
صحيفة إندبندنت البريطانية
لطالما اعتبرت كهوف موغاو، على طريق الحرير القديمة، المرادف الصيني لكنيسة سيستين في الفاتيكان. والآن يتهافت المحافظون على الإرث الصيني لحمايتها من الدخول في غياهب النسيان.
الجو بارد ومظلم في الكهف الذي يقع في صحراء غوبي، لكنه يشعّ عندما يضيء مشعل وجه بوذا الساكن، الذي كان يوماً زهرياً وأصبح الآن أسود، على لوحة جدارية مرسومة منذ ألف سنة لتقديم السلوى للمسافرين على طريق الحرير.
وفي مكان ليس ببعيد، ضمن هذه الشبكة المذهلة التي تحتوي على المئات من الكهوف المزودة برسوم زاهية، توجد مكتبة الكهف، التي كانت ممتلئة من الأرضية إلى السقف بمخطوطات ورسوم قديمة، إلى أن تمكن السير اوريل ستاين، وهو عالم آثار بريطاني، من إقناع الرهبان الذين يحرسون هذا النتاج البشري الفني الثمين ببيعه إياه فنقله إلى المتحف البريطاني.
ثمة أكثر من 800 كهف ضمن الشبكة، من بينها 500 كهف يحتوي على رسوم جدارية. وعلى مدى 1600 عام، شهدت هذه الكهوف، التي تقع في دونهوانغ في مقاطعة غانزو الصينية، اضطرابات سياسية ودينية وأصولية، واجتذبت مغامرين من الغرب وشخصيات بارزة من سلالة كينغ الفاسدة، كذلك تعرضت لمعاملة قاسية من قبل الجنود الروس البيض، واسترعت انتباه حراس ماو غير المرغوب فيه.
مخاوف ومسؤولية
ثمة مخاوف الآن من أن يكون تنفس ملايين السياح، إلى جانب صحراء غوبي الشاسعة، أمراً يتخطى قدرة الرسومات على التحمل، بالإضافة إلى أن عمليات النهب والسرقة الواسعة النطاق للمخطوطات تعني أن هذه المستندات والوثائق القيِّمة منتشرة في دول متعددة.
ويُذكر أن علماء من شتى أنحاء العالم، من بينهم اختصاصيون في المكتبة البريطانية، يعملون على مشروع تسجيل الرسوم والمخطوطات الجدارية الموجودة في دونهوانغ على الطريقة الرقمية وجعلها متوافرة عبر شبكة الانترنت، كي يتمكن الجميع من التعرف على هذه الثروة.
وفي هذا السياق يقول البروفسور ليو هواكينغ، مدير في أكاديمية دونهوانغ، إن «كهوف دونهوانغ ليست مسؤوليتنا وحدنا، بل هي مسؤولية العالم أجمع. فدونهوانغ عبارة عن مركز ثقافي عظيم ينبغي أن يتشارك فيه الجميع، لا الاساتذة والباحثون فحسب».
ويتابع البروفسور ليو بحيوية، وهو يشير بإصبعه إلى مجموعة من الصور التي التقطها المستكشف الفرنسي بول إيليوت منذ حوالى قرن، «يمكن للمرء أن يلاحظ تردي الوضع من خلال هذه الصور. علينا أن ننقذ دونهوانغ، ففي خلال 100 عام، قد تسوء حالة الرسومات الجدارية، لكن على الأقل سيتمكن الجيل التالي من رؤية ما تبدو عليه الآن، وهذا أمر مهم جداً».
ويُذكر أن أرشيف دونهوانغ الرقمي سيشتمل على صور التقطت في الكهوف، فضلاً عن رسومات جدارية ومخطوطات موجودة في متاحف حول العالم من بينها المكتبة البريطانية. ويتضمن هذا المشروع إجراء مسح على مسافة 45 ألف متر مربع من الرسوم الجدارية، وتسجيل 3390 تمثالاً بوذياً. تنتشر الرسوم الجدارية في 812 كهفاً في أرجاء منحدر من الأحجار الرملية يقدر طوله نحو كيلومتر ونصف. وخلف الكهوف، تبسط الصحراء سيطرتها بشكل مخيف عبر جبال من الرمال المذهلة. ويتمثل الهاجس الكبير في فقدان هذه الكهوف في الصحراء الشاسعة الزاخرة بكنوز تعتبر انتصاراً للفن الديني وتجسد مشاهد متعددة، منها على سبيل المثال الأفكار المتناقلة عبر طريق الحرير، فضلاً عن الحرير والشاي، على طول الطريق. كذلك يجسد بعض الرسوم الجدارية الرعاة الحصريين: رجال أعمال، تجار وبيروقراطيين الذين دفعوا المال للفنانين لإنجازها.
كان هؤلاء يقصدون هذا الموقع البعيد للصلاة قبل مغادرة البلاد لتكون سفرتهم آمنة، وإذا ما عادوا أثرياء تحملوا كلفة زخرفة أحد الكهوف، التي تتطلب سنوات أو حتى عقود أحياناً. فضلاً عن ذلك، يضمّ الكهف رقم 259 رسماً يجسد شخصية تشبه ابتسامتها ابتسامة الموناليزا، مع العلم أن هذا الرسم الجداري يعود إلى القرن الخامس إلى سلالة واي الشمالية، ويحتوي الكهف رقم 244 على ألف تمثال تجسد وجهاً مذهّباً لبوذا، أما في الكهف رقم 96 فيطغى على الغرفة تمثال لبوذا ارتفاعه 35 متراً ويعود إلى سنة 695 بعد الميلاد، وبالقرب منه ثمة تمثال آخر لبوذا يعود إلى سلالة تانغ، إنه أصغر حجماً لكنه يبدو أكبر، فحجم الرأس كبير جداً بالنسبة إلى حجم الجسم، أعدَّ بهذا الشكل خصيصاً لترك هذا الانطباع، الأمر الذي يكشف عن إدراك مسبق لمفهوم الأبعاد.
معلم سياحي
في العام الماضي، قصد دونهوانغ 550 ألف سائح، ومن المتوقع أن يزيد العدد هذه السنة. وينبغي اتخاذ بعض الخطوات قريباً وبسرعة إذا أردنا الحفاظ على الكهف والابقاء عليه كمعلم سياحي، في الوقت عينه. ويقول البروفسور ليو «بفضل مشروع الحفظ الرقمي، نودّ أن نجمع معلومات عامة جيدة عن الرسوم الجدارية ونأخذ فكرة عن التردي اليومي في حالة الرسوم. وسيسمح لنا هذا النظام الرقمي بالحفاظ على الرسوم كما هي حالياً، ويمكن للزوار الذين يتوافدون إلى المغارة أن يتعلموا منها».
ويُشار إلى أن أول كهف من كهوف دونهوانغ يعود إلى حقبة سلالة ليانغ الشمالية (أي ما بين عام 366 وعام 439 بعد الميلاد)، عندما بدأ بهذا العمل راهب متنقل يدعى يوزون، واستمر العمل من ثم حتى القرن الرابع عشر. بعدئذٍ شكلت دونهوانغ محطة بارزة في طريق الحرير، إذ كانت العربات المحملة بالحرير والشاي تتوقف هناك في الطريق إلى بلاد فارس وأوروبا خلال حقبة سلالة سوي (أي ما بين عام 581 و618 بعد الميلاد) وحقبة سلالة تانغ (أي ما بين عام 618 و907 بعد الميلاد). وإلى جانب كونها محوراً للفن الديني، مثلت هذه الكهوف مركزاً هاماً لدراسة النصوص الصينية والتيبتية، المكتوبة بلغات قديمة كالسوغديان والتانغوت.
وفي هذا السياق، أشار ليو غانغ، الذي يدير برنامج الحفظ الرقمي، إلى أن التقاط الصور هو الجزء الأصعب في العملية، بسبب حجم الرسوم الجدارية وأشكالها الغريبة في معظم الأحيان. وقال إن «الرسوم الجدارية جميعها ضخمة، ولا يمكن للكاميرات الرقمية أن تلتقط الصورة بكاملها دفعة واحدة، لذا نقوم بذلك على دفعات. بالتالي يتطلب تصوير كل رسم جداري مئات الصور، وأفضل كاميرا لدينا يمكنها أن تصور متراً مربعاً واحداً، لذلك تستغرق هذه العملية وقتاً».
ويتابع ليو: «حتى الآن قمنا بذلك في 30 كهفاً، ويمكن أن ننجز هذا العمل في ثلاثة إلى خمسة كهوف في السنة. عندما بدأنا، كان سير العمل بطيئاً ولم يكن هذا النوع من التقدم التكنولوجي متوافراً حتى، لكن الكاميرات الرقمية تطورت بشكل كبير، على سبيل المثال في السنوات القليلة الماضية، انتقلنا من ستة ميغا بيكسل إلى 24. وفي المستقبل ستصبح بين أيدينا كاميرات أفضل».
تقنية رقمية
يتمتع الأشخاص الذين يعملون في المركز بالبراعة وهم يستعملون برنامج Adobe Photoshop، وتتحرك أناملهم بسرعة على لوحة المفاتيح. وهذا العام تابعت شي يوفانغ، وهي من سكان دونهوانغ المحليين، دورات تدريبية حول استعمال التقنية الرقمية. في هذا السياق تقول: «الوقت اللازم لانجاز العمل رهن بمدى سطحية الجدار، فإذا كان هذا الأخير يحتوي على نتوءات أو منحنيات، سيتطلب وقتاً أطول. قد يستغرق العمل على جدار واحد أربعة أشهر أحياناً».
ويمكن القول إن الصور التي التقطت للرسوم الجدارية ستمثل حقيقة أقرب إلى الخيال بالنسبة إلى الزوار قبل الدخول إلى الكهف. يتم هذا المشروع بالتعاون مع معهد ميلون في بيتسبيرغ، ويمكن أن يستغرق إنجازه خمس سنوات.
علاوة على ذلك، يعمل المشاركون في مشروع دونهوانغ الدولي على تطبيق التقنية الرقمية على المخطوطات الموجودة في الكهف أيضاً، وهو جزء آخر هام من البرنامج. فالنتاج البشري الفني الذي أحضره السير ستاين عام 1907 يتضمن ارشادات عن مبدأ «الفينغ شوي» الفلسفي، نماذج ضريبة وتقارير عسكرية، فضلاً عن علاجات مقترحة لالتهاب المفاصل وآلام الدورة الشهرية. ويُذكر أن معظم المخطوطات والوثائق عبارة عن سوترات، أي صلوات للتمكن من تحقيق النجاح على طريق الحرير.
كهوف
عام 1908، باع رئيس دير الرهبان، الذين يحرسون هذه الكهوف، مزيداً من هذه الكنوز إلى بول إيليوت، الذي عرض نماذج عن البعض منها أمام طلاب صينيين في بكين. وبعد سنة، أرسلت سلالة كينغ مبعوثين من قبلها لاستعادة عشرة آلاف مخطوطة، إلا أن مئات المخطوطات وجدت طريقها إلى أيدٍ أجنبية واليوم هي موجودة في معارض حول العالم. يحتدم الجدال حول هوية الشخص الذي يحق له امتلاك هذه الوثائق، وليس لدى السياح الذين يغادرون الكهوف أدنى شك في أن الصين تريد استعادة كنوزها، لكن في الوقت الراهن، يجدر منح الأولوية لمهمة الحفاظ على هذه الكهوف والكنوز الموجودة فيها.
تحتوي المكتبة البريطانية على 38274 قطعة، طبقت التقنية الرقمية على 20201 منها. وفي هذا الاطار يشير الاستير موريسون، باحث درس في كلية الدراسات الشرقية والافريقية في لندن، إلى أن «هذا العمل انطبع بتأثيرات كثيرة، ومن الجميل دائماً أن نجعل الناس يدركون التاريخ المتنوع للمنطقة. وتقتصر مهمتنا على إدراج مشروع دونهوانغ على شبكة الانترنت وتوثيق كل شيء، كي يتمكن الجميع من الاطلاع على المعلومات المتوافرة جميعها. نحن نعمل على هذا المشروع منذ أربع سنوات».
ويتابع: «تنظر الصين إلى الأمور على المدى الطويل، بالتالي يقتصر عملي على الحفاظ المادي الطبيعي على هذا الارث. تأسس هذا المشروع لحل المشاكل حول هذه الكهوف ولتبادل المعلومات والخبرات والحفاظ عليها وإدراجها على شبكة الانترنت».
وجدت بعض الوثائق في أماكن غريبة، على سبيل المثال كانت هناك نشارة خشب تعود إلى سلالة هان في أكوام النفايات، حيث تخلص الناس من قشرة من الخشب بغية إزالة النصوص القديمة ليتمكنوا من كتابة نصوص جديدة، فأحضر السير ستاين هذه البقايا التي كشفت لنا عن معلومات قيمة. ويقول موريسون في هذا السياق: «تقضي الخطة الأساسية بالاستمرار في اعتماد التقنية الرقمية في هذا العمل وحفظ هذا التراث، حتى الآن كان العمل يقتصر على أبحاث معمقة. نريد القيام بالمزيد من العمل الحثيث الذي يتخطى الحدود التقليدية ويمتد إلى القراء المثقفين وتلامذة المدارس».
في المقابل استعمل لانغدون وارنر، أحد المغامرين الذين يقصدون الكهوف للإدلاء بانتقادات لاذعة ومؤرخ في مادة الفنون في جامعة هارفرد، تقنية جديدة ليزيل عن الجدار قسماً من أحد الرسوم الجدارية بمساحة متر مربع، ونقله إلى الجامعة الأميركية. وفي الكهف رقم 328، يمكن للمرء أن يرى المكان الذي أخذ منه وارنر قسماً من رسم جداري يعود إلى عام 700 بعد الميلاد، في عهد سلالة تانغ. وفي الكهف رقم 324، هناك لوحة جميلة مفقودة تجسد مركباً لنقل البضائع، إلا أن رؤية المربع الفارغ وسط الجدار تصدم النفوس. في عام 1925 عندما عاد وارنر، وهو أحد الذين أوحوا بكتابة أفلام إنديانا جونز للمخرج ستيفن سبيلبرغ، لأخذ المزيد من الرسوم، واجه معارضة شديدة من السكان المحليين وعاد أدراجه صفر اليدين. لم نتمكن من تصنيف السير ستاين حتى الآن لكنه يعتبر عالماً أكثر منه مغامراً متهوراً. ويقول موريسون «لولا جهود ستاين لما علمنا بأمر هذه المنطقة وطريق الحرير».
يذكر أن ثمة خططاً لتقصير الوقت الذي يمضيه الزوار في الكهوف، للمساعدة في تخفيض مستوى ثاني اوكسيد الكربون والرطوبة التي تتلف ألوان الرسوم الجدارية والتماثيل.
ويقول البروفسور ليو «ستبقى أبواب كهوف موغاو مفتوحة دائماً أمام الزوار، من المستحيل إقفالها، لأننا نحتاج إلى عائدات قطاع السياحة».
لطالما اعتبرت كهوف موغاو، على طريق الحرير القديمة، المرادف الصيني لكنيسة سيستين في الفاتيكان. والآن يتهافت المحافظون على الإرث الصيني لحمايتها من الدخول في غياهب النسيان.
الجو بارد ومظلم في الكهف الذي يقع في صحراء غوبي، لكنه يشعّ عندما يضيء مشعل وجه بوذا الساكن، الذي كان يوماً زهرياً وأصبح الآن أسود، على لوحة جدارية مرسومة منذ ألف سنة لتقديم السلوى للمسافرين على طريق الحرير.
وفي مكان ليس ببعيد، ضمن هذه الشبكة المذهلة التي تحتوي على المئات من الكهوف المزودة برسوم زاهية، توجد مكتبة الكهف، التي كانت ممتلئة من الأرضية إلى السقف بمخطوطات ورسوم قديمة، إلى أن تمكن السير اوريل ستاين، وهو عالم آثار بريطاني، من إقناع الرهبان الذين يحرسون هذا النتاج البشري الفني الثمين ببيعه إياه فنقله إلى المتحف البريطاني.
ثمة أكثر من 800 كهف ضمن الشبكة، من بينها 500 كهف يحتوي على رسوم جدارية. وعلى مدى 1600 عام، شهدت هذه الكهوف، التي تقع في دونهوانغ في مقاطعة غانزو الصينية، اضطرابات سياسية ودينية وأصولية، واجتذبت مغامرين من الغرب وشخصيات بارزة من سلالة كينغ الفاسدة، كذلك تعرضت لمعاملة قاسية من قبل الجنود الروس البيض، واسترعت انتباه حراس ماو غير المرغوب فيه.
مخاوف ومسؤولية
ثمة مخاوف الآن من أن يكون تنفس ملايين السياح، إلى جانب صحراء غوبي الشاسعة، أمراً يتخطى قدرة الرسومات على التحمل، بالإضافة إلى أن عمليات النهب والسرقة الواسعة النطاق للمخطوطات تعني أن هذه المستندات والوثائق القيِّمة منتشرة في دول متعددة.
ويُذكر أن علماء من شتى أنحاء العالم، من بينهم اختصاصيون في المكتبة البريطانية، يعملون على مشروع تسجيل الرسوم والمخطوطات الجدارية الموجودة في دونهوانغ على الطريقة الرقمية وجعلها متوافرة عبر شبكة الانترنت، كي يتمكن الجميع من التعرف على هذه الثروة.
وفي هذا السياق يقول البروفسور ليو هواكينغ، مدير في أكاديمية دونهوانغ، إن «كهوف دونهوانغ ليست مسؤوليتنا وحدنا، بل هي مسؤولية العالم أجمع. فدونهوانغ عبارة عن مركز ثقافي عظيم ينبغي أن يتشارك فيه الجميع، لا الاساتذة والباحثون فحسب».
ويتابع البروفسور ليو بحيوية، وهو يشير بإصبعه إلى مجموعة من الصور التي التقطها المستكشف الفرنسي بول إيليوت منذ حوالى قرن، «يمكن للمرء أن يلاحظ تردي الوضع من خلال هذه الصور. علينا أن ننقذ دونهوانغ، ففي خلال 100 عام، قد تسوء حالة الرسومات الجدارية، لكن على الأقل سيتمكن الجيل التالي من رؤية ما تبدو عليه الآن، وهذا أمر مهم جداً».
ويُذكر أن أرشيف دونهوانغ الرقمي سيشتمل على صور التقطت في الكهوف، فضلاً عن رسومات جدارية ومخطوطات موجودة في متاحف حول العالم من بينها المكتبة البريطانية. ويتضمن هذا المشروع إجراء مسح على مسافة 45 ألف متر مربع من الرسوم الجدارية، وتسجيل 3390 تمثالاً بوذياً. تنتشر الرسوم الجدارية في 812 كهفاً في أرجاء منحدر من الأحجار الرملية يقدر طوله نحو كيلومتر ونصف. وخلف الكهوف، تبسط الصحراء سيطرتها بشكل مخيف عبر جبال من الرمال المذهلة. ويتمثل الهاجس الكبير في فقدان هذه الكهوف في الصحراء الشاسعة الزاخرة بكنوز تعتبر انتصاراً للفن الديني وتجسد مشاهد متعددة، منها على سبيل المثال الأفكار المتناقلة عبر طريق الحرير، فضلاً عن الحرير والشاي، على طول الطريق. كذلك يجسد بعض الرسوم الجدارية الرعاة الحصريين: رجال أعمال، تجار وبيروقراطيين الذين دفعوا المال للفنانين لإنجازها.
كان هؤلاء يقصدون هذا الموقع البعيد للصلاة قبل مغادرة البلاد لتكون سفرتهم آمنة، وإذا ما عادوا أثرياء تحملوا كلفة زخرفة أحد الكهوف، التي تتطلب سنوات أو حتى عقود أحياناً. فضلاً عن ذلك، يضمّ الكهف رقم 259 رسماً يجسد شخصية تشبه ابتسامتها ابتسامة الموناليزا، مع العلم أن هذا الرسم الجداري يعود إلى القرن الخامس إلى سلالة واي الشمالية، ويحتوي الكهف رقم 244 على ألف تمثال تجسد وجهاً مذهّباً لبوذا، أما في الكهف رقم 96 فيطغى على الغرفة تمثال لبوذا ارتفاعه 35 متراً ويعود إلى سنة 695 بعد الميلاد، وبالقرب منه ثمة تمثال آخر لبوذا يعود إلى سلالة تانغ، إنه أصغر حجماً لكنه يبدو أكبر، فحجم الرأس كبير جداً بالنسبة إلى حجم الجسم، أعدَّ بهذا الشكل خصيصاً لترك هذا الانطباع، الأمر الذي يكشف عن إدراك مسبق لمفهوم الأبعاد.
معلم سياحي
في العام الماضي، قصد دونهوانغ 550 ألف سائح، ومن المتوقع أن يزيد العدد هذه السنة. وينبغي اتخاذ بعض الخطوات قريباً وبسرعة إذا أردنا الحفاظ على الكهف والابقاء عليه كمعلم سياحي، في الوقت عينه. ويقول البروفسور ليو «بفضل مشروع الحفظ الرقمي، نودّ أن نجمع معلومات عامة جيدة عن الرسوم الجدارية ونأخذ فكرة عن التردي اليومي في حالة الرسوم. وسيسمح لنا هذا النظام الرقمي بالحفاظ على الرسوم كما هي حالياً، ويمكن للزوار الذين يتوافدون إلى المغارة أن يتعلموا منها».
ويُشار إلى أن أول كهف من كهوف دونهوانغ يعود إلى حقبة سلالة ليانغ الشمالية (أي ما بين عام 366 وعام 439 بعد الميلاد)، عندما بدأ بهذا العمل راهب متنقل يدعى يوزون، واستمر العمل من ثم حتى القرن الرابع عشر. بعدئذٍ شكلت دونهوانغ محطة بارزة في طريق الحرير، إذ كانت العربات المحملة بالحرير والشاي تتوقف هناك في الطريق إلى بلاد فارس وأوروبا خلال حقبة سلالة سوي (أي ما بين عام 581 و618 بعد الميلاد) وحقبة سلالة تانغ (أي ما بين عام 618 و907 بعد الميلاد). وإلى جانب كونها محوراً للفن الديني، مثلت هذه الكهوف مركزاً هاماً لدراسة النصوص الصينية والتيبتية، المكتوبة بلغات قديمة كالسوغديان والتانغوت.
وفي هذا السياق، أشار ليو غانغ، الذي يدير برنامج الحفظ الرقمي، إلى أن التقاط الصور هو الجزء الأصعب في العملية، بسبب حجم الرسوم الجدارية وأشكالها الغريبة في معظم الأحيان. وقال إن «الرسوم الجدارية جميعها ضخمة، ولا يمكن للكاميرات الرقمية أن تلتقط الصورة بكاملها دفعة واحدة، لذا نقوم بذلك على دفعات. بالتالي يتطلب تصوير كل رسم جداري مئات الصور، وأفضل كاميرا لدينا يمكنها أن تصور متراً مربعاً واحداً، لذلك تستغرق هذه العملية وقتاً».
ويتابع ليو: «حتى الآن قمنا بذلك في 30 كهفاً، ويمكن أن ننجز هذا العمل في ثلاثة إلى خمسة كهوف في السنة. عندما بدأنا، كان سير العمل بطيئاً ولم يكن هذا النوع من التقدم التكنولوجي متوافراً حتى، لكن الكاميرات الرقمية تطورت بشكل كبير، على سبيل المثال في السنوات القليلة الماضية، انتقلنا من ستة ميغا بيكسل إلى 24. وفي المستقبل ستصبح بين أيدينا كاميرات أفضل».
تقنية رقمية
يتمتع الأشخاص الذين يعملون في المركز بالبراعة وهم يستعملون برنامج Adobe Photoshop، وتتحرك أناملهم بسرعة على لوحة المفاتيح. وهذا العام تابعت شي يوفانغ، وهي من سكان دونهوانغ المحليين، دورات تدريبية حول استعمال التقنية الرقمية. في هذا السياق تقول: «الوقت اللازم لانجاز العمل رهن بمدى سطحية الجدار، فإذا كان هذا الأخير يحتوي على نتوءات أو منحنيات، سيتطلب وقتاً أطول. قد يستغرق العمل على جدار واحد أربعة أشهر أحياناً».
ويمكن القول إن الصور التي التقطت للرسوم الجدارية ستمثل حقيقة أقرب إلى الخيال بالنسبة إلى الزوار قبل الدخول إلى الكهف. يتم هذا المشروع بالتعاون مع معهد ميلون في بيتسبيرغ، ويمكن أن يستغرق إنجازه خمس سنوات.
علاوة على ذلك، يعمل المشاركون في مشروع دونهوانغ الدولي على تطبيق التقنية الرقمية على المخطوطات الموجودة في الكهف أيضاً، وهو جزء آخر هام من البرنامج. فالنتاج البشري الفني الذي أحضره السير ستاين عام 1907 يتضمن ارشادات عن مبدأ «الفينغ شوي» الفلسفي، نماذج ضريبة وتقارير عسكرية، فضلاً عن علاجات مقترحة لالتهاب المفاصل وآلام الدورة الشهرية. ويُذكر أن معظم المخطوطات والوثائق عبارة عن سوترات، أي صلوات للتمكن من تحقيق النجاح على طريق الحرير.
كهوف
عام 1908، باع رئيس دير الرهبان، الذين يحرسون هذه الكهوف، مزيداً من هذه الكنوز إلى بول إيليوت، الذي عرض نماذج عن البعض منها أمام طلاب صينيين في بكين. وبعد سنة، أرسلت سلالة كينغ مبعوثين من قبلها لاستعادة عشرة آلاف مخطوطة، إلا أن مئات المخطوطات وجدت طريقها إلى أيدٍ أجنبية واليوم هي موجودة في معارض حول العالم. يحتدم الجدال حول هوية الشخص الذي يحق له امتلاك هذه الوثائق، وليس لدى السياح الذين يغادرون الكهوف أدنى شك في أن الصين تريد استعادة كنوزها، لكن في الوقت الراهن، يجدر منح الأولوية لمهمة الحفاظ على هذه الكهوف والكنوز الموجودة فيها.
تحتوي المكتبة البريطانية على 38274 قطعة، طبقت التقنية الرقمية على 20201 منها. وفي هذا الاطار يشير الاستير موريسون، باحث درس في كلية الدراسات الشرقية والافريقية في لندن، إلى أن «هذا العمل انطبع بتأثيرات كثيرة، ومن الجميل دائماً أن نجعل الناس يدركون التاريخ المتنوع للمنطقة. وتقتصر مهمتنا على إدراج مشروع دونهوانغ على شبكة الانترنت وتوثيق كل شيء، كي يتمكن الجميع من الاطلاع على المعلومات المتوافرة جميعها. نحن نعمل على هذا المشروع منذ أربع سنوات».
ويتابع: «تنظر الصين إلى الأمور على المدى الطويل، بالتالي يقتصر عملي على الحفاظ المادي الطبيعي على هذا الارث. تأسس هذا المشروع لحل المشاكل حول هذه الكهوف ولتبادل المعلومات والخبرات والحفاظ عليها وإدراجها على شبكة الانترنت».
وجدت بعض الوثائق في أماكن غريبة، على سبيل المثال كانت هناك نشارة خشب تعود إلى سلالة هان في أكوام النفايات، حيث تخلص الناس من قشرة من الخشب بغية إزالة النصوص القديمة ليتمكنوا من كتابة نصوص جديدة، فأحضر السير ستاين هذه البقايا التي كشفت لنا عن معلومات قيمة. ويقول موريسون في هذا السياق: «تقضي الخطة الأساسية بالاستمرار في اعتماد التقنية الرقمية في هذا العمل وحفظ هذا التراث، حتى الآن كان العمل يقتصر على أبحاث معمقة. نريد القيام بالمزيد من العمل الحثيث الذي يتخطى الحدود التقليدية ويمتد إلى القراء المثقفين وتلامذة المدارس».
في المقابل استعمل لانغدون وارنر، أحد المغامرين الذين يقصدون الكهوف للإدلاء بانتقادات لاذعة ومؤرخ في مادة الفنون في جامعة هارفرد، تقنية جديدة ليزيل عن الجدار قسماً من أحد الرسوم الجدارية بمساحة متر مربع، ونقله إلى الجامعة الأميركية. وفي الكهف رقم 328، يمكن للمرء أن يرى المكان الذي أخذ منه وارنر قسماً من رسم جداري يعود إلى عام 700 بعد الميلاد، في عهد سلالة تانغ. وفي الكهف رقم 324، هناك لوحة جميلة مفقودة تجسد مركباً لنقل البضائع، إلا أن رؤية المربع الفارغ وسط الجدار تصدم النفوس. في عام 1925 عندما عاد وارنر، وهو أحد الذين أوحوا بكتابة أفلام إنديانا جونز للمخرج ستيفن سبيلبرغ، لأخذ المزيد من الرسوم، واجه معارضة شديدة من السكان المحليين وعاد أدراجه صفر اليدين. لم نتمكن من تصنيف السير ستاين حتى الآن لكنه يعتبر عالماً أكثر منه مغامراً متهوراً. ويقول موريسون «لولا جهود ستاين لما علمنا بأمر هذه المنطقة وطريق الحرير».
يذكر أن ثمة خططاً لتقصير الوقت الذي يمضيه الزوار في الكهوف، للمساعدة في تخفيض مستوى ثاني اوكسيد الكربون والرطوبة التي تتلف ألوان الرسوم الجدارية والتماثيل.
ويقول البروفسور ليو «ستبقى أبواب كهوف موغاو مفتوحة دائماً أمام الزوار، من المستحيل إقفالها، لأننا نحتاج إلى عائدات قطاع السياحة».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق