صحيفة نيويورك تايمز الأميركية
فيليب بورينغ
غالباً ما تنمو المشاعر الوطنية والقومية بسبب الإخفاقات وليس بسبب النجاح، وهكذا فإن أحداث التبت، والتهديدات المحتملة لنجاح الألعاب الأولمبية، هي العوامل التي تتحرك في الصين الآن. وفي الأفق أن ذلك سيرتبط بإمكان حدوث تضخّم كبير، وجمود في التصدير وتوترات في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة، وهذه هي الأمور التي تخلق عاصفة وطنية.
وتواجه القيادة الصينية عملية توازن صعبة، ذلك أن مشروعيّتها تقوم منذ سنوات على الإنجازات التي تحققها وليس على الإيديولوجيا الشيوعية. ولذا فإنه سيكون عليها أن تبدو متساوقة مع المشاعر الشعبية. لكن من جهة ثانية فإن الاستقرار الداخلي من جهة، والعلاقات الجيدة بالخارج من جهة أخرى، يتطلبان إبقاء المشاعر الوطنية على درجة من الانضباط. والواقع أن البارانويا بشأن الخطط الخارجية الشيطانية والتي تصاعدت أيام ماوتسي تونغ وتراجعت أيام دينغ سياوبنغ، ما تزال كالجمر تحت الرماد. والواقع أيضاً أن كل الصين تشعر بالإهانة أن الأجانب يريدون تلقينها درساً بتشجيع المقاطعات الصغيرة التي قد تُفشل الألعاب الأولمبية. والصينيون غاضبون من أن الغربيين يلومونهم بسبب ما يحدث في دارفور، في حين يحتل الأميركيون العراق. وبكين سعيدة بترك تلك المشاعر الوطنية العنيفة تجد متنفساً أحياناً في الثرثرات على الإنترنت وفي المواقع الشعبية. وهذا الغضب الشعبي يجعل من السهل على الحكومة الصينية أن تُلقي بمشكلات التبت على كاهل الأجانب، وعلى كاهل تبت المنفى التي يرمز إليها الدالاي لاما. وهكذا تستطيع اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان، وإبعاد وسائل الإعلام الأجنبية.
تلعب بكين مسألة التهديد الأجنبي تماماً كما لعبت السلطات الأميركية على وتر القاعدة، من أجل غزو العراق. وعلى سبيل المثال، فإن الصين رفعت راية هجمات العصابات الانتحارية بالتبت، والتي نظّمها "الدالاي لاما وعصابته" من أجل تهديد الألعاب الأولمبية. والأعمال الإرهابية ضد الألعاب الأولمبية ممكنة طبعاً، ولكن الحكومة المتعقّلة تعمد بهدوء الى تقوية الدفاعات الأمنية، بدلاً من تشجيع الأمزجة الفائرة، وتشجيع المخاوف من أن الإرهابيين الغاضبين قد يأتون من صفوف أهل التبت، مما يُثير الناس ضدّهم. فتحت الضغوط الحالية، سقط الرسميون الصينيون من جديد في لغة الثورة الثقافية وأكاذيبها. وقد سمّت سكريتاريا الحزب الشيوعي بالتبت الدالاي لاما: الوحش الذي يضع وجهاً إنسانياً! وكان رئيس الوزراء ون جياباو أقل دراماتيكية، عندما ذكر أن باب الحوار مع الدالاي لاما يظل مفتوحاً إذا هجر دعاوى استقلال التبت، واستعمل نفوذه من أجل إيقاف العنف ببلاد التبت. والواقع أن الدالاي لاما قبل منذ زمن طويل مبدأ الحكم الذاتي للتبت ضمن الصين، بشرط أن يكون الحكم الذاتي حقيقياً. والمعروف أنه جفا منذ زمن طويل أيضاً العديد من مناضلي بلاده، والذين يعارضون دعوته لحل سلمي لقضية التبت.
وعلى الدرجة نفسها من الأهمية الطريقة التي عرضت بها وسائل الإعلام بالصين أحداث العنف بالتبت باعتبارها موجّهة ضدّ الصينيين من قومية الهان. ومن المتوقع أن يثير ذلك أمة الهان، التي تشكّل نسبة 90% من مجموع أهل الصين. وهؤلاء ينظرون الى التبت باعتبارها بلداً متخلّفاً أسهم الصينيون في تقدمها وتحديثها. وهؤلاء لا يرون سبباً لشعور أهل التبت بالانزعاج من الهجرة الصينية الى بلادهم، ومن سيطرة المهاجرين على التجارة، كما أنهم ساخطون على التيبتيين الناكرين للجميل، والذين تدفقت الأموال باتجاههم بسبب حركة التنمية الهائلة التي قادتها الحكومة الصينية في قُطرهم. ويقول سكرتير الحزب الشيوعي بالتبت إن الحزب هو بمثابة الأب لشعب التبت، ويهتم دائماً بحاجات أطفاله. ولذا فإن الحزب كما يقول سكرتيره العام هو "بوذا الحقيقي" لأهل التبت. وهذا البُعد الإثني/ الثقافي لا يُصعّب فقط على الصين معالجة مشكلات الأقليات، بل يطرح أيضاً هوية شعب الهان في سياقات أوسع، إقليمية ودولية. ذلك أن الأسطورة العنصرية، والانتماء الثقافي، كلاهما، ينتصبان عالياً وبشكل مباشر في مواجهة البرابرة بالجوار، وسواءٌ أكانوا يابانيين أو مغولا أو روسا، وفي مواجهة الغربيين، الذين سيطروا طويلاً على مصائر مملكة السماء.
كيف ستكون ردة فعل الصينيين، لو أن الألعاب الأولمبية تحوّلت بالفعل الى مناسبة للتظاهرات من جانب أهل التبت المدفوعين من الغربيين، بدلاً من أن تكون فرصة لإبراز إنجازات الصين وشعبها، وإنجازات لاعبيها، ومنظّميها؟! وضد من سيتجه الغضب عندها؟ وإذا أُهين الحزب الشيوعي الصيني بالحديث الكثير عن ثوران أهل التبت، أو عن التلوث البيئي، فإن البحث عندها عن "الشاة السوداء" سوف يصبح أمراً لا يمكن تجنّبه، وسيكون الأمر أسوأ إن اقترن بزيادة التوتر في العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن الاقتصاد الأميركي قد دخل في حالة من الركود الظاهر. وإذا فهم الصينيون أن فوائد العولمة وصلت لديهم الى نهاياتها، فهل تعمد القيادة للتراجع عن ثلاثين عاماً من سياسات دينغ سياوبنغ الانفتاحية؟ المرجح أن لا يحدث شيء من ذلك. بيد أن الكبرياء الإثنية والطموحات المحبطة، قوتان لا يمكن تجاهلهما، وعلينا أن نتذكر أن الضغوط الاقتصادية الخارجية، والمشاعر الوطنية، والقوة العسكرية المتصاعدة، كل ذلك، سبق أن حوّل اليابان من ليبرالية واعدة الى دولة توسعية وعسكرية ذات سياسات وطنية وقومية جارفة خلال ثلاثينات القرن العشرين.
يملك شعب التبت دعوى حق قوية ضد بكين، بيد أن خلط ذلك بالألعاب الأولمبية وبدارفور، هما بمثابة التلويح بالرداء الأحمر في وجه ثور جريح هائج.
فيليب بورينغ
غالباً ما تنمو المشاعر الوطنية والقومية بسبب الإخفاقات وليس بسبب النجاح، وهكذا فإن أحداث التبت، والتهديدات المحتملة لنجاح الألعاب الأولمبية، هي العوامل التي تتحرك في الصين الآن. وفي الأفق أن ذلك سيرتبط بإمكان حدوث تضخّم كبير، وجمود في التصدير وتوترات في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة، وهذه هي الأمور التي تخلق عاصفة وطنية.
وتواجه القيادة الصينية عملية توازن صعبة، ذلك أن مشروعيّتها تقوم منذ سنوات على الإنجازات التي تحققها وليس على الإيديولوجيا الشيوعية. ولذا فإنه سيكون عليها أن تبدو متساوقة مع المشاعر الشعبية. لكن من جهة ثانية فإن الاستقرار الداخلي من جهة، والعلاقات الجيدة بالخارج من جهة أخرى، يتطلبان إبقاء المشاعر الوطنية على درجة من الانضباط. والواقع أن البارانويا بشأن الخطط الخارجية الشيطانية والتي تصاعدت أيام ماوتسي تونغ وتراجعت أيام دينغ سياوبنغ، ما تزال كالجمر تحت الرماد. والواقع أيضاً أن كل الصين تشعر بالإهانة أن الأجانب يريدون تلقينها درساً بتشجيع المقاطعات الصغيرة التي قد تُفشل الألعاب الأولمبية. والصينيون غاضبون من أن الغربيين يلومونهم بسبب ما يحدث في دارفور، في حين يحتل الأميركيون العراق. وبكين سعيدة بترك تلك المشاعر الوطنية العنيفة تجد متنفساً أحياناً في الثرثرات على الإنترنت وفي المواقع الشعبية. وهذا الغضب الشعبي يجعل من السهل على الحكومة الصينية أن تُلقي بمشكلات التبت على كاهل الأجانب، وعلى كاهل تبت المنفى التي يرمز إليها الدالاي لاما. وهكذا تستطيع اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان، وإبعاد وسائل الإعلام الأجنبية.
تلعب بكين مسألة التهديد الأجنبي تماماً كما لعبت السلطات الأميركية على وتر القاعدة، من أجل غزو العراق. وعلى سبيل المثال، فإن الصين رفعت راية هجمات العصابات الانتحارية بالتبت، والتي نظّمها "الدالاي لاما وعصابته" من أجل تهديد الألعاب الأولمبية. والأعمال الإرهابية ضد الألعاب الأولمبية ممكنة طبعاً، ولكن الحكومة المتعقّلة تعمد بهدوء الى تقوية الدفاعات الأمنية، بدلاً من تشجيع الأمزجة الفائرة، وتشجيع المخاوف من أن الإرهابيين الغاضبين قد يأتون من صفوف أهل التبت، مما يُثير الناس ضدّهم. فتحت الضغوط الحالية، سقط الرسميون الصينيون من جديد في لغة الثورة الثقافية وأكاذيبها. وقد سمّت سكريتاريا الحزب الشيوعي بالتبت الدالاي لاما: الوحش الذي يضع وجهاً إنسانياً! وكان رئيس الوزراء ون جياباو أقل دراماتيكية، عندما ذكر أن باب الحوار مع الدالاي لاما يظل مفتوحاً إذا هجر دعاوى استقلال التبت، واستعمل نفوذه من أجل إيقاف العنف ببلاد التبت. والواقع أن الدالاي لاما قبل منذ زمن طويل مبدأ الحكم الذاتي للتبت ضمن الصين، بشرط أن يكون الحكم الذاتي حقيقياً. والمعروف أنه جفا منذ زمن طويل أيضاً العديد من مناضلي بلاده، والذين يعارضون دعوته لحل سلمي لقضية التبت.
وعلى الدرجة نفسها من الأهمية الطريقة التي عرضت بها وسائل الإعلام بالصين أحداث العنف بالتبت باعتبارها موجّهة ضدّ الصينيين من قومية الهان. ومن المتوقع أن يثير ذلك أمة الهان، التي تشكّل نسبة 90% من مجموع أهل الصين. وهؤلاء ينظرون الى التبت باعتبارها بلداً متخلّفاً أسهم الصينيون في تقدمها وتحديثها. وهؤلاء لا يرون سبباً لشعور أهل التبت بالانزعاج من الهجرة الصينية الى بلادهم، ومن سيطرة المهاجرين على التجارة، كما أنهم ساخطون على التيبتيين الناكرين للجميل، والذين تدفقت الأموال باتجاههم بسبب حركة التنمية الهائلة التي قادتها الحكومة الصينية في قُطرهم. ويقول سكرتير الحزب الشيوعي بالتبت إن الحزب هو بمثابة الأب لشعب التبت، ويهتم دائماً بحاجات أطفاله. ولذا فإن الحزب كما يقول سكرتيره العام هو "بوذا الحقيقي" لأهل التبت. وهذا البُعد الإثني/ الثقافي لا يُصعّب فقط على الصين معالجة مشكلات الأقليات، بل يطرح أيضاً هوية شعب الهان في سياقات أوسع، إقليمية ودولية. ذلك أن الأسطورة العنصرية، والانتماء الثقافي، كلاهما، ينتصبان عالياً وبشكل مباشر في مواجهة البرابرة بالجوار، وسواءٌ أكانوا يابانيين أو مغولا أو روسا، وفي مواجهة الغربيين، الذين سيطروا طويلاً على مصائر مملكة السماء.
كيف ستكون ردة فعل الصينيين، لو أن الألعاب الأولمبية تحوّلت بالفعل الى مناسبة للتظاهرات من جانب أهل التبت المدفوعين من الغربيين، بدلاً من أن تكون فرصة لإبراز إنجازات الصين وشعبها، وإنجازات لاعبيها، ومنظّميها؟! وضد من سيتجه الغضب عندها؟ وإذا أُهين الحزب الشيوعي الصيني بالحديث الكثير عن ثوران أهل التبت، أو عن التلوث البيئي، فإن البحث عندها عن "الشاة السوداء" سوف يصبح أمراً لا يمكن تجنّبه، وسيكون الأمر أسوأ إن اقترن بزيادة التوتر في العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن الاقتصاد الأميركي قد دخل في حالة من الركود الظاهر. وإذا فهم الصينيون أن فوائد العولمة وصلت لديهم الى نهاياتها، فهل تعمد القيادة للتراجع عن ثلاثين عاماً من سياسات دينغ سياوبنغ الانفتاحية؟ المرجح أن لا يحدث شيء من ذلك. بيد أن الكبرياء الإثنية والطموحات المحبطة، قوتان لا يمكن تجاهلهما، وعلينا أن نتذكر أن الضغوط الاقتصادية الخارجية، والمشاعر الوطنية، والقوة العسكرية المتصاعدة، كل ذلك، سبق أن حوّل اليابان من ليبرالية واعدة الى دولة توسعية وعسكرية ذات سياسات وطنية وقومية جارفة خلال ثلاثينات القرن العشرين.
يملك شعب التبت دعوى حق قوية ضد بكين، بيد أن خلط ذلك بالألعاب الأولمبية وبدارفور، هما بمثابة التلويح بالرداء الأحمر في وجه ثور جريح هائج.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق