شبكة البصرة
د. إبراهيم علوش
لمن يقطر قلبه حزناً على اضطهاد أهل التبت المزعوم من قبل الحكومة الصينية، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية حول ضرورة دعم الصين في مواجهة مشاريع تفكيكها من قبل الإمبريالية الأمريكية، دعونا نلقي نظرة على حال التبت عندما دخلها الشيوعيين عام 1951، لنحدد من الذي كان يضطهد سكان التبت. والتبت كانت جزءاً من الصين على مدى مئات الأعوام كما نعلم، ولم تنفصل عنها إلا بين عامي 1949 و1951 في الفترة التي كان الجيش الأحمر يستكمل فيها سيطرته على الأراضي الصينية.
ويقول الكاتب اليساري الأمريكي المعروف مايكل بارنته في مقالته "الإقطاعية الصديقة: أسطورة التبت" في وصف حالة التبت قبل الحكم الشيوعي: "كان معبد دريبنغ Drepung واحداً من أكبر ملاك الأراضي في العالم، وكانت تلك الأراضي مقسمة إلى 185 إقطاعية، وفيها خمسِ وعشرين ألف قن (فلاح مقيد بالأرض)، وثلاثمئة مرعى كبير، وستة عشر ألف راعي. وكانت ثروة المعابد بيد أعداد صغيرة جداً من الكهنة ذوي المراتب العليا، الذين يسمى كلٌ منهم "لاما". وكان معظم الكهنة العاديين يعيشون عيشة كفاف بدون أي حق بالتمتع بتلك الثروة الكبيرة، أما الزعيم الروحي للاما، الديلي لاما، فقد عاش ببذخ في قصر بوتولا المؤلف من ألف غرفة وأربعة عشر طابقاً".
وكان معبد دريبنغ، بالمناسبة، هو المؤسسة التي تدفق منها الرهبان البوذيون المثيرون للشغب على شوارع لاسا عاصمة إقليم الحكم الذاتي في التبت في آذار/مارس 2008. وكان التخلص من العبودية، والقنانة، والتخلص على النقيض الأخر من كماليات كبار الرهبان (اللاما)، هو ما يسميه الديلي لاما اليوم "عملية إبادة ثقافية" لطريقتهم التقليدية في الحياة.
ومن المعروف أن الديلي لاما كان يتلقى راتباً سنوياً مقداره 186 ألف دولار من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بين بداية الخمسينات ونهاية السبعينات، حسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية المفرج عنها عام 1998، كما أشارت النيويورك تايمز في 1/10/98، وكما قالت اللوس أنجلوس تايمز في 15/9/98. وتضيف نفس المصادر أن 1، 7 مليون دولار كانت تقدم للحركة الانفصالية في التبت سنوياً للقيام بأعمال عنف مسلح ضد الصين الشعبية خلال نفس الفترة، ويفترض أن دعم الولايات المتحدة الرسمي للحركة الانفصالية انتهى مع قيام العلاقات الديبلوماسية مع الصين عام 1979، ولكنه استمر بعدها من خلال مجموعة من مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية حسب تقرير لوكالة أنباء نوفوستي الروسية، باللغة الروسية، في 17/3/2008 يحمل عنوان "القلاقل في التبت تتبع سيناريو كوسوفو".
ويذكر ذلك التقرير الروسي من بين تلك المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث: "الحملة الدولية من أجل التبت"، و"الصندوق الاجتماعي وتنمية الموارد"، و"شبكة التبت للمعلومات"، و"معهد التبت"، وغيرها...
ومع أن الكاتب مايكل بارنته يقول في مقالته المذكورة أعلاه أن العديد من المعابد البوذية في التبت تم إغلاقها، فإن الحكومة الصينية تقوم بتمويلها وترميمها، وهو الأمر الذي يقلق الديلي لاما بالتأكيد إذا شعر أن الرهبان البوذيين لن يدينوا بالولاء له إن أصبح دخلهم معتمداً على الحكومة الصينية ومشروع التنمية الاقتصادية في الصين.
وتقوم الحكومة الصينية بالكثير من المشاريع الاستثمارية في الصين، كان منها سكة حديد تصل لاسا عاصمة الإقليم ببقية الصين، وهو ما يشكل إنجازاً هندسياً عظيماً بحد ذاته.
ومن الواضح أن ما يعترض عليه الديلي لاما ليس اضطهاد سكان التبت، بل العكس تماماً: إنه يعترض على تنميتها، وعلى إلغاء العبودية وإخراج الجماهير الأمية والفقيرة والمعزولة عن العالم من الحالة الرثة التي كانت تقبع فيها، مما يمنعه من استغلالها بعد أن كرس نفسه إلها عليها. ويشير تقرير للسفارة الصينية في الولايات المتحدة بتاريخ 17/3/2008 إلى حقيقة تحرير الملايين في التبت من العبودية والتخلف.
وتقول الكاتبة اليسارية الأمريكية سارة في وصف الحياة في التبت قبل الثورة الماوية فلوندرز في مقالة كانت قد نشرتها عام 1999 بعنوان "ماذا تريد أن تفعل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالديلي لاما؟" أن التبت قبل الحكم الشيوعي كانت متخلفة تماماً وبلا شبكة طرق أو مستشفى واحد، ولم يكن فيها مدارس ما خلا المعابد البوذية التي بلغ عدد طلابها 600 طالب، من الصبيان فقط، وأن اقتصادها الزراعي كان يقوم على العبودية والقنانة، حيث تسعون بالمئة من السكان مرتبطون بالأرض دون أن يملكوها، وكان أولاد الأقنان يسجلون في دفاتر الإقطاعيين. أما عام 1999 فبات في التبت حوالي مئة مستشفى، ومئات العيادات، وأكثر من ألفي مدرسة ابتدائية، وعدد من المعاهد التقنية، تدرس باللغة التبتية.
وتضيف فلاوندرز أن العبودية لم تلغَ في التبت إلا عام 1959، وأن الحكومة الصينية بدأت بدفع الرواتب لأبناء التبت العاملين على إنشاء شبكة الطرق، مما حررهم من ضرورة العمل عند الإقطاعيين، فهز أركان النظام الإقطاعي، كما بدأت تدفع الرواتب لأطفال الأقنان والعبيد السابقين ليحضروا المدارس، بدلاً من أن يضطروا للعمل، وبدأت تزودهم بالطعام والكتب. وكان هذا هو بالضبط السبب الذي جعل الديلي لاما والمئة عائلة إقطاعية التي تدير التبت تتعاون مع الإمبريالية الأمريكية للبدء بحركة تمرد عسكري.
وبدءاً من عام 1955، عملت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على إنشاء جيش للثورة المضادة في التبت، وتم تأسيس القواعد العسكرية خارج الصين لتدريب ذلك الجيش في الولايات المتحدة وفي جزيرة أوكيناوا وغوام، وقام سلاح الجو الأمريكي خلال الخمسينات بأكثر من 700 رحلة فوق التبت لإلقاء الأسلحة والعتاد للمتمردين.
وبدون هذه الخلفية لا نستطيع أن نفهم ما يجري في التبت اليوم...
د. إبراهيم علوش
لمن يقطر قلبه حزناً على اضطهاد أهل التبت المزعوم من قبل الحكومة الصينية، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية حول ضرورة دعم الصين في مواجهة مشاريع تفكيكها من قبل الإمبريالية الأمريكية، دعونا نلقي نظرة على حال التبت عندما دخلها الشيوعيين عام 1951، لنحدد من الذي كان يضطهد سكان التبت. والتبت كانت جزءاً من الصين على مدى مئات الأعوام كما نعلم، ولم تنفصل عنها إلا بين عامي 1949 و1951 في الفترة التي كان الجيش الأحمر يستكمل فيها سيطرته على الأراضي الصينية.
ويقول الكاتب اليساري الأمريكي المعروف مايكل بارنته في مقالته "الإقطاعية الصديقة: أسطورة التبت" في وصف حالة التبت قبل الحكم الشيوعي: "كان معبد دريبنغ Drepung واحداً من أكبر ملاك الأراضي في العالم، وكانت تلك الأراضي مقسمة إلى 185 إقطاعية، وفيها خمسِ وعشرين ألف قن (فلاح مقيد بالأرض)، وثلاثمئة مرعى كبير، وستة عشر ألف راعي. وكانت ثروة المعابد بيد أعداد صغيرة جداً من الكهنة ذوي المراتب العليا، الذين يسمى كلٌ منهم "لاما". وكان معظم الكهنة العاديين يعيشون عيشة كفاف بدون أي حق بالتمتع بتلك الثروة الكبيرة، أما الزعيم الروحي للاما، الديلي لاما، فقد عاش ببذخ في قصر بوتولا المؤلف من ألف غرفة وأربعة عشر طابقاً".
وكان معبد دريبنغ، بالمناسبة، هو المؤسسة التي تدفق منها الرهبان البوذيون المثيرون للشغب على شوارع لاسا عاصمة إقليم الحكم الذاتي في التبت في آذار/مارس 2008. وكان التخلص من العبودية، والقنانة، والتخلص على النقيض الأخر من كماليات كبار الرهبان (اللاما)، هو ما يسميه الديلي لاما اليوم "عملية إبادة ثقافية" لطريقتهم التقليدية في الحياة.
ومن المعروف أن الديلي لاما كان يتلقى راتباً سنوياً مقداره 186 ألف دولار من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بين بداية الخمسينات ونهاية السبعينات، حسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية المفرج عنها عام 1998، كما أشارت النيويورك تايمز في 1/10/98، وكما قالت اللوس أنجلوس تايمز في 15/9/98. وتضيف نفس المصادر أن 1، 7 مليون دولار كانت تقدم للحركة الانفصالية في التبت سنوياً للقيام بأعمال عنف مسلح ضد الصين الشعبية خلال نفس الفترة، ويفترض أن دعم الولايات المتحدة الرسمي للحركة الانفصالية انتهى مع قيام العلاقات الديبلوماسية مع الصين عام 1979، ولكنه استمر بعدها من خلال مجموعة من مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية حسب تقرير لوكالة أنباء نوفوستي الروسية، باللغة الروسية، في 17/3/2008 يحمل عنوان "القلاقل في التبت تتبع سيناريو كوسوفو".
ويذكر ذلك التقرير الروسي من بين تلك المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث: "الحملة الدولية من أجل التبت"، و"الصندوق الاجتماعي وتنمية الموارد"، و"شبكة التبت للمعلومات"، و"معهد التبت"، وغيرها...
ومع أن الكاتب مايكل بارنته يقول في مقالته المذكورة أعلاه أن العديد من المعابد البوذية في التبت تم إغلاقها، فإن الحكومة الصينية تقوم بتمويلها وترميمها، وهو الأمر الذي يقلق الديلي لاما بالتأكيد إذا شعر أن الرهبان البوذيين لن يدينوا بالولاء له إن أصبح دخلهم معتمداً على الحكومة الصينية ومشروع التنمية الاقتصادية في الصين.
وتقوم الحكومة الصينية بالكثير من المشاريع الاستثمارية في الصين، كان منها سكة حديد تصل لاسا عاصمة الإقليم ببقية الصين، وهو ما يشكل إنجازاً هندسياً عظيماً بحد ذاته.
ومن الواضح أن ما يعترض عليه الديلي لاما ليس اضطهاد سكان التبت، بل العكس تماماً: إنه يعترض على تنميتها، وعلى إلغاء العبودية وإخراج الجماهير الأمية والفقيرة والمعزولة عن العالم من الحالة الرثة التي كانت تقبع فيها، مما يمنعه من استغلالها بعد أن كرس نفسه إلها عليها. ويشير تقرير للسفارة الصينية في الولايات المتحدة بتاريخ 17/3/2008 إلى حقيقة تحرير الملايين في التبت من العبودية والتخلف.
وتقول الكاتبة اليسارية الأمريكية سارة في وصف الحياة في التبت قبل الثورة الماوية فلوندرز في مقالة كانت قد نشرتها عام 1999 بعنوان "ماذا تريد أن تفعل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالديلي لاما؟" أن التبت قبل الحكم الشيوعي كانت متخلفة تماماً وبلا شبكة طرق أو مستشفى واحد، ولم يكن فيها مدارس ما خلا المعابد البوذية التي بلغ عدد طلابها 600 طالب، من الصبيان فقط، وأن اقتصادها الزراعي كان يقوم على العبودية والقنانة، حيث تسعون بالمئة من السكان مرتبطون بالأرض دون أن يملكوها، وكان أولاد الأقنان يسجلون في دفاتر الإقطاعيين. أما عام 1999 فبات في التبت حوالي مئة مستشفى، ومئات العيادات، وأكثر من ألفي مدرسة ابتدائية، وعدد من المعاهد التقنية، تدرس باللغة التبتية.
وتضيف فلاوندرز أن العبودية لم تلغَ في التبت إلا عام 1959، وأن الحكومة الصينية بدأت بدفع الرواتب لأبناء التبت العاملين على إنشاء شبكة الطرق، مما حررهم من ضرورة العمل عند الإقطاعيين، فهز أركان النظام الإقطاعي، كما بدأت تدفع الرواتب لأطفال الأقنان والعبيد السابقين ليحضروا المدارس، بدلاً من أن يضطروا للعمل، وبدأت تزودهم بالطعام والكتب. وكان هذا هو بالضبط السبب الذي جعل الديلي لاما والمئة عائلة إقطاعية التي تدير التبت تتعاون مع الإمبريالية الأمريكية للبدء بحركة تمرد عسكري.
وبدءاً من عام 1955، عملت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على إنشاء جيش للثورة المضادة في التبت، وتم تأسيس القواعد العسكرية خارج الصين لتدريب ذلك الجيش في الولايات المتحدة وفي جزيرة أوكيناوا وغوام، وقام سلاح الجو الأمريكي خلال الخمسينات بأكثر من 700 رحلة فوق التبت لإلقاء الأسلحة والعتاد للمتمردين.
وبدون هذه الخلفية لا نستطيع أن نفهم ما يجري في التبت اليوم...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق