الأربعاء، 7 مايو 2008

الفوتوغرافي باتريك زاكمان: أبحث محبطاً عن صين لم تعد موجودة

صحيفة المستقبل اللبنانية
جوزف الحاج
الهجمة الفوتوغرافية الغربية اليوم على الصين شهدتها أوروبا الشرقية قبل تفكك الاتحاد السوفياتي. لا الألعاب الأولمبية ولا أحداث التيبت الأخيرة هما السبب في جذب كل هؤلاء، اذ يرجع الأمر الى زمن سبق، علماً ان الصحافة لم تكلف مصوراً بمهمة في الصين، رغم بقائها في قلب الحدث.
لم تستقطب الصين الكثير من المصورين الأجانب، اكتفت ذاكرة الغرب البصرية بما عاد به هنري كارتييه ـ بريسون في الأربعينات من صور لا تخلو من اكزوتيكية استشراقية، ثم تلاه في الستينات الفرنسي الآخر مارك ريبو الذي صور عمليات التنميط في المجتمع الصيني مع اعلان الثورة الثقافية حيث ظهر في صوره تعايش المثقفين والفلاحين.
الفوتوغرافيا الصينية خرجت الى العالم من ابواب "لقاءات آرل الدولية" و"فوتو اسبانيا" للصين ايضاً مهرجانها الفوتوغرافي الدولي في مدينة "ليان زهو" الصغيرة، وهو بلغ سنواته الثلاث الأولى.
استبدلت صور ماو بعد رحيله في 1976 بوجوه اخرى، وظل الاقتصاد "موجهاً". وبعد احداث "تيان آن مين" وثورة الطلاب، تواصلت الاصلاحات وتحرر الاقتصاد قليلاً، وفتح "ماكدونالدز" أول فروعه في 1992. لكن الصين ابقت على "شيوعيتها".
في 1995 فرغ الفرنسي باتريك زاكمان من تحقيق مصور كان بدأه قبل ثماني سنوات عن الشتات الصيني. لكن مع الألعاب الأولمبية في العام 2000 وما تبعها من اتفاقيات ثقافية، فرنسية ـ صينية، تحولت الصين ممراً اجبارياً للمصورين. ورغم ان المصور فقد موقعه المميز كرسول، الا ان الفوتوغرافيا ظلت احدى وسائل التعرف على العالم.
مع انفتاحها على الحداثة وفق النموذج الغربي، اصبحت الصين ساحة للتناقضات، المادة الأولية للصورة. الصين في الأصل موضوع فوتوغرافي جذاب والصيني يستسلم للعدسة بطيبة خاطر. "تبقى الصين متعددة الوجوه تختبئ خلف مظاهر مخادعة" ينبه باتريك زاكمان الذي يعرفها اكثر من غيره منذ اكثر من 25 سنة، في زمن اختفت فيه مظاهرها "التقليدية". زاكمان عضو في "ماغنوم" منذ 1990، يعمل على مواضيعه فترات طويلة، يسرد قصصاً مرئية، يفضل الايحاء على البرهان والمناخات على الوقائع. النص المكتوب حاضر دائم في أعماله، بمثابة منقذ لصوره. اختار الفوتوغرافيا لعلاقتها المتينة بالذاكرة. لم يجر خلف أحداث كبرى. همه كان، وبقي، البحث عن الذات وفهمها: "هذا وحده يقود الى شيء ما"، صوّر اعتصامات ساحة "تيان آن مين" (ايار 1989) لأن عمله الشخصي تقاطع مع "الحدث".
تعرف زاكمان على الصين من خلال سينما شانغهاي في مرحلة الثلاثينات قبل ان يطأها فعلياً: "أفلام شانغهاي الثلاثينات مهمة لجهة مناخاتها الليلية وفوضاها، وعبق حاناتها بدخان الأفيون وألاعيب شخصياتها المتأثرة بهوليوود. كما لا تخلو ذاكرتي البصرية من صور كارتييه ـ بريسون ومارك ريبو. لكن رغبتي كانت اظهار وجه آخر للصين".
بدأ زاكمان منذ الثمانينات مواضيعه الصينية بتحقيق حول السينما هناك، حيث اكتشف وسطاً يخضع للعديد من المحرمات. لم يكن مسموحاً لصيني الاتصال بأجنبي: "كانت تجربة مروعة تعافيت معها من مرض الشيوعية بعد عودتي من الصين. انهارت الصورة الرومنسية التي كنت رسختها في مخيلتي بعد الزيارة الأولى".
1985، عودته الثانية الى الصين، حضر لها بقراءات من الأدب البوليسي الغربي بشقه الصيني، خصوصاً من الفرنسي فيكتور سيغالين الذي زار الصين في بداية القرن الماضي، من كتابه "آن ليز" استوحى زاكمان شخصية (w)، بطل ألبومه الفوتوغرافي (w أو عين آنف طويل) الصادر في 1995. يرمز الى صيني التقاه زاكمان في باريس اثناء عمله على الشتات الصيني، فرافقه الى تايوان، هونغ كونغ، بانغكوك، نيويورك، وسان فرنسيسكو، ثم الى المقاطعات الجنوبية للصين منطلق هجرة الشتات. يوضح زاكمان: (W) شخصية معقدة، اضفت عليها مزيداً من الغموض. محاصر بين ثقافتين صينية وفرنسية. متخبط في تناقضاته. رحلتي الأولى الى الصين كانت برفقته. فسر لي الرموز والاشارات وكشف وجه الصين المخفي. رحلاتي الأخرى قمت بها وحدي. رغبت تصوير اللامألوف، مثل المافيا والاحياء المقفلة، أي كل ما كان محرماً حتى على الصيني نفسه".
صور (W أو عين أنف طويل) بالأسود والأبيض وبالألوان. الألوان هي الوجه الظاهر للصين، شعائر وأعياد شعبية، أو "اخراج الواقع" كما اسماه زاكمان، طبعت على ورق مصقول. الأسود والأبيض لكل ما هو ذاتي، او ممنوع ومخفي حتى عن "الأنوف الطويلة". النص المكتوب، اراده مرادفا لـ "خارج المجال" في علم البصريات: "عندما اقوم برحلة استعين بتدوين مشاعري ووصف كل ما اعجز عن تصويره. الكتابة تدفع بالحدود وتزيد من امكانيات الصورة والاحاطة بها".
في العام 2000 يعود باتريك زاكمان مرة أخرى الى الصين بعد غياب خمس سنوات ليجد ان الحداثة بدلت الصين التي عرفها "بألوانها الرمادية وأزرق ماو. الشوارع اليوم ملأى بالاعلانات الضخمة والنساء بأزيائهن الغربية، والحياة الليلية بكل شخصياتها، ما لم يكن ظاهراً للعيان من قبل. احتكرت الألوان حياة الشارع لدرجة الاثارة. منذ ذاك درجت على العودة بانتظام لأتجول في صين مصطنعة وسطحية. لمست انهيار القيم، والهجرات الجماعية لسكان الضواحي التي ازيلت لتحل مكانها الأبراج. وقد استوحي هذه الحالة لاختار عنوان عملي الجديد "تشوش صيني". زاكمان، الباحث عما هو ابعد من "الأحداث الكبرى" في الصين، غطى تفاصيل ويوميات الاعتصام في "تيان آن مين" التي شاء القدر ان يختصر احداثها بأيقونة أخرى، التقطها زميله في "ماغنوم" ستيوارت فرانكلين لأحد الطلاب وهو يواجه رتلاً من المدرعات. يتذكر زاكمان: "عندما عدت في 2006 الى "تيان آن مين" كان عليّ التخلص من الضيق الممتزج بالغضب والخوف بفعل ما عايشته ايام الاعتصام. قضيت عشرة ايام مع المعتصمين، بينهم اصدقاء لي، كانوا مضطربين، يواجهون تجربة جديدة. انها المرة الأولى التي ينامون فيها معاً طلاباً وطالبات. كانوا لطفاء، يعون ما سيصادفهم من اخطار. صدوا محاولات عديدة لاختراقهم. لكن اصبح صمودهم مستحيلاً في النهاية. احسست بالاختناق فانسحبت. صدمني كل هذا القدر من العنف، اليوم يتم القضاء على ذاكرة الساحة التي اصبحت تعج بالسياج الذي يقفون مع العسكر لالتقاط الصور".
في زيارته الثانية الى الساحة حمل زاكمان معه صوره الأولى ليقارنها مع حاضر الساحة، مع فارق هو اختياره اللون هذه المرة بدلاً من الأسود والأبيض الذي سجل بواسطته الاعتصام الشهير، واستحالة زيارة الساحة ليلاً بسبب المنع الرسمي. عمله "مظاهر مخادعة" بدأه بعدما لاحظ الاعلانات الجدارية الضخمة التي تخفي الورش المعمارية، والتي رسمت بأسلوب بروباغندا الثورة الثقافية، لكن لتروج "حلماً اميركياً هذه المرة: "تعبر هذه اللوحات عن الصين المعاصرة التي تستنسخ الغرب برداءة ذوق. انها غمزة عين وخداع للصورة في بنائها لتمثيل الواقع".
الصين التي حلم بها وبناها في خياله سئم البحث عنها. أدرك ابتعادها، وربما اختفاءها الى غير رجعة. الحداثة بلغت الأرياف النائية. يجهد في العودة إلى صينه المتخيلة كي يبقي على حبه لها وتعلقه بها. عمله الجديد الذي يصدر السنة القادمة، يقول عنه إنه سيضم نصوصاً عديدة، سيشبه مفكرة يومية وملاحظات من "خارج المجال"، تسرد العقد وسوء التفاهم وكل ما تبقى من الشاعرية واللقاءات وقصص الأصدقاء الصينيين. حلم العودة من جديد لا يفارقه أبداً "لكي أصور بحرية المدن والريف والوجوه. أعطي للصدف فرصها كي أحظى بموضوع يجيء من تلقاء ذاته. هذا مزيج من الحاجة والفطرة والحدس. أستخدم صوري كمنطلق للتحليل والتفكير، تحيلني صوري الى واقع كنت قد صورته ولم أره مباشرة. ربما يكون عملي هذا بحثاً محبطاً عن صين لم تعد موجودة".
فهل عمله هذا سيكون خطوة إجبارية نحو خاتمة موضوعه؟ يجيب زاكمان: "هذا اساسي في مسيرتي كمصور. إنه المسار المثالي لعملي. الكتاب واسطتي المميزة لأنني اضبط فيه كل شيء. المضمون والشكل. أشعر تجاه قرائي بعلاقة حميمة".
زاكمان، الذي حقق بعض الأعمال السينمائية خلال رحلاته الى الصين، لا يبدل آلاته الفوتوغرافية بكاميرا سينمائية "ما يهمني البقاء في دائرة الابداع. استخدم الفوتوغرافيا منذ زمن طويل. ادرك امكانياتها. أعود اليها كما علاقة حب قديمة. هي لي طريقة أخرى لتقديم عملي الفوتوغرافي والبحث عن مآل آخر له. لجأت أحياناً إلى السينما لأنني وجدت أن الصحافة لم تعد تقوم بمهامها. لم تعد ترضيني. للفوتوغرافيا امكانياتها المحدودة. ولأن قصتي مع الفوتوغرافيا قصة حب وكراهية، فإنني استخدم الكتابة والخط والأسود والأبيض، والألوان، لأهرب من السأم والتعب واستجيب لرغبتي الدائمة في رفض تكرار الذات".
باتريك زاكمان ليس الوحيد، انما هو السبّاق بين المعاصرين الذين تهافتوا على الصين التي تشهد اليوم هجمة غربية. اعضاء جماعة "ميول مشوشة" (فرنسا)، وعددهم 11، زاروا الصين مؤخراً دفعة واحدة ليصدروا عملهم المشترك "Mad in china" (وليس "Made in china" ).
ذهبوا الى الصين من دون تحضير لأية افكار مسبقة. التقوا بمواضعيهم صدفة. جماعة أخرى ايطالية هي "كونتراستو" لحقت بهم، ذهب أعضاؤها العشرة الى الصين كل بمفرده.
احتفظ كل من الجماعتين بنظرته الشخصية. قدمت تلك الأعمال صورة معمقة للصين، مباغتة. عدسات غربية غير تقليدية داهمتها، تطرقت الى مواضيع تشابهت صدفة: "الشباب"، "الانتظار"، "المهمشون"، "مناجم الفحم"، "جيل ايكيا"، (نسبة الى مصنع الاثاث الفنلندي "ايكيا" الذي ينتج تصاميم مبسطة). نظرات غير انتهازية قرروا استكمالها في أماكن أخرى خارج الصين.
اسم آخر يعمل اليوم في الصين، هو تييري جيرار الذي يسير على خطى الفرنسي فيكتور سيغالين في مهمته الاركيولوجية حول العمارات الجنائزية لأسرة" هان"، ويومياته التي تعود الى 1914. عمل جيرار "رحلة في موطن الواقع" تناول العلاقة المؤثرة بالواقع، بعيداً عن الحنين. الى بحثه هذا، لم يستطع جيرار التغاضي عن تغيرات القرن الواحد والعشرين الصينية. مفاجآت صوره في الوانها الرمادية الداكنة الكئيبة، لمناطق لم تداهمها السياحة الجماعية بعد. تدهش بجماليتها المتغلغلة حتى في تفاصيل يومياتها. قرى تلامس الضباب تعيش على أساطير الغيب، تماماً كما جاء في الفصل الثاني من كتاب سيغالين "المغامرة". في مقدمة عمله، يبرر تييري جيرار حجته للقيام بهذه الرحلة على خطى سيغالين: "ذاك انه عبر الصين، امبراطورة آسيا وموطن الواقع البالغ من العمر اربعة آلاف عام، تتم هذه الرحلة مرة ثانية من غير أن نخدع لا من الرحلة ولا من المكان المقصود ولا من اليومي المدهش، ولا حتى من النفس". صوّر جيرار الأماكن والوجوه بأسمائها الحقيقية، ليجعل من الوقت غير ذي اهمية، فيتقدم الألتقاء والطبيعة واليومي دون عناء، تماماً كما قدمت نفسها لسيغالين.
في الصين أيضاَ الفرنسي داميان بيريه الذي ابتعد في صوره عن الحداثة والطفرة الاقتصادية قاصداً مقاطعة "يونان" المحاذية للتيبت، اعراق وثقافات حافظت على موروثاتها من هجمة الثورة الثقافية. لا نوايا وثائقية او اتنية في عمله: "اصور الأفراد لا الثقافات".،
الفوتوغرافيا تبادل. تبقى الصورة استثناء في مناطق الـ "دونغ با" التي صورتها، حيث لا زالوا يعتبرون ان الصورة تخرج من صندوق السحر" يقول داميان بيريه. بكل قناعة وجدية وقفوا امامه "لم أبحث عن الجمالية، بل عن القلق الذي نحسه عندا نلتقي بأمثال هؤلاء" قال. التقط الوجوه من زاوية سفلية فاحتل الفضاء الازرق الخلفية. رجال، نساء واطفال بمنأى من الزمن والمتغيرات الاقتصادية.
الصين مرة أخرى في الحدث، رياضة أولمبية وثورة في التيبت. فهل يبقى في صور صين اليوم أكثر مما بقي في صور كارتييه ـ بريسون في الاربعينات او صور مارك ريبو في الستينات؟

ليست هناك تعليقات: