صحيفة المستقبل اللبنانية
شمس الدين الكيلاني
توقف العرب طويلاً، في العصر الوسيط، عند بناء السلطة والملك في الصين، ولم يخفوا إعجابهم بعظمة ملك الصين ومهابته، التي ترتكز على الثروة الطائلة التي بين يديه، وأبهة الملك، وعلى ثراء بلاده، فهناك ما يزيد أهمية بنظرهم، وهو النظام الدقيق الذي يدبر به ملك الصين بلده، والذي يستند على العقل ومقتضياته، وأحياناً أخرى على مقتضيات العقل والشريعة المستقاة من دينهم، فيأتي الدين عندهم ليسند سلطة العقل، وهناك أيضاً العدل الوافر الذي يشمل الجميع، وتسنده قوة السلطان والتقليد الراسخ، وهناك ثالثاً العمران والمدنية، التي يسندها النظام أيضاً، وهو ما يتجلى بتنظيم إدارة المدن وشوارعها، وبنائها، وإقرار العدل فيها، كل هذه المظاهر الراسخة، وآليات عملها رفعت من قدرة الصين وحضارتها في أعين باحثينا.
عرّفنا المسعودي والسيرافي على أن لقب ملك الصين الدائم هو (البغبور) ويعني (ابن السماء)، وعلى حد تعبيرهما "وهو الملك الأعظم ورنما سمي البغبور ومعناه ابن السماء ونحن نسميه المغبون". بينما ذهب المسعودي إلى القول "والعامة تسميه يعبور، وتفسير ذلك ابن السماء، وهو الاسم الأخص لملوك الصين، والذي يُخاطبون به جميعاً". وعاصمة الملك خمدان ويقال أنها (Tch - tang) "فهذه قصبة الصين الأكبر، وبها البغبور الأكبر". ومن هذه المدينة العظيمة كان ملك الصين يدير ملكه بنظام وعدل، فهو "ملك الرعاية والسياسية وإتقان الصنعة".
فكان الحكم في الصين مثار إعجابهم، طالما أنه قائم على العدل الذي يحرسه العقل، وأحياناً على العقل وشرعهم معاً، لذا فإن بعض المفكرين العرب المسلمين، وبسبب إعجابهم بالسياسة العقلية العادلة للصين، تمنوا أن تكون سياسة بلاده، وهي التي غدت تحت ملك عضوض، مثيله لنظام الصين السياسي، وهو ما عبّر عنه رجل مثل الغرناطي، فبعد أن قال: إن "ملوكهم أهل عدل وإنصاف..." يخلص إلى التمني "يا ليت ملوك المسلمين اقتدوا بهذه السياسة الحسنة، فهم كانوا أحق بها، ولكن ذلك لحكمة الله".
العدل أولاً، والتنظيم ثانياً، والحكمة ثالثاً، هي التي يتصف بها ملك الصين، تجاه رعيته وبلاده، حتى أن حرصه على العدل جعله يضع في كل مدينة جرسا فوق رأسه، حتى ينهي حاله بنفسه".
أما عن ترتيب مواقع السلطة، فإذا كان السلطان على قمّة هرم السلطة، ويعتمد إلى جانبه: الوزير، وقاضي القضاة، وجنوده وخصيانه، ففي العاصمة خمدان تتركز السلطة الملكية وإدارتها العليا.
وكان يتولى الإدارة المالية، نيابة عن الملك، وتحصيل الخراج، خصيان الملك، أعلمنا السيرافي عن "أمر الخدم... إنما هم ولاة الخراج وأبواب المال، فمنهم من سبي من الأطراف (أطراف الصين) فخصي، ومنهم من يخصيه والده من أهل الصين، ويهديه إلى الملك تقرباً به إليه" ويعتمد الملك في اتصالاته، بأطراف بلده، ببريد منظم غاية التنظيم (وذلك أن ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسرجة محذوة الآلات للأخبار"، ويتوفر للمسافة إضافة إلى الأمان الراحة، (فالفنادق) منتشرة في شتّى الأرجاء.
ويبلغ حرص الإدارة الصينية إلى درجة أنها ترتّب (سجلات مدنية) لإحصاء مواطنيها وللمسافرين إليها، كتب المروزي، أن المراكب التجارية عند وصولها باب مدينة خانقو، يخرج إليه "الأمناء والكتّاب من أهل البلد، فيكتبون عددا ما في المركب من الرجال والنساء والصبيان والعبيد، ثم يكتبون اسم صاحب هذا المركب واسم أبيه، ويكتبون أسماء الذين معه من التجار، وتكتب أسنانهم (أعمارهم) بأن يسأل الرجل كم أتى عليه من السنين، ومن أي بلد هو، ومن أي قبيلة، ثم يكتبون ويثبتون جميع ما في المراكب من الأمتعة على أصنافه".
ولا تعتمد خزانة الملك على الجزية، أو الخراج المفروض على الرؤوس وحسب، فله مصادر أخرى من احتكاره لمادتي الملح، وما سمّاه مولفونا بالحشيش، وهو الشاي، يقول السيرافي "ويختص الملك من المعادن بالملح، والحشيش، يشربونه بالماء الحار ويباع منه في كل مدينة بمال عظيم، ويقال له الساخ، وهو أكثر ورقاً من الرجلة (أي البرسيم)، وأطيب قليلاً، وفيه مرارة فيغلى بالماء ويذر عليه، فهو ينفعهم من كل شيء، وجميع ما يدخل بيت المال: "الجزية والملح وهذا الحشيش".
وأطرى العرب النظام النقدي الصيني، إذ تعرفوا على تطوره وبساطة استعمالهم لما يشبه العملة الورقية، وهي من الحرير، سمّوها الكاغد، فهم ـ حسب ابن بطوطة ـ لا يتبايعون بدينار ولا درهم "وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد، كل قطعة منها بقدر الكف، مطبوعة بطابع السلطان.
وللقضاء مكانة عالية لديهم، فقاضي القضاة من المناصب القريبة من الملك إلى جوار (الخصي)، والوزير، ومنصب القاضي منصب خطير للغاية لديهم، فهو يسهر على رعاية الأحكام وتطبيقها، والتي لها "جلالها في صدورهم".
وأهل الصين يوثقون معاملاتهم وديونهم، فإذا كان للرجل على أحدهم دين كتب عليه كتاباً، وعلّمه بعلامة أصبعيه الوسطى والسبّابة". ومن أحكامهم أن "من سرق زيادة على مئة فلس، وهو عشرة دراهم يقتل ولا يترك البتة". ودوّن اليعقوبي أنهم "يقتلون على الكذب، ويقتلون على السرقة، ويقتلون على الزنا". ولكن إذا بلغ الشيخ ثمانين سنة"، و"أذنب، ذنباً يستوجب القتل أو العقوبة عفي عنه، وإن كان رجلاً أو امرأة خصومة كانوا إلى المرأة أميل".
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق