الثلاثاء، 19 فبراير 2008

الدّرس الذى لم نتعلّمه من الصين

صحيفة العرب أون لاين
أزراج عمر
إلى فترة قريبة كانت الصين جزءا من منظومة العالم الثالث المتخلّف.
وها هى جمهورية الصين تحولت إلى دولة كبرى اقتصاديا، وعسكريا، وثقافيا، وسياسيا فى حين بقيت بلداننا فى ذيل القائمة تنخرها أشكال التخلّف البنيوى بما فى ذلك الأمية كمظهر من مظاهر الانحطاط.
فلماذا نجحت الصين وفشلت بلداننا؟
إذا كانت جمهورية الصين قد عانت من الاستعمار، ومن الفقر، فذلك لم يكن قدرا أعمى لها، بل كان دافعا لتكسر أغلالها وتنهض كقوة يحسب لها الحساب على مستوى المسرح العالمي، ويذكر الكاتب إلياس فرح فى دراسته عن التجربة الصينية، أن القيادة الصينية تمكنت فى فترة 11 سنة من إعداد عشرة آلاف بين مهندس وفنى وعامل فني، وأحد عشر ألفا من الطلاب الجامعيين، وألف عالم، حيث تخرّج هؤلاء كلهم من جامعات الاتحاد السوفييتى فقط.
أما الأعداد التى تكونت فى عواصم أخرى من العالم، وفى داخل الصين فحدّث عنها ولا حرج.
وهذا يعنى أن التجربة الصينية قد بنيت على العلم والثقافة، وعلى تنظيم صفوف الشعب، ونشر فكرة المساواة، وطرد البيروقراطية، وممارسة النقد الذاتى المستمر.
إن الصين ألغت الرتب العسكرية، والرتب الإدارية حتى تنزع التراتبية عن المجتمع الصيني.
وأكثر من ذلك فقد عملت بالتربية السياسية إيمانا بأن "حالة البشر الفكرية تساوى فى أهميتها قيمة الطرق والمناهج المتبعة فى التطوير، بل تفوقها أيضا، لأن الإنسان، بعد كل شيء، هو الذى يطبق الطرق ويستخدم التقنية، ويقرر سير العمل"..
هكذا كانت القيادة الصينية تعمل لخلق وشائج الالتحام بين المثقفين وبين العمال والفلاّحين.
إنّ الصين قد حققت الكثير من وراء التربية السياسية، وبناء الوعي، وتحويله إلى فاعل فى الحياة اليومية وداخل الشعب.
ومن أبرز عناصر الذكاء فى التجربة الصينية عدم الانخراط فى نسخ النماذج التنموية، أو أساليب إدارة الحكم، والأيديولوجية.
فهى قد اختارت نهجا نابعا من خصوصيتها وثقافتها، وشخصيتها التاريخية والحضارية. وهكذا صارت هنالك التجربة الصينية، وطريق الصين نحو التنمية والتطور.
فحتى الخلاف الصيني- السوفييتى كان بالدرجة الأولى بسبب عدم قبول القيادة الصينية أن تكون نسخة من القيادة السوفييتية، وليس فقط بسبب مشكلة الحدود.
ها هى الصين قد حققت التطور من مجتمع فلاحى متخلّف إلى دولة نووية، واقتصاد خامس فى العالم، وإلى قوة كبرى لها حق الفيتو.
أما نحن، فلا نزال نرزح تحت أثقال الطائفية، والصراعات المذهبيّة والتناحر على السلطة، ونعيد إنتاج أزمات الفقر، والبطالة، والتخلف الثقافى والتقنى وهلم جرا.
والأدهى والأمرّ أن الصين قد نجحت فى التغلب على ميراث الاستعمار ما عدا مشكلة تايوان، أما بلداننا فقد بدأت تعيد إلينا الاستعمار من جديد.

ليست هناك تعليقات: