صحيفة الخليج الإماراتية
العالم يتسبب في تغيير الصين، لكن الصين تغير العالم ايضا، انها الدولة الاسرع نمواً في العالم وأكبر دولة مستوردة لرأس المال ومالكة للاحتياطات النقدية الأجنبية وثالث اكبر دولة في العالم من حيث حجم تجارتها . والصين هي أكبر مستهلك للمعادن وأكبر نافث للكربون ومستهلك للطاقة الأولية.
ونجم عن التطور الصناعي السريع في الصين وحجم مدخراتها الهائل وانفتاحها على العالم أربعة عوامل لا بد من الوقوف عليها بالتفصيل . أولها أن طبيعة النمو الذي تحققه الصين تعتمد على كميات هائلة من الموارد الأولية . فحتى عام 2006 كانت الصين تستهلك 32% من فولاذ العالم و25% من الألمنيوم الذي ينتجه و23% من نحاسه و30% من توتيائه و18% من النيكل العالمي .
في الوقت الذي استهلكت الصين 7،1% فقط من نفط العالم عام ،2006 إلا أن تلك النسبة كانت فقط 4،7% عام 2000 . والأهم من ذلك ان طلب الصين على النفط حسب آخر تقرير لوكالة الطاقة الدولية، بلغ 31% من الزيادة الحاصلة في الطلب العالمي بين عامي 2000 و،2006 بالمقارنة مع أقل من 20% لدول امريكا الشمالية مجتمعة .
ويتوقع أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة لتصبح اكبر مستهلك للنفط في العالم بحلول عام ،2010 حسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، ومع ذلك سيبقى حجم اقتصادها اقل من اقتصاد الولايات المتحدة بحوالي الثلث من حيث القيمة السوقية . ومع ذلك تعتبر الصين الدولة الأولى من حيث نفث الكربون، ويتوقع تقرير وكالة الطاقة أن يزيد حجم الغازات التي تنفثها الصين عام 2015 على مثيلاتها الامريكية بحدود الثلث .
العامل الثاني هو أن الصين تمارس تأثيرا كبيرا في الأسعار العالمية (بالدولار)، فعندما انخرطت الصين في الاقتصاد العالمي كمصدر سريع النمو للصناعات شديدة الاعتماد على العمالة، وبسعر صرف عملات مربوط بالدولار، ووحدة تكلفة منخفضة فيما يخص العمالة الصينية، تسببت في خفض اسعار صادراتها الى العالم، بالعملة الامريكية، ثم مارست الصين كاقتصاد ناشئ تأثيراَ مضاداً للتضخم.
وفي السنوات القليلة الماضية، تحول ذلك التأثير الى تأثير تضخمي حيث ساعد الطلب الصيني القوي على ارتفاع اسعار السلع الرئيسية بالدولار بين عامي 2003 و2008 حيث ارتفعت اسعار المعدان بنسبة 180% والطاقة بنسبة 170% حسب تقديرات جولدمان ساكس .
والعامل الثالث ان الصين تمارس تأثيرا كبيرا في حركة التجارة العالمية . فقد قفزت صادراتها من السلع المصنعة من حوالي 200 مليار دولار عام 200 الى 1141 مليار دولار عام 2007 أي بزيادة خمسة اضعاف . والصين أيضا هي ثاني أكبر مصدر في العالم للسلع الاستهلاكية، بعد ألمانيا وقبل الولايات المتحدة، وإذا استمرت معدلات النمو الصينية الراهنة فإنها ستصبح اكبر مصدر لهذه السلع خلال بضع سنوات .
والعامل الأخير ان الصين تحولت الى مصدر رساميل كبيرة، فقد تضاعف فائض ميزان الحسابات الصيني مرات عدة خلال الأعوام الماضية ليصل الى 378 مليار دولار صعودا من 69 مليار دولار عام ،2004 حيث كان يعادل 3،6% من الناتج الإجمالي المحلي . ويتوقع أن يكون الفائض هذا العام الأكبر عالميا ويعادل فوائض كل من ألمانيا واليابان مجتمعتين .
وقد ارتفعت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي اتخذت شكل احتياطي قطع أجنبي متراكم، من أقل من 200 مليار دولار مطلع عام 2007 الى 1455 مليار دولار بنهاية الشهر العاشر منه . وتبلغ احتياطات الصين حاليا من القطع الأجنبي نصف تريليون دولار اي أكثر من احتياطات اليابان.
ونظرا للدور المتبادل الذي تلعبه كل من الصين والعالم في تغيير كل منهما الآخر، لا بد من تنتبه الصين الى صعوبات سوف تواجهها قريبا في عدد من المجالات، أولها عدم استقرار معدلات النمو الاقتصادي في القطاعات التي تعتمد على العمالة بشكل مكثف، وقد أشار تقرير وكالة الطاقة الدولية الى أنه في حال ارتفع متوسط استهلاك الفرد الصيني من الطاقة الى المستويات الامريكية والأوروبية فإن حجم الزيادة سيصل الى 60 مليون برميل يوميا اي ضعف حجم الإنتاج الحالي، وهذا يعني حاجة العالم الى 240 مليون برميل يوميا واستنفاد احتياطات العالم في 26 عاما .
وبالقياس نفسه اذا ما بلغت معدلات نفث الكربون الصيني والهندي نظيراتها الامريكية فإن معدلات ما ينفثه العالم من غازات ستتضاعف ثلاث مرات عما هي عليه اليوم .
وهذا يجعل تأثير هذه الظاهرة في مناخ العالم كارثياً .
أما الصعوبة الثانية فتتمثل في تأثير الصين في حركة التجارة العالمية، فإذا زاد حجم صادراتها وبالتالي حجم الفائض في ميزان حساباتها فإن الرد الطبيعي سيتمثل في عودة سياسات الحماية، ناهيك عما يمثله ثبات سعر صرف العملة الصينية مقابل الدولار من أضرار، وهذا يكون مؤكدا لأن السنوات العشر الماضية لم تشهد تغييرا يذكر في معدلات اسعار الصرف .
والصعوبة الثالثة تتعلق بمكانة الصين في الاقتصاد العالمي ككتلة هائلة، فالزيادة في الصادرات الصينية والفائض في ميزان الحسابات سوف يسفران عن صعوبات في توازن حركة العرض والطلب العالمية، ولا ينحصر الأمر في إلحاق الضرر بالأجانب بل يتعداه الى تضرر الصين في حال اختلال معدلات صرف العملات الأجنبية، وهي التي تملك احتياطيا هائلا منها . وخلاصة القول ان الصين تتبوأ مكانة مرموقة على المسرح الاقتصادي العالمي، لكن مسارها الراهن الذي يمتاز بالطلب الهائل على الموارد وحصتها المتزايدة من حركة التجارة العالمية والفائض المتزايد في ميزانها التجاري وتراكم احتياطياتها من القطع الأجنبي كلها عوامل لا بد أن تتغير مع الزمن، وعلى الصين أن تحدد الى أي حد ينبغي عليها التحكم بسرعة وبطبيعة تلك التغيرات، بل أن تتحكم التغيرات بها .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق