عن بلادهما من خلال الزيارة التي استضافتنا حكومتهما بها. وهكذا وجه لنا دعوة جميعا لمأدبة عشاء بمنزله على أن تتم بعد زوال الانفلونزا الصينية الحادة التي ألمت بنا جميعا، في حين لازمتني شخصيا طوال ما يقرب من أسبوعين في البحرين، وقد كانت الأمسية التي استضافنا فيها سعادة السفير لي تشيقوه على مائدة عشاء بمنزله كانت أمسية جميلة ليس فقط لأنها ذكرتنا بزيارتنا للصين أو لأنها كانت عامرة بالمأكولات والطعام الصيني الذي كان ملازما لنا طوال الزيارة، بل الأهم من ذلك أنها كانت عامرة أيضا بالأحاديث والحوارات السياسية المفيدة وذلك بالنظر إلى ما تمثله هذه الشخصية الصينية الدبلوماسية من عمق ثقافي وسياسي وحزبي يقترب ويضاهي عمق مستويات من التقيناهم من كبار المسئولين في الصين. وكان لإتقان السفير تشيقوه التحدث باللغة العربية بطلاقة أثره في توسيع وتعميق الحوار معه على مائدة العشاء في مختلف الشئون السياسية والثقافية والاجتماعية. والسفير تشيقوه من مواليد عام 1956، خريج جامعة الدراسات الأجنبية عام 1978، وهي الجامعة التي درس فيها اللغة العربية. والتحق بوزارة الخارجية بعد تخرجه مباشرة، وعين ملحقا دبلوماسيا في السفارة الصينية بمصر عام 1979، وأقام فيها 4 سنوات تمكن خلالها من تطوير تحدثه باللغة العربية متأثرا باللهجة المصرية. وفي عام 1987 عين في السفارة الصينية ببغداد سكرتيرا ثانيا لمدة 5 سنوات، وتقلد منصب مدير إدارة شئون مجلس التعاون والعراق واليمن بديوان وزارة الخارجية الصينية. وعين قنصلا في دبي عام 1997، وأخيرا فقد تولى مهمته الدبلوماسية الأخيرة سفيرا في البحرين منذ يونيو .2006 وتبين لي أنه كان ومازال مهتما بما ينشر عن بلاده في صحافتنا المحلية بما في ذلك ما يكتب في أعمدة الرأي. ورغم أن زميليه السفيرين السابقين كان لديهما نفس هذا الاهتمام إلى حد ما فإنه بدا ونائبته تشنغ يولي أكثر اهتماما ومتابعة لما ينشر في الصحافة المحلية. هذا ما تبين لي على الأقل من اتصالاتهما بي شخصيا في ضوء ما كتبته من مقالات عديدة عن الصين وعلى الأخص منذ تدشين جلالة الملك مرحلة الانفراج السياسي الجديدة عام .2001 وطوال مائدة العشاء التي استضافنا السفير عليها في الجفير، واستمرت نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة حدثناه جميعا عن كل انطباعاتنا عن الصين الجديدة في عصر الانفتاح الذي دشنه الزعيم الراحل تنج هسياو بنج منذ 1978، وكان حوارنا معه صريحا وشفافا للغاية عن السياسة الصينية. وكان كما بدا لنا من الحوار معه يتمتع بثقافة وخبرة سياسية عالية. كما أثرنا الكثير من الأفكار والتساؤلات التي سبق أن تداولناها مع من التقيناهم هناك في بلاده، وردد من جانبه بحماس الدفاع عن سياسة الإصلاح الحالية، وانتقد باقتضاب، وعلى نحو عابر، حقبة «الثورة الثقافية« 1966-1976، من دون أن ينتقد على نحو مباشر أو مركز الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونج الذي كان مهندس تلك الثورة الثقافية وقائدها. وكانت معظم إجاباته عن تساؤلاتنا فيما يتعلق بسياسات الصين الداخلية والخارجية متشابهة أو متماثلة إلى حد كبير مع إجابات المسئولين الحزبيين والحكوميين الذين التقيناهم في الصين، ومن ذلك اهتمام الصين بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول التي تقيم علاقات دبلوماسية معها وعدم التورط في دعم أي نوع من حركات المعارضة، مسلحة أو سياسية، في الدول التي تقيم الصين علاقات معها، ولاسيما إذا ما كانت بعض هذه الحركات تعيش مرحلة مجابهة أو احتقان سياسي مع حكومات بلدانها. وحينما سألته عن موقف الصين من الحركة اليسارية الماوية في النيبال، وهي حركة مسلحة قوية، نفى وجود أي علاقة لبكين بهذه الحركة وانتقد باقتضاب شديد تطرف هذه الحركة. وأثنى السفير لي تشيقوه كثيرا على القيادة السياسية للبحرين وشعبها، وأبدى إعجابه بهذا البلد وأخلاق الناس فيه وطيبتهم الفطرية. وأوضح كيف أنه بفضل هذه السمات الأخلاقية التي يتمتع بها هذا البلد حكومة وشعبا تم قتل الكثير من البيروقراطيات والحواجز التي كان يواجهها أثناء مهامه الدبلوماسية في العواصم العربية الأخرى التي عمل فيها، ومن ذلك تمكنه من طلب مقابلة جلالة الملك. كما أتيح له مقابلة سمو رئيس الوزراء وسمو ولي العهد ثلاث مرات خلال هذه الفترة الوجيزة التي قضاها في البحرين، وتمكن من مقابلة كل وزراء الحكومة مرات عديدة. ورغم شرحه ودفاعه عن نهج العقلانية والاعتدال الذي تنتهجه الصين في إطار سياسة الانفتاح والإصلاح الحالية، فإن السفير تشيقوه، كسائر المسئولين الحزبيين والحكوميين في بلاده، لا يخفي انتقاده الشديد للسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم من منطلق أيديولوجي وفكري. وأخيرا فلا يسعني في ختام هذه السلسلة عن حصاد زيارة وفدنا الصحفي للصين سوى أن أقدم الشكر وعظيم الامتنان للقيادة والحكومة الصينيتين على كرم الضيافة وحسن الاستقبال وسعة الصدر في تحمل ملاحظاتنا وتقبل جوانب من آرائنا المتباينة مع آرائهم. وأخص بالذكر هنا سعادة السفير لي تشيقوه ونائبة رئيس البعثة تشنغ يولي التي قامت، وبناء على توجيهات ومتابعات مباشرة من قبل سعادة السفير، بمهمة التحضيرات الطويلة والمجهدة للزيارة خير قيام، وهي المهمة التي حاولت قدر المستطاع وبناء على طلبها أن أساعدها فيها، متمنيا للشعب الصيني وقيادته السياسية اطراد التقدم والمكاسب والنجاحات لتحقيق أحلامه وآماله في غد مشرق سعيد وأجمل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق