الأربعاء، 26 مارس 2008

السودان يرحب بك بالصينية أيضاً

صحيفة الخليج الإماراتية
الخرطوم - معن البياري:
أن تكون بالإنجليزية مفردة الترحيب في فندق في أي عاصمة عربية فذلك لا يبعث على أي تعجب، غير أن المفردة الشهيرة “welcome” في الفندق الذي تدخل إليه ضيفا في الخرطوم تتلوها كلماتٌ بالصينية، فتُسارع بالسؤال عن معناها، فيجيبك موظف الاستقبال الذي لا يعرف شيئا بالصينية أنها تعني أيضا “مرحبا”، وتشكره. ثم تشكر نادلة أريترية في صالة الطعام عندما تجيبك عن سؤالك عما إذا كانت الحروف المكتوبة تحت أرقام الطاولات بالإنجليزية أرقاما بالصينية فتخبرك بصحة ما خمّنت.
لا تحتاج لتسأل أحداً عن سبب حضور اللغة الصينية بجوار الإنجليزية، في الفندق غير المهيب قرب السوق العربي في وسط الخرطوم، فأنت تعلم أن الحضور الاقتصادي للصين في السودان كبير، وأن الخبراء والعمال والمهندسين والفنيين من شركات هذا البلد يتقاطرون على هذا البلد، بعد اتفاقات عديدة، تُعنى بعضها بالتنقيب عن النفط، وأخرى تتعلق باستثمارات ومبادلات تجارية وأنشطة تنموية وغير ذلك من أوجه الإعمار والتنمية. لا تحتاج لسؤال عن سبب ذلك كله، فالإجابة تتصل حكما بعزوف دول غربية، وأهمها الولايات المتحدة، عن إقامة علاقات طبيعية مع الحكم في السودان، تعكس نفسها في صلات تجارية واستثمارية واقتصادية، وذلك بذرائع الصدود عن هذا الحكم الذي كيلت له الاتهامات إياها، عن دعم الإرهاب والتطرف، ولاحقا عن شنه حربا، تسميها واشنطن حرب إبادة، ضد مواطنيه في إقليم دارفور.
تأتي إليك هذه الخواطر عن الصين في السودان، وكذلك عن الولايات المتحدة التي قال الرئيس عمر البشير قبل أيام إنه لا مصلحة لبلاده في معاداتها، وتمازح نفسك قائلا إنك إذا طابت لك الإقامة في السودان، فإن العربية وبعض الإنجليزية لديك لا يكفيان لتسيير شؤونك، لا بدّ من الصينية أو بعضها على الأقل، وقد شاهدت بنفسك عشرات الصينيين على الطائرة نفسها التي نقلتك من دبي، غير أنك تدفع عن نفسك تلك الحاجة عندما لم تُصادف صينيين في شوارع وأسواق الخرطوم في نهار كامل تقضيه في التجول فيها، ولا تقع عيناك على أحد منهم في مقهى واسع على نهر النيل قدام جزيرة توتي، وهو نهار يوم عطلة رسمية بمناسبة عيد المولد النبوي الذي أدهشك كثيرا احتفال جموع حاشدة من السودانيين فيه، في ساحة واسعة في أمدرمان ليلة وصولك، يتوزع فيها مريدون من طرق صوفية غير قليلة، لكلّ جماعة وأصحاب طريقة منهم حصته في الساحة، ينشدون المدائح وأشعار التحبب برسول الله صلى الله عليه وسلم، تبتهج وتفرح وأنت مشدود إلى المكان وإلى المناسبة الطيّبة، خصوصا وأن منشدين ودراويش يستقبلونك بترحاب وبشاشة، ويضيّفونك بشراب الكركديه البارد المنعش. تجول عيناك في المكان الذي تخاف الضياع فيه عمن معك لكثرة البشر، شيوخا وشبانا وأطفالا ونساء وعواجيز وصبايا، لا تعثر على أحد من الصين، وتقع على أجانب شقر وبيض قليلين يجولون بدافع الفضول فقط، وبقليل من الاكتراث.
يخبرك زملاء في الأثناء أن لا فضول لدى الصينيين للاختلاط بالسودانيين، ولا بالتعرف جيّدا الى هذا الشعب وعاداته وطباعه، ولا احتفالاته البديعة بعيد المولد النبوي، وكأنه لا وقت لديهم لغير العمل، ولا لأي تعامل “استشراقي” من النوع إياه الذي يكاد يهيمن على أفكار خبراء غربيين كثيرين ينسبون إلى أنفسهم معرفة واختصاصا بنا، نحن جميع العرب، ومنا السودانيون طبعا. وبمطالعة صحف الخرطوم على تنوع مشاغلها، لا تقع على حضور خاص لقضايا الصين وأحوالها، ولا تعثر على مساحات غير عادية تحظى بها (مثلا) قضية التبت التي اشتعلت أخيرا. تقع فيها على كثير مما تقارفه الولايات المتحدة في غير مكان، مثل العراق الذي اهتمت صحف السودان باكتمال خمسة أعوام على بدء احتلاله الراهن. لا تُبْرِز سوى جريدة واحدة قول مبعوث الاتحاد الإفريقي إلى دارفور سالم أحمد سالم ان الصين تلعب دورا إيجابيا في تسوية قضية الإقليم السوداني، وإنها دولة مهمة، ليس بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي فقط، بل لأنها أقامت علاقات جيّدة مع دول إفريقية كثيرة أيضا، ومنها السودان. يقول سالم ذلك في جنيف، ويؤشر على هامش اجتماعات دولية خاصة بإقليم دارفور إلى أن المهندسين الصينيين العاملين في السودان أسهموا في بناء مشروع إمداد مياه في دارفور، وأن هذا يلعب دورا مهما في معيشة السكان المحليين.
للصين عمل نافع إذاً في السودان، ولغيرها ممن يناوئ نشاطها الإنمائي هناك أعمال غير نافعة، عنوانها كما يحدثك سودانيون يستضيفونك في منزل مترف في الخرطوم على غداء شهي التآمر على بلدهم، وافتعال صراع أهلي وقبلي في دارفور، وها هم يخاصمون الصين ويهددون بالتأثير السلبي على دورة الألعاب الأولمبية التي تقام فيها في الصيف المقبل، ما قد يكون سببا، أو لا يكون، في وصف مبعوث الصين إلى السودان ليو جويجين ما يجري في دارفور بأنه “كارثة إنسانية أسفرت عن مقتل عشرات الألوف”. تسأل مضيفيك الرسميين والحكوميين السودانيين عن صدق هذا الوصف، فيؤثرون الإسهاب في شرح الخريطة القبلية المعقدة والارتباطات المتصلة بها في الإقليم. ليس ثمّة في الفندق الذي تقيم فيه صينيون لتسألهم عما إذا كانوا قد زاروا دارفور وما الذي شاهدوه هناك، لا أحد منهم في الفندق على الرغم من أن “مرحبا” مكتوبة لهم بالصينية، ومكتوبة لغيرهم بالانجليزية، وليست مكتوبة بالعربية أبدا.

ليست هناك تعليقات: