الأربعاء، 23 أبريل 2008

المنغول و"ماو" والديلاي لاما

صحيفة إنترناشيونال هيرالد تربيون
إليوت سبيرلينغ
تعتبر مسألة الاستقلال التاريخي بالنسبة للعديد من التبتيين مسألة لا تقبل النقض. وهم يؤكدون أن التيبت دأبت على أن تكون مستقلة، وأنها ينبغي أن تكون الآن كذلك بموجب الاستحقاقات.
وفي الغضون، تقف تأكيدات الصين غير قابلة للنقض هي الأخرى وبنفس المقدار، إذ أصبحت التيبت جزءا من الصين خلال الحكم المنغولي، ولم يتغير وضعها كجزء من الصين أبداً منذ ذلك الحين، لكن كلا التأكيدين يختلفان كلية مع تاريخ التيبت الخاص.
تعتقد وجهة النظر التبتية بأن التبت لم تخضع أبداً لحكم أجنبي بعد أن نجمت في أواسط القرن السابع كقوة ديناميكية تسيطر على مساحة كبيرة من إمبراطورية آسيا الداخلية. ويقول هؤلاء التبتيون أن مظهر الخضوع للحكام المنغوليين من "سلالة يوان" في القرنين الثالث والرابع عشر، ولحكام المانشو من سلالة كينغ الصينية من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، يعود في جزء ضخم منه إلى سوء فهم غربي حديث للعلاقات الشخصية التي سادت بين أباطرة يوان وكينغ وديلاي لامات التبت البارزين. وطبقا لوجهة نظهرهم هذه، فقد كان خدم الديلاي لامات ببساطة كمرشدين روحيين للأباطرة، ولكن دون تقديم تنازلات إزاء وضع التيبت المستقل.
من وجهة نظر الصين، فإن حالات سوء الفهم الغربية تتعلق بطبيعة الصين نفسها: إذ لا يدرك المنتقدون الغربيون أن للصين تاريخا عتيداً دام لآلاف السنوات كدولة موحدة متعددة القوميات؛ وأن كل قومياتها صينية. والمنغول، الذين دخلوا الصين غزاة يعتبرون صينيين، كما أن إخضاعهم للتيبت يعتبر إخضاعا صينياً.
أما الحقائق، فهي كالتالي: إن الزعم بأن التبت قد تمتعت فقط بعلاقات شخصية مع الصين على مستوى القيادة يمكن دحضه بسهولة. حيث تبين السجلات الإدارية وتواريخ السلالات الهياكل الحاكمة لنظام الحكم لدى المنغول والمانشو. وتوضح هذه السجلات أن إقليم التبت كان خاضعاً للأحكام والقوانين والقرارات التي كان يتخذها الحكام من سلالتي اليوان والكينغ. ولم تكن التبت مستقلة خلال هاتين الحقبتين. ويصف أحد وزراء المجلس الوزاري في التبت استدعاءه إلى بكين في نهاية القرن الثامن عشر في مذكراته، وبصورة لا يخالطها الغموض، بأنه من رعايا إمبراطور المانشو.
ولكن، وعلى الرغم من أن التبت خضعت بالفعل لإمبراطوريتي المنغول والمانشو، فإن أيا منهما لم تلحق التبت بالصين. ويظهر نفس السجل الوثائقي الذي يكشف عن الخضوع التبتي للمنغوليين والمانشوسيين، يظهر أيضاً أنه لم يتسن لسلالة مينغ الصينية (التي حكمت من عام 1368 إلى عام 1644) أن تبسط سيطرتها على التبت. ولعل هذا يشكل أمراً إشكالياً، في ظل إصرار الصين على القول بأن السيادة الصينية مورست على التبت بخط لم ينقطع اعتبارا من القرن الثالث عشر وصاعداً.
تعتبر فكرة أن التبت أصبحت جزءاً من الصين في القرن الثالث عشر توليفة حديثة جداً. ففي الجزء الأبكر من القرن العشرين، أرخ الكتاب الصينيون عموماً تاريخ ضم التبت بالقرن الثامن عشر. وقد وصفوا وضع التبت في ظل حكم الكينغ بمصطلح يسمى "اعتمادية إقطاعية"، وليس جزءاً لا يتجزأ من بلد. ويعود ذلك إلى أن التبت كانت قد حكمت على هذا النحو في ظل إمبراطوريتي المنغوليين والمانشوسيين. وعندما انهارت سلالة الكينغ في عام 1911، أصبحت التبت مستقلة مرة أخرى.
ومنذ عام 1912 وحتى تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، لم تمارس أي حكومة صينية السيطرة على ما يعرف اليوم إقليم الحكم الذاتي التبتي الصيني. وقد حكمت حكومة الديلاي لاما الأراضي وحدها حتى عام 1951.
تبنت الصين الماركسية المعنى اللغوي الذي يؤكد بأنها بلد وحدوي متعدد القوميات، وليس تجمع إمبراطوريات. وثمة الآن إصرار ثابت على أن كلمة "هان" Han، والتي تشكل في الحقيقة واحدة من عدة مترادفات لكلمة "صيني"، إنما تشير إلى واحدة فقط من القوميات الصينية. وقد كان هذا قراراً واعياً من طرف الذين صاغوا الهوية الصينية في القرن العشرين. (ويقف ذلك بشكل مفارق للقرار الروسي الذي قضى باستخدام مصطلح سياسي هو: "السوفيات" لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية).
ثمة شيء ناقص في طروحات كلا الجانبين، لكن حجة الجانب الصيني تبدو هي الأضعف، إذ لم تكن التبت "صينية" إلى أن دخلتها جيوش ماو تسي تونغ، وجعلت منها كذلك.

ليست هناك تعليقات: