الخميس، 21 فبراير 2008

الصين ربما تكون الاقتصاد الذي يعاني الأرق

صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
كينيث روجوف
في ضوء الوضع الحساس جداً لاقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا، ماذا يمكن أن يحدث للنمو العالمي إذا بدأت القوة الصينية الهائلة تتوقف محدثة هياجاً؟ يبدو أن عدداً قليلاً من المستثمرين أو صانعي السياسة يفكرون جدياً في هذا السيناريو.
إن مرونة الصين اللافتة للنظر فيما يتعلق بالركود العالمي عام 2001 والأزمة المالية الآسيوية في الفترة 1997 – 1998، أقنعت الجميع بأن سنة أخرى من نمو من خانتين أمراً محتوماً. وفي الحقيقة إن احتمالات ركود كبير في النمو في الصين ـ على الأقل سنة تتصف بنمو دون 6 في المائة – خلال السنتين المقبلتين أمر محتمل بنسبة 50 في المائة. وفي ضوء التضخم الصيني المحبط والتراجع الملحوظ عن إصلاحات السوق والطلب المتراجع على الصادرات، فإن سنة 2008 يمكن أن تكون حافلة بالتحدي بشكل خاص.
صحيح أن الواقع جعل المتكهنين المتحمسين للصين معتدلين باستمرار. فلماذا ينبغي أن تكون سنة 2008 مختلفة في ضوء نمو بنسبة 11.4 في المائة في 2007، وفي ضوء الألعاب الأولمبية التي تجري هذا الصيف؟ ومع كل التقدير اللازم للأداء الاستثنائي الأخير للمديرين في الصين، تواجه البلاد ألغاماً اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية مثل أية سوق ناشئة أخري، بمشكلات بيئية ضخمة يجب التصدي لها. وطوال التاريخ لم تنج أي سوق ناشئة من نوبات الأزمات إلى مالا نهاية.
إن تضخماً يبلغ أكثر من 6 في المائة يمثل المشكلة الفورية. فالذين يعتقدون أن التضخم ناجم عن لحم خنزير ضئيل جداً وليس عن أموال كثيرة جداً مخطئون. فنظام الصرف المرتبط نسبيا (بالدولار) في الصين أدى بالسلطات إلى إغراق الاقتصاد بالرنمينبي. ويشكل نمو عرض الأموال واسع الانتشار الوجه الآخر من تكديس احتياطيات العملة الأجنبية في البلاد، البالغة 1400 مليار دولار. والمفاجأة الفعلية أن التضخم لم يظهر في وقت أبكر.
يجب على السلطات أن تعيد عفريت التضخم إلى الزجاجة. ولن يكون ذلك سهلاً في اقتصاد تعتبر فيه الأسواق المالية الخاضعة لمراقبة شديدة، الأدوات العادية للتحكم النقدي أمراً غير فعال نسبياً.
لقد تجنبت الصين هذه المشكلة حتى الآن، مع انتقال ملايين العمال الزراعيين الكسالى إلى المدن، ما أبقى الأجور مقيدة. لكن لأن كثيراً من أقدر العمال هاجروا داخلياً بالفعل، فإن التحدي الخاص بإيجاد عمالة للمصانع الناشئة في الصين يزداد حدة.
والحمائية هي مجازفة أخرى متنامية. فمع ارتفاع التباين في الدخل والثروة في كل أنحاء العالم المتقدم، فربما يبدأ السياسيون بتوجيه السياط إلى الصين من خلال عقوبات تجارية تتعلق بقطع السيارات والحديد والمنتجات الورقية، وبالطبع المنسوجات. ونمو صادرات الصين الضخم جعلها عرضة لهبوط في الصادرات أكثر مما كانت خلال الركود العالمي لعام 2001.
لكن ربما يجيء أكثر تهديد لتوسع الصين من الضغوط التي أوجدتها مستويات التباين المتفجرة فيها. فوفقاً لإحصائيات البنك الدولي، التباين في الدخل في الصين فاق التباين في الولايات المتحدة وروسيا، وهو تباين ليس بسيطاً. ويحدِث التباين المتزايد ضغطاً هائلاً على النظام السياسي، كما يتضح من سلسلة أخيرة من السياسات غير الحكيمة رمت إلى التخفيف من المشكلة. وتشكل المحاولة الأخيرة من الحكومة لمكافحة تضخم أسعار المواد الغذائية باستخدام ضوابط للأسعار، مثالاً بارزاً جداً.
ومثل ذلك أيضاً قانون العمل الجديد المريب الذي يمنع، على الورق على الأقل، الشركات من طرد العمال الذين لهم خبرة عشر سنوات أو أكثر. ويبدو ذلك كما لو أن الصين تأمل تحويل نفسها إلى فرنسا. وفي الحقيقة، أكبر خطر يواجه اقتصاد الصين هو أن قيادتها، بعد سنوات من الإصلاح الذي توجهه السوق، تبدو وكأنها تفقد الثقة بالأسواق وتتبنى سياسات مثل التقنين الذي يعيد الساعة إلى الأيام الشيوعية القديمة. وبوجود تضخم متزايد واستثمار ضخم واقتصاد عالمي ضعيف، فإن الوقت الحاضر لا يكاد يكون مناسباً لقيام الصين بجعل نظامها أكثر تشدداً. فالأسواق الناشئة، تاريخياً، تتحرك إلى الوراء في الوقت نفسه الذي تظهر فيه أزمة اقتصادية أو مالية. وبدلاً من محاولة التصدي للتباين بأمر يتعلق بسوق العمل، فإن الحكومة يمكن أن تحسن صنعاً إذا قامت بتحسين شبكة الأمان الاجتماعي من خلال توفير رعاية صحية وراتب تقاعدي أكبر وأفضل.
وبدلاً من التصدي للتضخم من خلال وضع سقوف للأسعار، على الصين أن تعجل في تقييم معدل الصرف، وبالتالي تكبح نمو الأموال. وإذا أرادت أن تتباطأ بشكل كبير، في الوقت الذي ما زال فيه النمو في أوروبا والولايات المتحدة ضعيفاً، فإن نسب الفائدة العالمية الأخيرة المتدنية وأسعار السلع العالية والنمو العالمي القوي ستكون تاريخاً. ويجب على صانعي السياسة العالمية والمستثمرين الذين أصيبوا بالأرق من النمو الأمريكي أن يولوا انتباهاً أكبر للمخاطر المتزايدة التي تجيء من الطرف الآخر من العالم.

ليست هناك تعليقات: