السبت، 9 فبراير 2008

«ديناصور» الفن الصيني المعاصر يجتاح الأسواق

صحيفة الحياة
باريس ـ أسعد عرابي
تثبت عروض بداية موسم العام الراهن سيطرة الفن الصيني المعاصر، فهو الذي خلف ظاهرته الاكتساحية العام الفائت (2007)؛ وذلك على مستوى اجتياح صالات العرض وإغراق السوق الفني ونيله حصة الأسد في المزادات التي تتم بإشراف الشركات العالمية في نيويورك ولندن وسواهما. أجمع مراقبون فنيون على أن عام 2007 الفني كان عام الصين. تترسخ هذه الظاهرة في عروض الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. أبرز ثلاثة منها في باريس: صالات باساج ريتز خلال كانون الثاني (يناير) وغاليري فريش التي تعرض ليوجيا نهوا خلال شهري كانون الثاني وشباط (فبراير) ومعرض «الثورة الثقافية تستمر في الفن الصيني المعاصر» والمزاد العلني الذي ستقيمه غاليري لافرانس، ومعرض فيينا الراهن في موموك موزو ميلاتس حتى نهاية شباط بعنوان: «صنع في الصين» وآخر في المدينة نفسها: «وجوه من الواقعية الصينية»، ومعرض متحف الفن المعاصر في كونست (ألمانيا) وكذلك الأمر في سان فرانسيسكو.
ديناصور الفن المعاصر الصيني رمز الاجتياح الاقتصادي والاستهلاكي لـ «التنين الصيني» وإغراقه لأسواق أوروبا والولايات المتحدة منذ عبوره الى «اقتصاد السوق» بالسلع والصناعات الاستهلاكية البخسة الثمن. هجمة الألبسة النسائية المصنوعة في الصين سببت إفلاس شركات ألبسة فرنسية في العام الفائت. واكتشف الفرنسيون في أعياد نهاية عام 2007 أن 75 في المئة من الألعاب الخاصة بالأطفال مصنوعة في الصين وتباع في السوق الفرنسية. تمّ هذا الاجتياح من دون ضجيج وضمن صمت الظل مثل السرطان المغولي. لعل أطرف ما وسم به بأن العولمة الجديدة تعبق برائحة توابل الشرق (الصين والهند) كرائحة الفطيرة الأسطوانية التي أشاعتها المطاعم الصينية المسيطرة على أحياء المدن الغربية. في معرض «صُنع في الصين» (فيينا) يعرض ليو جيانهوا إنشاءات تمثل أكداساً مما تصدّر الصين من ألعاب وساعات حائط ومجوهرات وأجهزة الكترونية، وأدوات صحية خفيفة. وليس أدل على هذا التحول من تقاليد الصناعة الصينية الأصيلة (مثل الورق) من لجوء كبار فناني السيراميك في بكين وشنغهاي وهونغ كونغ الى طزاجة ألوان البلاستيك. تحضن هذه المدن اليوم مراكز البحوث التقنية من أجل انتاج تحف الفن المعاصر، ونعثر فيها على صالات عروض عالمية (بأسماء أوروبية) ذات استثمار عولمي تمثل الوسيط بين محترفات الإنتاج في الداخل والسيطرة على التسويق والمزادات في الخارج.
تتفوّق هذه المحترفات في أدائها للتقنية المختلطة والملصقات (لما بعد الحداثية) والأعمال الرقمية وسواها. تستعير الأعمال النتائج الجاهزة لاستفزازات ما بعد الـ «بوب آرت» الأنغلو- ساكسوني (الأميركي – الإنكليزي). تصل درجة الاستفزاز أن بعض منحوتات مجموعة «السيدة ماو» مُنع عرضه في الصين (على رغم أنها منتجة محلياً) بسبب سخريتها السياسية اللاذعة. فاستراتيجية الربح الاستهلاكي في الاقتصاد الحر لا يختلط حريته بالممنوعات «الأيديولوجية». وعلى رغم طابع الابتذال الإبداعي هذا فإن النقاد يجمعون من جديد على أن الفن المعاصر الصيني يملك القدرة الهائلة على الإدهاش. يتحدثون عن قوة إثارة الموضوعات وطريقة الأداء التقني في الوقت نفسه.
اجتاحت مثلاً لوحة يو مينجون «الأحرار العشرة» (منجزة عام 2004 بالألوان الزيتية على القماش بقياس 320×300 سم) مواقع الإنترنت وأغلفة المجلات المختصة بشخوصها من الصينيين الذين ينفجرون بالضحك وهم نصف عراة، يصل التماثل في هيئة الأشخاص درجة الاستفزاز وموضوعها ظاهرة جمعية لا فردية. كما يشرح الفنان مؤكداً نظرية كتاب «الضحك» للفيلسوف هنري برغسون. تكشف اللوحة بصيغة ملتبسة ضمنية شخصيات الأغنياء والموسرين الجدد في الصين الذين يجذبهم الإغراء الاقتصادي التغريبي فيبتعدون عن عراقة الثقافة الصينية.
تتفوّق معروضات غاليري ألبير بينهامو الباريسية من ناحية الاستفزاز على اللوحة المذكورة. تعرض بعضاً من منحوتات مجموعة «مدام ماو» البلاستيكية الملونة التي مر ذكرها أو من الزجاج الملون، كما تعرض تمثالاً عملاقاً أبيض معلقاً في الفراغ يمثل حيواناً ضخماً (رمز الغنى والثروة في الميثولوجية الصينية) عُلق بشدقيه. وفي معرض فيينا تمثال من الزجاج الملون لفتاتين تشيران الى السيارات (الأوتوستوب) على قارعة الطريق. إذا عدنا الى التهاب أسعار «ديناصور» الفن المعاصر الصيني في المزادات العالمية، وجدنا ظاهرتها تبدأ بأعمال الصينيين المقيمين في أوروبا مثل الباريسي زاووكي، لكن الأسعار وصلت ذروتها في نهاية العام الفائت وبداية العام الجديد التي تخص نجوم الشباب (لا تتجاوز أعمارهم الأربعين) قبل يومنجون الذي مر ذكره، وكذلك معاصره فانغ لوجون (44 عاماً) إذ حصد عمل من أعماله في مزاد في نيويورك ثلاثة ملايين يورو، ومثله حصد اكسادونغ مليوني يورو، مع العلم أن زاووكي (الباريسي) نفسه لم تتجاوز لوحته عتبة الـ300 ألف يورو.

ليست هناك تعليقات: